الشِّعرُ بين هندسةِ اللُّغة وعمقِ الفلسفةِ (فِي ديوانِ حكايا راحلة)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-12 02:58:34

د. أحمد تمَّام سليمان

أستاذ البلاغة والنَّـقد - كلِّـيَّة الآداب - جامعة بني سويف- مصر

ديوان "حكايَا راحلةٌ" للشَّاعر عبدالرحيم الشَّيخ(1) تنتظمه ثنائيَّةٌ ضدِّيَّةٌ بنى عليها الشاعر كثيرًا من أفكاره، بين (الحياة) و(الموت)، ماثلةً في ألفاظٍ دالَّةٍ على الزمن، وتبدو متضادةً؛ لإحداث مفارقةٍ تحشد الذهن للإمعان الفلسفي في تأمل الحياة وما ينقضها، مثل: الآخرة والأولى، الصباح والمساء، الذهاب والإياب، القديمة والجديدة، عاش ومات... إلخ. وتتوالى عدة أسئلةٍ مغرقةٍ في الميتافيزيقا وفي طَـيَّاتِهَا الثُّـنائيَّات الضِّدِّيَّةُ، يقول الشَّاعر:

"هل عاد بحارٌ وحيدٌ يا أبي من بعدِ بحرِ الموتِ والظلماتِ؟

هل تكفي المرادي أن يشقَّ عبابهُ نفـرٌ من الأحياءِ كي تحيا البلادُ إلى الأبد؟

هل جاز ساحله أحد؟

غير الذي ركب السَّفينةَ مع رسُولِ إلههِ القاصِي

وغنَّى لِلخُلُودِ.. نفدَ الوجُودُ

نفدتْ مراديهِ الكثيرَةُ من مراثِيهِ الوفيرةِ.. واحدٌ، مائةٌ، وعشرونَ

الثيابُ غدت شراعًا، واستـقـرَّ القاربُ السـريُّ كرهًا، في سريرِ الآلهةِ

في برزخِ البحرينِ موتٌ أو حياةْ"(2).

وبعد توالي الأسئلة الغامضة وما أعقبها من أجوبةٍ أكثر غموضًا، يختتم الشَّاعر تجربته بِمُخْتَـتَمٍ يصلح أن تنبثق منه التساؤلات من جديدٍ، فيقدِّم الشَّاعر نصًّا أشبه بالسَّاقية التي لا تملُّ البكاءَ، فيقول:

"الآن تـنظـرُ في وجوهِ الآلهةِ، وتـقومُ من كيلِ الـكلامِ مبـرَّأً، كبحيـرةِ الأَزهارِ أو أنقى قـليلًا

الآنَ تعرفُ هذه الأسماء والأَنحَاءَ والخُطْـوَ الَذي سبق الخطيئةَ والتخطي يا أَبِي ميلًا فمِيْلًا

فـلـتُعطنِي عنكَ اللسانَ، وبعض ما نطـقَـتْ بِهِ بعضُ الجوارِحِ يا أَبِي

ولـتُعطنِي خَرزَ القـلُوبِ -إذا أردْتَ اليومَ- في بيتِ القـلُوبِ

لكي تُوافِي بالحقيقةِ والشهادةِ كلها، فأنا شهِيدُكَ في الحياةِ وفي المماتِ وعندَ بعـثِـكَ

أنتَ أتـقى، أنقى، أبقى.. أنتَ أقـربُ للحجابِ من الحجابِ"(3).

كما مثَّـلت ثنائيَّة (الصباح) و(المساء) ومشتـقَّاتهما تيمةً في الديوان، يقول الشاعر:

"العـرائس في الخريف يستعذن من الأسرَّةِ..

بالرجَالِ اليعرفونَ طباقَ أطرافِ الأسرَّةِ في المساء..

وفي الصباحِ يجدنَ أشجارَ الحديقةِ عارياتٍ،

والمحاريثُ الوفيرةُ تستـبـيحُ منافذَ الخصبِ الـكثيرةَ، قـبل أن يهمي السحابُ"(4).

ويقول:

"شـكـرًا لهذي المرأة الـكبـرى (الحياة)

أعطتـني السَّماعَ بُعيد إعطاء السماء، صبحًا مساءْ، في الظهيرةِ في الغسقْ..

سمعًا يدون في السريرة بعض أمكنةِ القـلق"(5).

ويستطيع القارئ تلمُّس ألفاظٍ لصيقة الصلة بالزمن، مثل: (أيَّام، مواسم، دهر، قيامة، لبث، بُعِثَ)، ولشيوعها بالديوان فيمكن تقسيمها إلى عدَّة حقولٍ دلاليَّةٍ، منها: حقل أوقات اليوم (صباح، ظهيرة، عشيَّة، غسق، مساء، ليل)، حقل الحياة (وُلِدَ، ميلاد، عاش، يعيش، يصحو، حيًّا، حياة)، حقل الموت (مات، يموت، موت، الممات، برزخ)... إلخ. ممَّا دفع الشاعر إلى فلسفة قضيَّة الموت، في غير موضعٍ من ديوانه؛ ليكتشف كُنْهَ الحياة من خلال ما ينقضها، يقول:

"الحيُّ يصحو من سباتِ الميتِ،

والميتُ الذي ملأ الوجودَ وجودهُ من غاديات الحي يخرجُ..

لا تسلنا: كم لبثـنا؟ قل لنا: ماذا عرفـنا؟

قد نجيبُ: ميلادنا هو علة الموت الوحيدةُ يا أَبِي،

والموت علة أن نكون، والموتُ يرقد حيث نرقُدُ يا أَبِي..

في الكرم، في البئر البعـيدة والقريبة، في المحطة، والقطار، وغرفة الإسعافِ،

يرقدُ في المعابدِ والمعاهدِ والمساجدِ، واستداراتِ الطريقِ، وعند فم النَّفَقِ..

الموتُ سِرٌّ فاضحٌ، في القـلبِ يرقد في السريرةِ والسريرِ"(6).

ويتدثَّر الشَّاعر بعباءة الحكيم ليتمَّ تجربته بما يريد أن يسير في النَّاس مَسِيرَ المَثَـلِ، فيقول:

"وهذا العيـشُ إِغفالٌ رزينٌ للمكارهِ يا أَبِي..

والموتُ معرفةٌ حرامٌ،

والموتُ مهمازُ الحياةِ، لغايةِ الدربِ القصيرِ وأولِ الدَّربِ الطويلِ"(7).

والتَّـناص عند الشَّاعر غلب عليه الطابع الدينيُّ؛ فمن التَّـناص مع القرآن الكريم تناصُّه مع قصة أصحاب الكهف، كقوله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) (8)، حيث يقول:

"اليومَ أعـثـرنا عليك، ولست تسأل: (كَم لبثـتـم؟) يا أبي"،

ويقول: "لا تسلنا: كم لبثـنا؟ قل لنا: ماذا عرفنا؟".

كذلك وهو بصدد تعريف الموت، يتناصُّ مع قوله –تعالى-: (وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) (9)، حيث يقول:

"الحيّ يصحو من سباتِ الميتِ،

والميت الذي ملأَ الْوجود وجوده من غادياتِ الحيِّ يخرجُ".

وأيضًا يتناصُّ مع قوله –تعالى- عن نبيِّ الله عيسى -عليه السَّلام-: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)  (10)، حيث يقول:

"سلامٌ أنتَ، سلامٌ كنتَ..

وحين ولدتَ بِقُـربِ النَّهرِ، وحين تعود فـتـبعثُ حيًّا"(11).

بل إنَّ الشَّاعر استطاع توظيف التُّراث الفرعونيِّ في قضيَّة البعث والنُّشور والحساب بعد الموت؛ حيث يُوضع القلب في كِـفَّةٍ، والرِّيشة في الْكِـفَّةِ الأخرى، وهي الرِّيشة الَّتي كانت تُوضع على رأس "مَاعِتْ" إلهة العدالة عند قدماء المصريِّين، فيقول:

"هاهم يعدُّون الخطايا، يُفرغُونَ الآن قـلبك يا أَبي من غير سُوءٍ

الآن يرفعك المبـرءُ والمبـرَّءُ والبـراءَةُ

كفَّةُ الميزانِ أنتَ، وريشةُ الحقّ التي في كفَّةِ الميزانِ قـلبكَ، والرُّوحُ منكَ بحيرةٌ خضراءُ قابلةُ التـشكُّلِ، يا أَبي هي في الإِيابِ"(12).

وفي قصيدةٍ استهلَّها الشَّاعر بـ"أنت"، وبطـياتها الخطاب موجهٌ إلى أبيه "يا أبي"، وهي مكوَّنةٌ من (اثنتين وأربعين) جملةً شعريَّةً، وعبارة عن: الأوامر والنَّواهي في العبادة، والمناقب والمثالب في الأخلاق، والمقبول والمرذول في المعاملات... إلخ، وهي خلاصة ما أوردَتْهُ الرِّسالات السَّماويَّة وبلورَتْهُ أفكار الحكماء والفلاسفة وصاغَتْهُ نصوص الشُّعراء والأدباء، فجاءَتِ القصيدة تقريريَّةً مباشرةً –غالبًا- لحصر هذه المعاني والدِّلالات.

وفي قصائد حكايا "الآخرون" –هكذا رُوِيَتْ بالرَّفع على الحكاية- تجربةٌ صوفيَّةٌ عَلَتْ فيها نبرة السَّرد، حيث استشعر القارئ أنَّه يطالع قصَّةً قصيرةً وليس قصيدةَ تفعيلةٍ، وحاول الشَّاعر استلهام التراث الديني؛ من آياتٍ قرآنيَّةٍ وأحاديث نبويَّةٍ ومصطلحاتٍ صوفيَّةٍ، فقد وردَت كثير من اصطلاحات الصوفيَّة منها: (الصُّوفيُّ، الدَّرويش والدَّراويش، المريد والمراد، المعجزات والكرامات، صاحب كرامةٍ وشيخ طريقةٍ، أهل وَجْدٍ، السوى والتجلي والتخلي، عـبـر الرُّؤيا، التِّــكِـيَّةٌ والمقام والرَّايات وقناديل المزار).

وبعدما تحدث الشَّاعر عن تجربةٍ صوفيَّةٍ مفعمةٍ باصطلاحاتهم، بدأ يطرح استفهامًا إنكاريًّا، على هيئة حوار بين سائلٍ ومجيبٍ، والسُّؤال يُطرح بآليَّةٍ لغويَّةٍ واحدةٍ هي: صيغة السُّؤال، مع تغيير لفظة الحال، والإجابة بفعلٍ مضارعٍ، مسبوقٍ بـ(قَـدْ) التي تفيد الشَّكَّ في وقوع الفعل المضارع، ثـمَّ تكرار الفعل في استهلال المجيب تفصيل أسباب وقوع هذا الفعل، في إجابةٍ تشكل التفصيل بعد الإجمال، كما تمثِّـل المعنى الفلسفي في تأمل إمكانيَّة عودة الموتى إلى الحياة، وتأمُّل ظواهر حياتيَّةٍ وكونيَّةٍ تكسب الأسلوب تشويقا وتفتح باب التَّـأويل، في عشرة أسئلةٍ هي(13):

1 - "قال لي: لم يدفن الأمواتُ موتاهم، تمامًا؟ قد يرجعُونْ..

قـد يرجعون بذاتِ ليلٍ، دون أن يجدوا مفاتيح البيوت، ولا البيوتْ".

2 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، إذًا؟ قد يرجعون..

قَد يرجعون ويسألون بذاتِ صُبحٍ عن أماكنهم وأشياء البقاءْ".

3 - "قال لي: لم يدفن الأمواتُ موتاهم، كما هم؟ قد يرجعون..

قـد يرجعون لأنّهم عرفوا الطَّريق، إلى دَمٍ تـركوه طوعًا في الطريق".

4 - "قال لي: لم يدفنُ الأمواتُ موتاهم، نيامًا؟ قـد يرجعون..

قد يرجعون ضُحًى، وفي أيديهِم ورقٌ تهالك لونه إِذْ زاورتهُ الشمسُ".

5 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، سراعًا؟ قـد يرجعون..

قـد يرجعون لفسحة المرآةِ في هذي الظَّهيرة، دون أن يلجوا الزحام".

6 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، خفافًا؟ قد يرجعون..

قـد يرجعون ويعتبون الدهـر، هم إِذْ فارقوا أوطانهم جوعى وعطشى للحياة".

7 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، عميقًا؟ قـد يرجعون..

قد يرجعون عشية، ويكسرون فؤوسكم، ويسألون".

8 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، سُدًى؟ قـد يرجعون..

قد يرجعون ويقصدون منابت الشجرِ، الذي فيه الحياة بُعيد بحر الموت".

9 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، نـوًى؟ قـد يرجعون..

قد يرجعون وليس ما بين الضُّلوعِ سوى قُـلُوبٍ من عقيقٍ، لا تـرى أيامها الأولى".

10 - "قال لي: لم يدفن الأموات موتاهم، جوًى؟ قـد يرجعون..

قـد يرجعون بلا خطاياهم خفافًا، عند مشرقِ شمسكم، ويباركون الأفق والأرض الصغيرة".

وهذه الأسئلة حرص الشَّاعر في تركيبها على هندسة اللُّغة، وفي مضمونها على عمق الفلسفة، في مسائل "الميتافيزيقا" عامَّةً، أو عالم "البرزخ" فيما يخصُّ الرَّاحلين، وهم بيت القصيد في الدِّيوان.

وكثيرًا ما يعمد الشَّاعر إلى استدعاء الطِّباق والمقابلة، وأسرف فيه حتى صار سمةً أسلوبيَّةً للديوان، فبالتَّضاد يحدث الشَّاعر مفارقةً، تحمل المتلقِّي على التَّوقُّـف أمام رسالة القصيدة التي لا تخلو من بُعدٍ فلسفي، لاسيما تأمل قضايا الحياة والموت، يقول في جملٍ أشبه بِالْمَثَـلِ:

"لو عاش الذي مات، فأين يعيش من ولد؟!"

و"ما ضر أن نُـلقي التـراب على التـراب؟!"(14).

وما أبدع هذه المفارقة التي تشحذ ذهن المتلقّي، حيث يقول:

"والقديمة أنكرت صوتي، وقالت مثلما قالوا:

إن صاح بُومُ الحي، مات الناس،

إن غنيت أو قلت القصيدة -يا حبيبي- مات بُوم الحي"(15).

وفي تكثيفٍ تركيبي رائعٍ حاول الشاعر بناء فقرةٍ شعريَّةٍ على هيئة جملةٍ واحدةٍ أشبه بالمثل، الذي يريد له الشاعر أن يدور على لسان المتلقي، ويفتح به باب التَّـأويل، مثل:

"العـرائس كالمواسم حاضراتٌ للذهابِ"(16)، كما جعله خاتمة القصيدة ليمثـل حسن الخاتمة.

وحاول الشاعر -وهو يكتب ديوانه بقصيدة التَّـفعيلة- أن ينتج موسيقى داخليَّةً، بإحداث تَـوَازٍ بين الوحدات اللُّغويَّة ممَّا حقَّـق حسن التـقسيم بها، يقول:

"جيب معطفه/ صغير// لن أصب/ الروح فيهْ..//

خطُّ رحـلـتـه/ بطيـئٌ// لن أطـيل/ الـسّيـر فيهْ..//

سطح مشهده/ رمـاد// لن أجـد/ جمـرًا يـلـيهْ..//"(17).

كما يقول:

"في أعالي/ القـبة الزرقاء/ يـلمع ما أحبُّ..//

من أقاصي/ الـجـمع/ ألمح من أحبّ..//"(18).

ولولا أنَّ الشَّاعر وصف المضاف إليه (القبَّة) بـ(الزَّرقاء) في السطر الأول، وأسقط وصف المضاف إليه (الجمع) في السطر الثاني؛ لحقـق التوازي التام بين السطرين الشعريين، مما يحقق تساويًا نغميًّا في السـيلِ المتدفق من حركاتٍ وسكناتٍ!

كذلك إفراط الشَّاعر في استعمال الشَّاذِّ في النَّحو، مثل: إدخال أداة (أل) على الفعل أو الحرف، والقاعدة المطَّردة دخولها على الاسم للتعريف، وعند دخولها على الفعل أو الحرف تعني الاسم الموصول، ولكنَّ الشَّاعر أفرط في هذا الاستعمال حتى شكل سمةً أسلوبيَّةً له.

* فمن أمثلة دخول (أل) على (الفعل) قول الشَّاعر:

- "والمجانين اليحبون الورود كما يحبون المساء"(19)، اليحبون: الذين يحبون.

- "بالرجال اليعرفون طباق أطراف الأسرة في المساء"(20)، اليعرفون: الذين يعرفون.

- "وهذا الخامس اليعدو بإصبع من يعد لكفه الأخـرى"(21)، اليعدو: الذي يعدو.

- "بفقَّاعات الحزن التجتاح شفا الروح فتدفعها"(22)، التجتاح: التي تجتاح.

حتى نتوقف على فقرةٍ شعريَّةٍ يُغرمُ فيها الشَّاعر بتكرير هذه الظَّاهرة اللُّغويَّة الشَّاذَّةِ، فيستخدمها استخدام الإلف والعادة كأنها الأصل، حيث يقول:

"هذي التجتاحُ العين الشهويَّة، تسملها طوعًا

يا صاحبُ: خلِّ العين يسيل عماها شهوة أنثى، لا تـبصرُ إلا بالسَّمَلِ

دَعْنَا نقطن بيت الحق الواقع في منـتصف الصاد، التـتـلو الباء، وتدفع ياء بصيرتنا للجةِ

هذي اللجَّةُ عين الأبد، اليعبرها قـلبي نبويًّا أبيض، خاطَ إِدامَ اللجةِ"(23).

التجتاحُ: التي تجتاحُ، التَّـتْـلُو: التي تتلو، اليعبرها: الذي يعبرها.

* ومن أمثلة دخول (أَل) على (حرف الجرِّ) قول الشَّاعر:

- "وحرروا من صخرة الذبح العلى باب القيامة"(24)، العلى: التي على.

- "أنت يا مرآة نفسك، يا خفي الهيـئة، الـلـتو قبل هنيهـتـين"(25)، الْـ/ لِتَّـوِّ: التي لِـلتَّـوِّ.

وهناك عدم الدقة في استعمال الشَّاعر بعض الأوصاف، يقول:

"لكني أكرر بعض ما قال النبيون القـدامى"(26)، فوصفه النبيين بـ(الـقـدامى) قد يشي بأنَّ هناك نبيِّين (مُحْدَثِينَ)، وهو ما لم يكن! سواءٌ أراد الشَّاعر (النَّبيِّين) حقيقةً أم مجازًا، ولعلَّه من قبيل الحشو الذي يخالف لغة الشِّعر التي جوهرها التَّـكثيف والإيجاز، وقديمًا أخفق الشَّاعر زهير بن أبي سُلمى (ت 609 م) في قوله من معلَّقته(27):

وأعلمُ علمَ الـيوم والأمس قبـلـهُ

                        لكنني عن عِلمِ ما في غدٍ عَمِي

حيث وصف (الأمس) بظرف الزَّمان (قـبـل)، المضاف إلى ضمير المفرد المذكر الغائب (ـهُ)، العائد على (اليوم)، والأصل أنَّ الأمس لا يكون أمسًا إلَّا إذا كان قبل الـيوم، بدليل أنَّه لم يصف (الغد) بظرف الزَّمان (بَعْدَ)؛ لأنَّ الغد لا يكون غدًا إلَّا إذا كان بعد الـيوم، فلمَّا ذكر الشَّاعر بالوصف ما فُهم باللَّفظ أتى بحشو الكلام فَعِيبَ عليه وَنُعِيَ به.

 

الهوامش:

(1) ديوان "حكايا راحلةٌ": من شعر الفصحى، للشَّاعر عبد الرحيم الشَّيخ، سلسلة: آفاق عربية، العدد (173)، الهيئة العامَّة لقصور الثَّـقافة، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى، 1434هـ/ 2014م.

(2) ديوان "حكايا راحلةٌ": قصيدة "حكايا الآخرون"، ص44.

(3) ديوان "حكايا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا الآخرون"، ص48.

(4) ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "رباعيَّة"، ص20.

(5) ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "طوبَى للحياةِ"، ص71.

(6) ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "أنتَ"، ص58- 59.

 (7)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "أنتَ"، ص59.

 (8)سورة الكهف، الآية 21.

 (9)سورة الرُّوم، الآية 19. ومتشابهتاها في سورة يونس، الآية 31. وسورة الأنعام، الآية 95.

 (10)سورة مريم، الآية 15. ومتشابهتها في سورة مريم أيضًا، الآية 33.

 (11)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا السَّماعِ"، ص66.

 (12)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا الآخرونَ"، ص47.

 (13)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا الآخرونَ"، الأسئلة العشرة: ص30- 32- 34- 36- 38- 40- 42- 44- 46- 48 (على التَّرتيب).

 (14)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا الآخرونَ"، ص42.

 (15)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "طوبَى للحياةِ"، ص72.

 (16)ديوان "حكايا راحلةٌ": قصيدة "رباعيَّةٌ"، ص21.

 (17)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "كتابٌ بحجمِ الكفِّ"، ص69.

 (18)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "طوبَى للحياةِ"، ص71.

 (19)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "تكرارٌ"، ص14.

 (20)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "رباعيَّةٌ"، ص20.

 (21)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا الآخرونَ"، ص37.

 (22)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "حكايَا السَّماعِ"، ص65.

 (23)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "عشرةُ أبوابٍ لبيتِ الصَّادِ ونافذةٌ للهِ"، ص79- 80.

 (24)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "أنتَ"، ص56.

 (25)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "أنتَ"، ص61.

 (26)ديوان "حكايَا راحلةٌ": قصيدة "تكرارٌ"، ص14.

 (27)انظر: معلَّقة الشَّاعر زهير بن أبي سُلمى، بشروحها المتعدِّدة؛ للزَّوزنيِّ، والتِّبريزيِّ، والشَّنقيطيِّ... إلخ.

وبعض الشُّرَّاح لا يرى في البيت حشوًا، ولا يتوقف كتوقفنا عند لفظة (الأمس)، كالأعلم الشَّنتمريِّ (ت 476 هـ) الذي يراه سلسًا، يقول: "المعنى: أعلم ما في يومي؛ لأني مشاهده، وأعلم ما كان بالأمس؛ لأني عَهِدْتُهُ، وأما علم ما في غدٍ فلا يعلمه إلَّا الله؛ لأنَّه من الغيب"، بكتاب أشعار الشُّعراء السـتَّةِ الجاهليِّين، طبعة دار الفكر، القاهرة- مصر، 1411هـ/ 1990م، ج1، ص287.


عدد القراء: 554

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة محمد عبد السلام محمد من مصر
    بتاريخ 2018-10-16 10:39:40

    بسم الله الرحمن الرحيم الباحث الدكتور :أحمد تمَّام ،قد اختار موضوع شيق للغاية وممتع ل ما لا نهاية يبين فيه الشعرُ بينَ هندسةِ اللُّغةِ وعمقِ الفلسفةِ وذلك في ديوان (حكايَا راحلةٌ) حيث أن الديوان بتمامه تنتظمه ثنائية ضديَّة ،ونجد أن الشاعر هنا أكثر من أسلوب المناظرة بين وحدتين فيما يعرف بالمقابلة ، وقد استطاع الشاعر في الديوان توظيف التراث الفرعوني والديني . حيث استمعتُ جيدًا بقراءة هذا الموضوع الذي يتميز فيه الكاتب ب:- روعة الأسلوب،ودقة التعبير،وحُسن اختيار الألفاظ ... (مع تحياتي بكل الشكر والتقدير والمزيد من الإبداع والتألق لأستاذي الدكتور أحمد تمَّام سليمان )

  • بواسطة فريد النمر من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2018-10-14 21:20:15

    السلام عليكم ورحمة الله دكتور أحمد حكايا راحلة موضوع رائع وتتبع دقيق وقراءة فاحصة لذيذة جدا في تقصيها لهندسة اللغة والفلسفة بين الحياة والموت وتحليل جميل عبر تلاصق المفردات الدالة وتظافرهانحو خلق شعري متجاوز في معناه المتستر باللغة فالحكايات الراحلة في أبديتها الفنتازية والميتافيزيقية وتشجرها بالرومتيكي العذب أدخلنا في عالم البحث عن الضائع بين سطور النص في بنيته وهندسته الفكرية والفلسفية نعم استمتعت كثيرا بهذي القراءة الجميل من أستاذ رائع ومتميز بدقائق الجمال والإلتباس والمعاني لي تساؤل هنا حول العنوان من جهة لغوية حيث جمع حكاية هو حكايات وجمع مرآة مرايا ألا يوقعنا هذا الاشتقاق في غرابة لغوية عند اللغوين أم هو من الجوازات في اللغة كل التحية والتقدير لشخصك الذي أحب مودتي

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-