
نماذجُ من معرفةِ الصَّحابةِ الكرامِ بِعلمِ النَّحْوِ
في بعض كُتُب التُّراث العربيِّ إشاراتٌ واضحةٌ إلى معرفة بعض الصَّحابة الكِرام، رِضوان الله عليهم، شيئًا من علم النَّحو، ويُمكننا عَدُّ تلك الإشارات أدلَّةً على بذور النَّحو الأولى، ولا شكَّ في أنَّ القرآن الكريم كان الباعث الأساس على نشأة علم النَّحو، ولسنا بصَدَد ذِكْرِ الرِّوايات الكثيرة الَّتي تكملَّت على نشأة علم النَّحو، لكنَّنا نُودُّ أن نذكر قول النَّبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، الَّذي يحثُّ على قراءة القرآنِ الكريمِ قراءةً سليمةً مع معرفة أسباب اختلاف الحركات على أواخر كلماته: «مَنْ قرأ القرآن، وهو يعلم لِمَ رُفِعَ ولِمَ نُصِبَ؟ كان له بكلِّ حَرْفٍ سبعُمئةِ حَسَنةٍ»(1).
النَّموذج الأوَّل:
رُوِيَ أنَّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، قرأ قوله تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف: 77)، يا مالِ، فأنكر عليه سيِّدُنا عبدُالله بن عبَّاس، فقال عليٌّ: هذا مِن التَّرخيم في النِّداء، فقال ابن عبَّاس: ما أَشْغَلَ أهلَ النَّار في النَّار عن التَّرخيم في النِّداء، فقال عليٌّ: صدقت. وعلَّق ياقوت بعد إيراده هذا الخبر قائلًا: «فهذا يدلُّ على تحقُّق الصَّحابة بالنَّحو وعلمهم به» (2). وفي هذا الخبر إشارة واضحة إلى معرفة الصَّحابة بعلم النَّحو.
النموذج الثَّاني:
لَمَّا نزلت الآية: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) (الأنبياء: 98)، وقد خاطب بها الله، عزَّ وجلَّ، المشركين، وقد ظنَّ المشركون أنَّ عيسى، عليه السَّلام، والملائكة وعُزَيرًا يدخلون في حكم البيان الإلهيِّ، فسُئِلوا: أَلَسْتُمْ عربًا؟ أَوَ مَا تعلمون أنَّ (مَنْ) لِمَنْ يَعْقِل، و(ما) لِمَا لا يعقل؟ ورُوِي أنَّ النَّبيَّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، قال لعبدالله بن الزِّبَعَرَى، وقد كان مشركًا: «يا غلام، ما أَجْهَلَكَ بلغة قومك! لأنَّي قُلْتُ: وما تعبدون، وما: لِمَا لم يعقِل، ولم أقل: ومَنْ تعبدون»(3).
النَّموذج الثَّالث:
لمَّا نزلت سورة النَّصْر: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر: 1-3) أدرك النَّبيُّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، أنَّ أسلوب الشَّرط هنا للخبر المَجَازيِّ المُتحقِّق الوقوع، بمعنى قد جاء نصر الله..، فالمعنى أنَّه قد جاء نصر الله، فلتستعدَّ يا مُحمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، لِتَرْكِ هذه الدُّنيا، وقد رُوِي أنَّه، صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: «نُعِيَتْ إليَّ نَفْسِي». وقد سأل سيِّدُنا عمرُ عبدَالله بنَ عبَّاس، رضي الله عنهما، عن معنى الآية، فقال: «هو أَجَلُ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، أَعْلَمَهُ الله إيَّاه…. وذلك علامة أجلك»، فقال سيِّدنا عمر: «ما أَعْلمُ منها إلَّا ما تعلم»(4).
النَّموذج الرَّابع:
الآية الكريمة: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (المائدة: 46).
قال الإمام عليّ: و(مُصدِّقًا) معطوف على (مُصدِّقًا) الأوَّل(5).
النَّموذج الخامس:
لمَّا نزلت آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء: 43) قال سيِّدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ، بيِّنْ لنا في الخَمْر بيانًا شافيًا»، ثُمَّ نزلت الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 91)، وقد فهم سيِّدنا عمر من الاستفهام بـ(هل) في قوله تعالى: «فهل أنتم منتهون» الأمر لا الاستفهام الَّذي يتطلَّب جوابًا بـ(نعم) أو (لا)، ولذلك قال عمر، رضي الله عنه: «انْتَهَيْنا انتهينا»(6).
الهوامش:
(1) ابن أبي جمرة الأندلسي، بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها- شرح مختصر صحيح البخاري، ط1، 1348هـ، مطبعة الصدق الخيرية، القاهرة، 4/74. والذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تح علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1963م، 4/541.
(2) الحموي، ياقوت، معجم الأدباء، تح د. إحسان عبَّاس، دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، ط1، 1993م، 1/17. وينظر: الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1407هـ، 4/264. وفيه: «وقيل لابن عبَّاس: إنَّ ابن مسعودٍ قرأ: ونادوا يا مال، فقال: ما أشغل أهلَ النَّار عن التَّرخيم!». فقد ردَّ ابن عبَّاس قراءة ابن مسعود.
(3) السيوطي، الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، 5/679، 680. والآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تح علي عبدالباري عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ، 9/89.
(4) ينظر: الإمام أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تح شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرون إشراف: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1، ٢٠٠١م، 3/366. والإمام البخاري، صحيح البخاري، تح محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422ه. 4430، 6/9.
(5) أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، تح عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض وغيرهما، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م، 3/511.
(6) الطبري، تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن)، تح أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 2000م، 10/566. الإمام أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تح شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1، 2001م. 1/443.
عدد التحميلات: 0



