سنن التمكينالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-11-06 22:00:20

د. وليد فتيحي

نزل المقاتل الضخم الجبار ساحة المعركة وتحدى أن ينازله أحد من جيش المؤمنين، فلم يجرؤ أحد إلا راعيًا شابًا في مقتبل عمره أخلص النية وتوجه إليه بكل ثقة وعزيمة إيمانية، وبسرعة وبخفة أخرج حجره من جرابه الجلدي، وأسكنه مقلاعه وطوقه في الهواء بضع مرات وسمى بالله وأحسن التصويب فأصاب عدوه وعدو الله في النقطة غير المغطاة من رأسه فأسقطه صريعًا.. وهكذا قتل داوود جالوت.
قصة تحمل رمزية هامة، وهي انتصار الخير والعدل وإن كان ضعيفًا على الشر والظلم وإن كان قويًّا، ولكن هل كان داوود عليه السلام عند دخوله المعركة الطرف الأضعف أم الأقوى عدة وعتادًا واستعدادًا..
 كانت الحروب آنذاك تدار بثلاثة أنواع من المقاتلين، الأول سلاح الفرسان وهم رجال مسلحون يمتطون الأحصنة، والثاني جنود مشاة يحملون أسلحة ثقيلة ودروعًا وسيوفًا، وأما النوع الثالث فهم الرماة وهم ما يعادلون اليوم سلاح المدفعية، ويعد المقلاع في يد المتمرس الماهر سلاح من أفتك الأسلحة آنذاك وأدقها في إصابة الهدف، فهو يفتك من على بعد مائتي متر.
وفي المعارك تتوازن القوى بين الفرسان والمشاة والرماة، فالمشاة هدف سهل للرماة نظرًا لبطئهم لما يحملون من أسلحة ثقيلة، ولكن الفرسان هدف صعب للرماة لسرعة تحركهم، وهم الذين يحمون المشاة من الرماة.
وقد قام أخصائيون في السلاح بدراسة لقوة الحجر المنطلق من مقلاع بافتراض حجر يشبه الجسم الذي كان يستخدم آنذاك ومقلاع مشابه، فوجد أن الحجر سيصل إلى هدفه على بعد 35 مترًا بعد ثانية ونصف الثانية وبسرعة 122 كم/الساعة، وهذه سرعة كافية أن تخترق أي جمجمة لحظة ارتطامها به وتقتل وإن كان الهدف رأس عملاق مثل جالوت. أي بمعنى آخر أن نبي الله داوود كان يدرك نقاط ضعفه ومصدر قوته، وكذلك يدرك جيدًا قوة خصمه ونقطة ضعفه، وأخذ بأسباب التمكين التي أمر الله بها فلم ينزل المعركة تواكلاً بذريعة الإيمان وإنما نزل توكلاً بإيمان أن الأخذ بالأسباب هي عبادة واتباع لأمر خالق العباد.
لقد رفض نبي الله داوود أن يقترب من عدو الله جالوت ويقاتله بسلاحه الذي اختاره السيف والدرع، وإنما قتله بالسلاح الذي تمرس عليه داوود طوال حياته حتى أصبح ماهرًا محترفًا به، وبذلك كان داوود عليه السلام متفوقًا عسكريًّا ويمتلك تقنية متقدمة بمعايير ذلك الزمان جعلت جالوت بكل قوته وجبروته ضعيفًا عاجزًا وهدفًا سهلاً أمام نبي الله داوود عليه السلام.
إن هذا ما أراد أن يوضحه الكاتب المبدع مالكوم جلادويل (Malcolm T. Gladwell) في كتابه الأخير (David and Goliath: Underdogs, Misfits, and the Art of Battling Giants) (الضعفاء والمهمشين وفن مقاتلة العمالقة). ويؤكد أن قراءتنا الخاطئة جعلتنا نغفل عن دروس هامة في هذه القصة العظيمة. 
يتمحور الكتاب حول مفهوم نقطة القوة، وهي الخاصية التي يفترض أنها السبب الرئيسي الذي نبني عليه توقعاتنا، ويمكن أن تكون هذه النقطة السبب كذلك في الهزيمة. 
يتحدث الكاتب في كتابه عن الشجاعة والمبادرة ممن يتوقع منهم أنهم ضعفاء ومغلوبون على أمرهم، ولكنهم أثبتوا أنهم قادرون على صنع المعجزات ويسوق الأمثلة تلو الأمثلة ليثبت أن ما أثبته في كتبه السابقة أن الإنسان قادر على قلب الموازين متى آمن بنفسه وقضيته وأخذ بالأسباب وتعامل مع الأحداث من منطلق القدرة لا العجز. 
ومتى قرر الإنسان العادي مواجهة عملاق أيًّا كان شكل هذا العملاق في حياته، فإنه قادر على التغلب عليه، كل شيء يصارع الإنسان في حياته مهما كان ضخمًا وصعبًا في نظر الآخرين، فإن الخالق وضع في الإنسان قدرة كامنة لكسر القواعد التي نعتقد أن الحياة تسير بها لا محالة، في حين أن نواميس الحياة ليست كذلك.
فالدخول في منافسة مع خصم أقوى بكثير، بحيث إن نسبة نجاحك المتوقعة تكون ضئيلة قد تكون الدافع الكبير للفوز وهزيمة خصمك، السر يكمن في تخطي نقطة ضعفك وتحويلها إلى قوة. وقد سرد الكاتب في كتابه قصصًا تظهر لنا كيف أن ما يمكن أن نراه إعاقة، يمكن أن تكون سببًا لنجاح عكس المتوقع. بل إن تحليل الحروب التي خاضتها البشرية خلال المائتي عام الماضية تبين أن الدول العملاقة، وهي الدول التي تتفوق بنسبة لا تقل عن عشر مرات على أعدائها سواء في القوة العسكرية أو عدد السكان، انتصرت فقط في 71% من تلك الحروب على الدول الضعيفة، بينما كان من البديهي والمفترض أن تنتصر أي دولة قوية على أي دولة ضعيفة.
يقول جلادويل «أنت لا تتمنى أن يولد طفلك ولديه صعوبات قراءة، ولكن يمكن أن تكون صعوبات القراءة هذه هي الدافع لعمل أشياء عظيمة». ويضرب مثلاً بمحامي يدعى (David Boies) ترافع ضد العملاقين  مايكروسوفت (Microsoft) وآي بي إم (IBM) وانتصر عليهما، وسبب فوزه المستمر ضد خصومه أنه كان يعاني من صعوبة القراءة (Dyslexia)، فصعوبة القراءة لديه أدت إلى تطوير صفات تعويضية أخرى لديه مثل سرعة البديهة والحفظ، فأصبحا سلاحين جبارين أمام خصومه.
كل يوم يولد العديد من الأشخاص المعاقين أو المصابين بأمراض نفسية ولكن هناك مجموعة منهم يرفضون الاستسلام وينجحون عن طريق تحويل ضعفهم إلى قوة، والمبهر أن كثيرًا منهم استطاعوا التحول إلى عباقرة والقيام بما لا يقدر عليه الكثير من الأصحاء. 
لقد أجمع المؤرخون أن أينشتاين ونيوتن كلاهما كانا يعانيان صفات توحدية. 
وتوماس أديسون كان يعاني من صمم جزئي نتيجة الضربات التي كان يتلقاها وهو صغير، وطرد من المدرسة بسبب صممه ودرسته أمه في البيت، وكان يقول إن هذا الصمم الجزئي لهو نعمة لأن الضوضاء الخارجية لا تستطيع أن تشوش أفكاري، وكان يعمل 18 ساعة في اليوم، وقد اخترع في حياته 1093 اختراعًا بما فيها المصباح وآلة عرض الصوت ومسجل الصوت والهاتف.
بيتهوفين قضى 25 عامًا لا يسمع، واستطاع خلال هذه السنوات أن ينتج أفضل أعماله الموسيقية دون أن يسمعها. 
هيلين كيلير الصمّاء البكماء العمياء التي تحدت كل هذا فتعلمت الكلام والخطابة والقراءة والكتابة بلغات عدة وحصلت على شهادة الدكتوراه وكتبت ثمانية عشر كتابًا. وقصة جين دومينيك (Jean-Dominique Bauby) وهو صحفي وكاتب ورئيس تحرير فرنسي مشهور. أصيب 1995م بجلطة كبيرة في القلب فدخل في غيبوبة لمدة 20 يومًا استيقظ بعدها بمرض عصبي نادر (Locked-in Syndrome) فأصبح مشلولاً شللاً كاملاً، في حين أنه في كامل قواه العقلية ولا يستطيع أن يحرك إلا جفن عينه اليسرى، وبالرغم من ذلك استطاع تأليف كتاب (The Diving Bell and the Butterfly) عن طريق إعطاء إشارة بجفنه الأيسر عندما يقرأ الحرف الصحيح عليه وبذلك ألف الكتاب كله في عقله وكتبه حرفًا حرفًا على مدى عامين وتوفي بعد يومين من نشر كتابه.
وكذلك كرستي براون (Christy Brown) الذي أصيب بالشلل الدماغي (Cerebral Palsy) ولم يستطع التحرك لأعوام أو يتكلم، واعتبر متخلفًا عقليًّا، ولكن والدته استمرت في التحدث معه وتعليمه، وفي يوم فجأة خطف طبشورة من أخته بقدمه اليسرى وبدأ يخط بها ويتواصل مع أهله ليصبح من أفضل الكتّاب والشعراء والرسامين في أيرلندا، ويموت وهو في التاسعة والأربعين من عمره عام 1981م.
مصطفى صادق الرافعي الذي توفي سنة 1937م كان قد أصيب في سمعه بعد إصابته بالتيفود وهو طفل، وفي الثلاثين من عمره كانت حاسة السمع قد تعطلت لديه تمامًا وأصيب بالصمم.. ولم تكن إعاقته مانعًا من أن يحقق شهرة أدبية واسعة.. حيث تصدى للكتابة والتأليف حتى صارت له مدرسة أدبية تعرف باسمه في الأدب العربي. ويعد الرافعي من الأدباء أصحاب الروح الإسلامية الخالصة الذين خدموا الإسلام باْدبهم وشعرهم، ولا يزال إلى اليوم قبلة للأدباء، ويعد كتابه (وحي القلم) علامة فارقة في الأدب العربي المعاصر. 
أبو العلاء المعري الذي ولد سنة 363 هـ، وتوفي سنة 449 هـ فقد بصره في الرابعة عشرة من عمره ليضيف إلى عزلته جدارًا جديدًا، بعد يتمه وفقده أباه في السادسة من عمره، وقد اعتزل الناس طويلاً، ولم يمنعه ذلك من الإبداع والتأليف، أطلق عليه (رهين المحبسين)، محبسه الاختياري في داره، ومحبسه الإجباري بضياع بصره. كان أعجوبة عصره وإلى الآن في البلاغة والبيان وعرف بأنه (حكيم الشعراء وشاعر الحكماء)، يقول "أنا أحمد اللّه على العمى كما يحمده غيري على البصر" .. ترك العديد من المؤلفات الأدبية ذات الطابع الفلسفي والفكري.
قرر صبي يبلغ من العمر عشر سنوات تعلم الجودو بالرغم من أنه فقد ذراعه اليسرى في حادث سيارة، وبدأ الصبي الدروس مع مدرب ياباني خبير. كان أداء الصبي حسنًا إلا أنه لم يستطع أن يفهم لماذا بعد ثلاثة أشهر من التدريب لم يعلمه المدرب سوى حركة واحدة فقط.. 
أخيرًا سأل الصبي المدرب لماذا لا أتعلم حركات أخرى، فأجابه هذه الحركة الوحيدة التي تحتاجها دائمًا وأبدًا. لم يفهم الصبي ولكن كان يؤمن بمدربه فاستمر في التدريب وبعد أشهر أشرك المدرب الصبي بالبطولة الأولى له مما أدهش الصبي فوزه بسهولة في أولى المبارتين، وكانت الثالثة أصعب ولكن انتصر فيها. أما المسابقة النهائية فكان المنافس أكبر وأقوى وأكثر خبرة منه وبدا أن الصبي سوف يخسر وكاد الحكم أن يوقف المباراة خوفًا على الصبي ولكن المدرب أصر على الاستمرار، وبعد فترة ارتكب الخصم خطأً واستغنى عن وضعه الدفاعي فاستخدم الصبي حركته الوحيدة وفاز بالبطولة. 
وفي طريق العودة استجمع الصبي شجاعته وسأل مدربه: كيف فزت بالبطولة بحركة واحدة فقط وبيد واحدة فقط؟ أجابه المدرب لقد فزت لسببين، الأول لقد أتقنت واحدة من أصعب الحركات في رياضة الجودو على الإطلاق فامتلكت سلاحًا قويًّا جبارًا. وأما السبب الثاني فإن الحركة الدفاعية المعروفة الوحيدة لتلك الحركة هو أن يقوم الخصم بالإمساك والسيطرة على ذراعك الأيسر.
حقًّا ليس هناك مفهوم ثابت جامد محدد للقوة والضعف، بل إن القوة والضعف مفهومان نسبيان وقد يكون في الضعف سر القوة، وفي القوة نقطة الضعف. هكذا أرادها الخالق ليكشف لنا عن القوة الحقيقية التي لا ترى بالعين وتختبئ هناك في أعماق الإنسان في إرادته وعقله وروحه. 
إنها قصة داوود وجالوت تتنكر لنا بشتى الصور والأشكال والألوان.. تتكرر عبر العصور والأزمان لتظهر لنا بديع خلق الرحمن للإنسان.   

 


عدد القراء: 130

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-