حول الدولة: دروس بيير بورديو في كوليج دو فرانسالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-11-06 22:45:59

د. سعيد بوخليط

مراكش - المغرب

ترجمة د. سعيـد بوخليـط

 

تقديم الناشر:

إن إعداد نص الدروس التي ألقاها بيير بورديو في كوليج دو فرانس تفترض عددًا معينًا من الاختيارات المتعلقة بالنشر. تشمل هذه الدروس سلسلة نصوص مكتوبة، وشروح شفوية، وكذا تأملات مرتجلة تقريبًا، حول مسعى وكذا الشروط التي اهتدى بورديو في إطارها  نحو تدريسها.

تمزج مرتكزات هذه الدروس بين ملاحظات موثقة بخط اليد، أو مستخلصة من محاضرات وكذا تأويلات على هامش مؤلفات ونسخ مصورة. ملاحظات بيير بورديو حول شروط تلقي آرائه، أمام جمهور غفير ومتعدد جدًّا ملأ المدرج الكبير لـ "كوليج دو فرانس"، تظهر بأن دروسه لا يمكن فقط اختزالها إلى النسخ المكتوبة التي تركها، في نطاق كون عرضها قد يأخذ صيغًا غير متوقعة، حسب تفاعلات إصغاء المستمع. 

هناك حل يحظى بالجدارة الجلية للحياد وكذا الوفاء الشكلي للكاتب يتمثل في إصدار نسخة حرفية وخالصة لمجموع دروسه. لكن لا يكفي فقط إعادة إنتاج الشفهي كي يحافظ على سماته الشفوية، بل يعني جل العمل البيداغوجي المتبلور خلال كل درس. والدرس المنطوق ليس قطعًا بدرس النسخة ''الصادرة'' مثلما تمكنا من فحص ذلك عبر بعض الدروس حيث تم الانكباب بشكل مستفيض على تسجيلها الجديد، وأحيانًا نقحت كليًّا كي تتحول إلى مقالات صدرت في مجلات علمية. هكذا، فالشكل المنتقى جليًّا للدروس هو أقرب إلى منطق الاكتشاف العلمي من عرض مكتوب، رتب على الوجه الأكمل، نتائج بحث. 

بكل بداهة إذا لم يكن في وسع ناشري هذا العمل أخذ موقع المؤلف بعد رحيله ويؤلفوا بدلاً عنه الكتاب الذي كان بوسعه انجازه انطلاقًا من درسه، فبوسعهم السعي كي تتم على نحو أفضل مراعاة  السمات المتعلقة بشفاهية العرض مما يفترض أن تكون موسومة ويُشعر بها، ثم على العكس من ذلك، ينبغي التقليل قدر ما يمكن من التأثيرات الخاصة بالتدوين. على الناشرين كذلك أخذهم بعين الاعتبار، ضرورة إعطاء هذا الإصدار كل القوة والضرورة للعمل الذي يقتفى أثره، شريطة عدم  حلوله محل ما يريده المؤلف. كذلك هل توخى التدوين تجنب عقبتي الحرفية والأدبية. وإذا نصح بورديو على الدوام بالعودة إلى كتاباته قصد استيعاب ما يقوله(1)، فقد استثمر أيضًا المعطيات الشفوية وكذا حرية التعبير التي تسمح، أمام جمهور يعلم تعلق جانب كبير منه، بالتقاط التضمينات واستعادة ثانية للبرهان والاستدلال. 

في فقرة من كتابه"بؤس العالم"، والمعنونة بـ"مجازفات الكتابة"، يعمل بورديو على تحليل الانتقال من الخطاب الشفوي إلى الكتابي، كـ :"ترجمة حقيقية بل وتأويل"(2). والتذكير بأن:"الترقيم البسيط، موقع فاصلة" يمكنه: "التحكم في كل معنى جملة"''.

يجتهد نشر هذه النصوص للتوفيق بين ضرورتين متناقضتين لكن غير متعارضتين: الوفاء والمقروئية. إن "الاختلالات" غير القابلة للتجاوز، ملازمة لكل تدوين (وبشكل عام،مع كل تغير للسند)، يمثلان  بدون شك هنا، مثلما الأمر مع الحوارات التي حللها بورديو ''أساس وفاء حقيقي"، حسب تعبيره.

يحترم توثيق دروس كوليج دو فرانس التدابير التي تبناها بورديو حينما راجع بنفسه المحاضرات والحلقات الدراسية التي خولت هذا الإصدار: تصحيحات أسلوبية طفيفة، صقل لرواسب الخطاب الشفوي (استفهامات، تكرارات، إلخ). أُعيد النظر في  بعض مظاهر الإبهام أو التراكيب غير الدقيقة. حينما تنصب الاستطرادات حول التيمة المطروحة للبحث، توضع بين عارضتين، وعندما تنطوي على قطيعة ضمن مجرى الاستدلال، توضع بين قوسين، ولما تكون طويلة جدًّا، قد تصبح موضوع بتر تام. التقطيع إلى أجزاء وفقرات، وكذا العناوين الفرعية، والترقيم، والإشارات التي تحدد المراجع والإحالات هي من إخراج  الناشرين، وكذا المؤشر الموضوعاتي والمفهومي. أما المراجع البيبليوغرافية الموثقة أسفل الصفحة  فتنسب إلى بيير بورديو، وتم إتمامها حينما تبدو غير كافية. ثم  أضيف بعضها من أجل المساعدة على فهم الخطاب: شروحات، إحالات، إشارات ضمنية أو جلية لنصوص تستفيض في التأمل. بوسع القارئ الوصول إلى ملحق لائحة المقالات، والمؤلفات وكذا وثائق الاشتغال التي استند عليها بورديو خلال فترة دروسه، والتي وضبت ثانية انطلاقًا من إشاراته داخل العمل وكذا جذاذاته القرائية المتعددة.

أعد بورديو قسمًا من محتوى هذه الدروس وأصدرها بعد ذلك في صيغة مقالات أو فصول ضمن مؤلفات. هذا الأمر أثير الانتباه إليه خلال كل مناسبة. مجموع الدروس تلتها ملخصات وردت في الدليل السنوي لكوليج دو فرانس.

السنوات الثلاث للدروس التي انصبت على موضوع الدولة اختيرت من أجل البدء في طباعة دروس كوليج دو فرانس لأنه، كما سنرى من خلال "وضعية الدروس" عند نهاية الجزء الحالي(3)، يتعلق الأمر بقطعة ضرورية لكنها نادرًا ما تدرك كما هي بين طيات البناء السوسيولوجي عند بيير بورديو. الأجزاء اللاحقة تتمم الإصدار النهائي للدروس خلال السنوات المقبلة في صيغة مؤلفات تعالج إشكاليات مستقلة.

درس 18 يناير 1990

موضوع غير مفكر فيه – الدولة كفضاء محايد – التقليد الماركسي –تقويم وبناء الزمانية –أصناف الدول – أفعال الدولة – سوق البيت الفردي والدولة – لجنة ''ريمون بار'' حول السكن.

1 - موضوع غير مفكر فيه:

يتعلق الأمر بدراسة عن الدولة، بالتالي يلزمنا أن نأخذ حذرنا أكثر من ذي قبل بخصوص ماهو متداول بالمعنى الذي  قصده دوركايم، ضد الأفكار الجاهزة، وكذا السوسيولوجيا الساذجة. من أجل، تلخيص التحليلات التي أنجزتها على امتداد السنوات السابقة، لاسيما التحليل التاريخي للعلاقات بين السوسيولوجيا والدولة، أشير إلى أننا نجازف بتطبيق فكر للدولة على الدولة وألح على كون فكرنا، بل وبناءات الوعي نفسها التي نؤسس من خلالها العالم الاجتماعي وهذا الموضوع الخاص الذي هو الدولة، تتسم بحظوظ وافرة كي تكون نتاجًا للدولة. نتيجة انعكاس للمنهج، وكتأثير للمهنة، فكلما حاولت خلال كل مرة التطرق إلى موضوع جديد، يبدو لي كل ما قمت به مبررًا بشكل خاص، وأقول بقدر ما أتقدم في عملي حول الدولة، بقدر ما أقتنع بأنه إذا كانت هناك صعوبة خاصة للتفكير في هذا الموضوع، فلأنه تقريبًا– أزن كلماتي- غير مفكر فيه. إذا كان من السهل جدًّا قول أشياء حول هذا الأمر، فبالضبط لأننا ولجنا إذا صح القول من هذا الموضوع نفسه الذي علينا دراسته. لقد حاولت تحليل المجال العمومي، عالم الوظيفة العمومية باعتباره فضاء حيث الاعتراف الرسمي بقيم اللامبالاة، ثم في نطاق ما، ينتصر الفاعلون لهذه اللامبالاة(4).

هذان المفهومان – المجال العمومي واللامبالاة- هما مهمان جدًّا، لأني أعتقد بأنهما ينبغي استحضارهما قبل الوصول إلى فكر سديد – قدر الإمكان –فعلينا اقتحام سلسلة من الشاشات، والتمثلات، للدولة باعتبارها– مع الإقرار بأنها موجودة - مبدأ للإنتاج، وكذا التمثيل المشروع للعالم المجتمعي . إذا اقتضى الأمر مني إعطاء تعريف مؤقت لما نسميه بـ"الدولة"، أجيب بأن قطاع مجال السلطة، الذي يمكننا تسميته ''بمجال إداري" أو "مجال الوظيفة العمومية" هذا المجال الذي يتجه إليه تفكيرنا بشكل خاص عندما نتكلم عن الدولة دون مزيد من التوضيح، يتحدد بامتلاك احتكار العنف المادي والشرعية الرمزية. لقد وضعت، منذ سنوات عديدة تقريبًا(5)، إلى جانب التعريف الشهير لماكس فيبر الذي عرف الدولة كـ:"احتكار للعنف المشروع"(3)، تصحيحًا بأن أضفت: "احتكار للعنف المادي والرمزي"، بل يمكننا القول: "احتكار للعنف الرمزي المشروع"، في نطاق كون احتكار العنف الرمزي يمثل شرط امتلاك ممارسة احتكار العنف المادي نفسه. بمعنى ثان، يبدو لي هذا التعريف مبررًا لتعريف ماكس فيبر. لكن يبقى كذلك مجردًا، خاصة إذا انتفى لديكم السياق الذي هيأته في إطاره. إنها تعريفات ظرفية كي أحاول على الأقل استثمار نوع من الاتفاق المؤقت بخصوص ما أتكلم عنه، لأنه من الصعب جدًّا مقاربة  شيء ما دون تحديد على الأقل لما نحن بصدد الحديث عنه .إنها تعريفات مؤقتة موجهة لكي يتم إصلاحها وتقويمها.

هوامش:

1-Pierre Bourdieu  «prologue» ;Questions de sociologie ;paris ;minuit ;1984 ;p.7.

2-Pierre Bourdieu ; « comprendre »in p.bourdieu ;(dir.)la misére du monde ;paris ; seuil ; «points » ;1998.P.1418- 1419  .

3-voir infra, p.594 -601.                   

4 - مفهوم اللامبالاة تم التطرق إليه خلال درس السنة الفارطة (1988 - 1989) واستعيد ثانية في مقالة: ''هل ممكن موقف لا مبال ؟ "في: مبررات عملية حول نظرية الفعل، باريس، سوي،1994، ص 147 - 173

5 - انظر كذلك بيير بورديو في : ''قيمة السوسيولوجيا'' .باريس، مينوي،1987 ص 124 131.  

6 – بيير بورديو: "حول السلطة الرمزية"، ماي – يونيو 1977، ص 405 - 411 . أيضا ''اللغة والسلطة الرمزية''، باريس، سوي،2001، ص 201 - 211.

7 – ماكس فيبر: اقتصاد ومجتمع. ترجمة جوليان فروند، باريس، بلون 1971 ، ص 57- 59. وطبعة ثانية "pocket "1995  ص 96 - 100ثم

 8 -"العالم والسياسي"، ترجمة جوليان فروند، باريس، ص 29 .  


عدد القراء: 241

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-