العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

الزمن المتجمّد: بين لحظة الذاكرة وغربة الحاضر

الملخص: 

يتناول المقال تجربة الإنسان مع الزمن المتجمد بين الذكرى والحاضر، حيث تتداخل الذاكرة والواقع فتخلق غربة داخلية. يدعو إلى الوعي الكامل باللحظة الحاضرة لتحرير الذات، وتحويل هذا الجمود إلى فرصة للتجدد والسلام الداخلي والانتماء الحقيقي.

كما يركّز على أهمية حضور الوعي في مواجهة تحديات العصر وتسريع وتيرة الحياة.

في عالمٍ تتسارع فيه اللحظات وتنساب الأيام كالنهر الجارف، يبقى الإنسان أسيرًا لحالة غريبة، كأن الزمن قد تجمّد في مكان ما، بين ماضٍ حي لم ينتهِ بعد، وحاضرٍ مشتت لا يمنحه الأمان.

إنها تلك اللحظة المعلّقة التي تتوقف فيها الذكريات عن كونها صورًا عابرة، وتتحوّل إلى ظلال ثقيلة تعانق الروح، تُغرقها في غربة زمنية بين ما كان وما هو كائن. الذاكرة ليست مجرد سجلٍ للأحداث، بل هي مسرح داخلي ينبض بالحياة، يعيد تشكيل الأزمنة بطرق لا يملك العقل السيطرة عليها.

حين نستدعي الذكريات، لا نعود فقط إلى وقائع مضت، بل نعيشها بكل تفاصيلها، كما لو أن الزمن قد توقف للحظة واحدة. لحظة يغيب فيها المستقبل، ويخفت الحاضر، وتُصبح الذات واقفة على حافة الذكرى، تتأمل وجوهًا غابت، وأصواتًا خفتت، وروائح لا تزال تسكن الوجدان. لكن، لهذه اللحظة سحرٌ مؤلم. فبينما تغرق الروح في دفء الماضي، يحل الحاضر كغريب جاف، لا يحتفي بها، ولا تعرف هي كيف تواكبه. هناك فجوة تتسع بين الذات والزمن، فجوة تجعل استيعاب الحاضر أمرًا شاقًا. يُصبح الإنسان غريبًا في يومه، فاقدًا للانتماء، وكأن الزمن يمضي خارجه.

تغدو الذكريات، في هذه الحالة، ملاذًا وعبئًا في آن. ملاذٌ لأنها تمنحنا بعض الأمان والحنين، وعبءٌ لأنها تعيق قدرتنا على التقدّم. ومع تسارع الحياة، وتكاثر الضغوط، تزداد الهوة بين الداخل والخارج، بين ما نريده وما نعيشه، بين انسياب الذاكرة وضجيج الراهن.

الأدب، في جوهره، هو محاولة لإعادة تشكيل هذا الزمن المتجمد. هو فنّ التوثيق الشعوري، حين تتجسّد اللحظات لا كماضٍ منتهي، بل كحضور دائم في نصّ مكتوب. ربما لهذا، نلجأ إلى القراءة والكتابة حين تضيق بنا الحياة. فالنصّ يمنحنا مساحة زمنية بديلة، نعيش فيها خارج إكراهات الحاضر، نُعيد فيها ترتيب مشاعرنا وكأننا نُحرّر الزمن من قسوته.

في كثير من الأحيان، تكون الذاكرة خادعة. ننتقي منها ما يناسب هشاشتنا، نُضخّم بعض الصور، ونُعيد تأليف المشاهد القديمة وكأنها أفلام نملك نحن سيناريوهاتها. ومع ذلك، للذاكرة دور أساسي في تشكيل الهوية. فهي ليست فقط مرآة، بل نسيجٌ حيّ يعيد بناء الذات ويمنحها استمرارية ودفئًا داخليًا.

غير أن التعلّق المفرط بالماضي قد يحوّل الذاكرة إلى سجن. حين تُصبح الذكريات أقوى من الواقع، يتعطّل الإنسان عن الحياة. وهنا تبرز أهمية الحضور الواعي، والقدرة على العودة إلى “الآن”. الحاضر، رغم ما فيه من ضجيج، هو المساحة الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يختبر فيها المعنى، ويستعيد بها ذاته.

في كل مرة نغيب فيها عن اللحظة الراهنة، نفقد جزءًا من وعينا. وحده الانتباه الكامل لما نعيشه الآن يمكن أن يُعيد ربطنا بذواتنا. هو الذي يسمح لنا بتحويل غُربة الحاضر إلى فرصة للانتماء. هو ما يمنح الزمن معنًا داخليًا، لا يُقاس بالساعات، بل بالامتلاء.

إن اللحظة التي ندرك فيها أننا نعيش خارج ذواتنا، هي لحظة الوعي الأولى. عندها، يصبح الزمن المتجمّد فرصة للتأمل، لا عائقًا. يصبح الحنين وسيلة لفهم ذواتنا، لا للهروب منها. نستطيع، حينها، أن نرى في كل ذكرى بابًا لا زنزانة، وفي كل صمتٍ هدوءً لا وحدة.

ليس الزمن سلسلة من الثواني فقط، بل هو تجربة وجودية كاملة. وكل لحظة نعيشها بصدق هي حجر جديد نبنيه في جدار هويتنا. وبينما تتبدد غربة الحاضر أمام هذا الوعي، يبدأ الزمن بالتدفق مجددًا، محمّلًا بإمكانات الفرح والتجدّد.

وهكذا، يبقى الإنسان مسافرًا بين ضفتي الزمن، يحمل ذاكرة لا تموت، ويطلّ من نافذة حلم لا يكتمل. وفي كل لحظة صمت، حين يهدأ الصخب من حوله، يشعر بأن الزمن، مهما بدا متجمّدًا، لا يزال ينبض في داخله، يدعوه لأن يعيش لا كعابر سبيل، بل ككائن يستحق أن يكون حاضرًا بصدق.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

وفاء ميلود ساسي

عضو هيئة التدريس بكلية القانون جامعة طرابلس - ليبيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى