البعدُ الحضاريُّ للُّغة العربيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 11:08:41

د. أحمد تمَّام سليمان

أستاذ البلاغة والنَّـقد - كلِّـيَّة الآداب - جامعة بني سويف- مصر

إنَّ النَّظرة العامة لعيون المشتغلين بإحياء التُّراث اليوم يجب أن تـرتـكـز على المخطوطات؛ إذ تُعَدُّ الأوعية العلميَّة للحضارة العربيَّة الإسلاميَّة عـبـر التَّاريخ التَّـلِيـد، بل وللحضارة الإنسانيَّة عامةً؛ لأنَّ العرب جزءٌ من بنيان الحضارة العالميَّة، لاسيَّما في العصور الوسطى، التي كانت الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة حينها نجم الحضارات، وكان المخطوط العربيُّ بمنزلة الـقنـديـل الذي يضيئ أوروبا.

إنَّ التُّراث اللغويَّ حَمَلَهُ عُدُولُ العرب من كل خَلَفٍ، حتى روى ماء اللُّغة شجرة الدين، فاستـقام ظلها وطاب قطافها على مرِّ العصور، ولمَّا يَسَّرَ اللهُ القرآن الكريم لانت اللُّغة العربية على لسان الأَعاجِمِ فحملها كذلك عُدُولُهُمْ، ولـقـد كانت العلوم العقليَّة والنَّـقليَّة في الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة ذات روافدَ حضاريَّةٍ عـتيـقةٍ، لأممٍ سـبـقـتها أو عاصرتها، وذلك من قـبـيل التأثير والتأثـر بين الحضارات الإنسانيَّة، التي ما أغفل الإسلام فضـلها، وما حارب الجانب المشرق منها، بل اعترف به، وَنهـل منه، وأتمَّ صَـنِـيعَهُ.

وعند التَّـأثُّـر بين الحضارات نـلمـس في تراثـنا ذلك التـأثـر، الذي أَعمـلـت فيه الـعـروبة والإسلام يـد الاقتباس، المـشوبـة بالتَّصحيح تارةً، والتَّطوير تارةً أخرى؛ بالتصحيح لـيـدخـل المنـتج الحضاريُّ القديم في لحـمـة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، ويصطبغ بطابعها، وبالتَّطوير نتيجةً لما ابتـكـرتـهُ الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة بعقول أبنائها، وما شـيـدتـه سواعدهم الـفـتـيـة؛ ليـقـدم في النهاية مـنجـز العرب المسلمين.

فـالهويـةُ عـمـلـةٌ ذاتُ وجهينِ، الوجه الأول: الدين، الوجه الثاني: اللغة، وهويتنـا الثقافية ركناهَا الإسلام والعـروبة، فالأول للديانة والثاني للإبانة، فـإن كان القرآن هـو دستورها، فـإنَّ العربيَّة هي لغتها، قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ) سورة إبراهيم- الآية 4.

والحفاظ على الهـويـة يكون بالبحث عن الوحدة، فبالوحدة تكون الأمَّة، قال -تعالى-: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) سورة الأنبياء الآية 92، وقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) سورة المؤمنون الآية 52، ووفـقًا لهذيْنِ الركـنـين يصير انتماؤنا إلى الأمـتـين الإسلاميَّة والعربيَّة، فإن كانت الأمة بمنزلة الهدف فإنَّ الوحدة بمنزلة الوسيلة، وبدون الوحدة تـتـمـزق الأمة جذعَ مذع، ويتفرق أبناؤها شذر مذر، فليس بعد انشقاق الصف وافتراق العصا سوى أن تصير الأمة أثـرًا بعد عينٍ!

هـنا تـكْمـن الحاجة الماسة إلى إحياء تراثـنا، والبحث عن تعزيز مـقـدراتنـا الحضاريَّة، والنهوض بمـقوماتـنا الثـقافية؛ لما لذلك كـله من دور في بناء الشخصية، وتكوين الهـويـة، وتصحيح صورة العربيِّ عامةً والمصريِّ خاصةً، والتي شـوهت على الصعيـد العالميِّ، فأصبح التـطرف لصيقا بفكر العرب، وأصبح الإِرهاب لصيقا بفعل العرب، بل إننا نجد الكثير من مؤسساتـنا التعليمية تحل تدريس اللُّغات الأجنبية محل اللُّغة العربيَّة، مما يبت الصلة بين الناشئة والحرف العربيِّ، كما وجدنا الكثير من الأعمال الدرامية من أفلامٍ سينمائيَّةٍ ومسلسلاتٍ تليفزيونية، تعرض مشاهد لمتطرّفين وإرهابيين يتحدثون باللُّغة العربيَّة الفصحى، وقـد لا يكون المـشهَد التمثيليُّ موظـفًا في العمل الدراميِّ، وليس من هدفٍ وراء ذلك سوى أن تظهر عربـيَّــتـنا الفصحى على لسان أُناسٍ ينبذهـم المجتمع لسوء فعالهم، حتى تُــنْـبَـذَ العربيَّة الفصحى بعد ذلك.

إنَّ الحفاظ على تراثـنا العربيِّ بمـقـدراتِـهِ ومقوماتِـهِ ليس عملًا فرديًّا فحسب، وإنَّما هو عملٌ مؤسَّسيٌّ، يجب أن تضطلع به الحكومات والمؤسَّسات، بإحياء التُّراث العربيِّ المخطوط؛ وذلك بتحقيقه تحقيقًا علميًّا في شتَّى فروع العلم، وتيسير نشره لـتعُـمَّ الإفادة منه، ومحاولة ترجمته إلى الغرب؛ لتحقق التَّرجمة أهدافها، والتي من أهمها التواصل بين الشُّعوب المختلفة والثَّـقافات المتنوِّعة، وتصحيح صورة العربيِّ، الذي أصبح لا يشارك في الحضارة الإنسانيَّة إلا مستهـلـكًا، ثُمَّ محاولة النُّهوض العلميِّ بالتَّأليف والابتكار والاختراع، القائم على تحقيق التُّراث من جانب التواصل مع الماضي الذي يُعَادُ اكتشافه، والإفادة من المـنجز الغربيِّ في الحضارة الحديثة والتي أصبحنا بمعزلٍ عنها.

فلقد كان للمستشرقين فضل السَّبق في تحقيق التُّراث العربيِّ ونشره، فمن جهودهم: نَشْرُ توماس إرينيوس (ت 1624م) كتاب "مجمع الأمثال" للميدانيِّ، وَنَشْرُ يعقوب جوليوس (ت 1667م) كتاب "لَاميَّة العجم" للطغرائيِّ، وَنَشْرُ إدوارد بكوك (ت 1691م) كتاب "مختصر الدول" لابن العبريِّ، وَنَشْرُ سلفستر دي ساسي (ت 1838م) كتاب "كليلة ودمنة" لبيدبا، وَنَشْرُ كترمير (ت 1852م) كتاب "الرَّوْضَـتَـيْنِ" لأبِي شامة، وَنَشْرُ فلوجل (ت 1870م) كتاب "الفهرست" للنَّديم، وَنَشْرُ كوسان دي برسفال (ت 1871م) كتاب "مقامات الحريريِّ"، وَنَشْرُ فان فلوتن (ت 1903 م) كتاب "البخلاء" للجاحظ، وَنَشْرُ دي خويه (ت 1909م) كتاب "تاريخ الطَّبري"، وَنَشْرُ لايل (ت 1920م) كتاب "شرح المفضَّليَّات" لابن الأنباريِّ، وَنَشْرُ رودلف جاير (ت 1929م) "ديوان الأعشى"، وَنَشْرُ بيفان (ت 1934م) كتابَ "نقائض جرير والفرزدق".

تلاهم جيلٌ من الرُّوَّادِ العرب الذين هاموا بالتراث عِشْقًا فأصبحوا سَدَنَةَ المخطوط العربيِّ، كما امتـدَّت أجيال المحقـقين من سائر الأقطار العربيَّة الذين عـرفوا بالدقَّة والتَّــثــبُّـت والإحاطة، وجاء على رأسهم: شيخ العـروبة أحمد زكي باشا، وأحمد تيمور باشا، وعبدالسَّلام محمَّد هارون، ومحمَّد أبو الفضل إبراهيم، والسيد أحمد صقر، وأحمد محمد شاكر، ومحمود محمَّد شاكر، ومحمد علي البجَّاويّ، ومحيي الدِّين عبدالحميد، وناصر الدِّين الأسد، وسليمان دنـيا، وحمد الجاسر، وإبراهيم شَبُّوح، وإحسان عبَّاس، وعبدالهادي التَّازي، ومحمد بن شريفة، وراتب النَّـفَّاخ، والطَّاهر أحمد مكِّيّ، ومحمود علي مكِّيّ، ومصطفى جواد، وعادل سليمان جمال، وعبدالفتَّاح الحلو، وحسين نصَّار، وصلاح الدِّين المنجد، ورمضان عبد التَّـوَّاب، وفؤاد سيِّد، وأيمن فؤاد سيِّد، والسَّعيد عبادة، وعصام الشَّنطيّ، ومحمود الطَّناحيّ.

تبقى الإشارة إلى المشروع القوميِّ للتَّرجمة، بما قـدَّمه ولايزال من المؤلَّـفات العالميَّة إلى اللُّغة العربيَّة، ولكن يجب أن ينشط هذا المشروع في التَّرجمة من اللُّغة العربيَّة إلى اللُّغات الأخرى؛ لأننا بالتحقيق والتَّرجمة نـقـف وقوف الثَّابت في أرض الحضارة، فيستقيم ظلـنا في أرض الواقع، علَّـنا نُوَطِّئُ لفكرة الابتكار التي ربما تمس عقولـنا ولو مَسًّا خفيفًا.

إنَّ من أراد أن يُـقَـدِّرَ حضارة أمَّةٍ، فلينظر إلى فهارس مؤلَّـفاتها؛ المخطوط منها والمطبوع، ويـتـلمس الموجود منها والمفقود، والمحقَّـق منها والمترجم، ولاشكَّ أنَّ الفهارس التي حفظها الحرف العربيُّ في تراثها لا تـبارَى، وتكفي مطالعة: "تاريخ الأدب العربيِّ" لكارل بروكلمان، و"تاريخ التُّراث العربيِّ" لفؤاد سزكين، و"معجم المطبوعات العربيَّة والمعـربة" ليوسف إليان سركيس، و"معجم المخطوطات المطبوعة" لصلاح الدِّين المنجد، و"الأعلام" لخير الدِّين الزِّركليِّ، و"معجم المؤلِّـفين" لعمر رضا كحَّالة.

إذن فأيُّ تحرُّكٍ في اتّجاه إحياء التُّراث العربي الإسلامي، هو أعظم وسيلةٍ تعيد تَلَاحُمَ الأمَّة العربيَّة الإسلاميَّة، بجذورها الضاربة في عمق التَّاريخ، وعمليَّة الإحياء بمنزلة الرِّيِّ لشجرة الحضارة الإنسانيَّة، التي مازال لها بذورٌ كامنةٌ في تراثـنا العربيِّ.

فإنَّ كيان الهوِيَّـة العربيَّة يتهدد، مما يحتم عليـنا أن نـنـزعج، فنبحث تارةً أخرى عن الوسطيَّة الإسلاميَّة بوصفها قُوَامَ الهـويَّـة، واللَّغة العربيَّة بوصفها لسان الـهوِيَّـة، ونمُدَّ مساحة الجمال تارةً أخرى بعدما تآكـلت مساحته في مجتمعنا المصريِّ، فعلى المؤسَّسات كالأزهر الشَّريف والمجمع اللُّغوي أن يقوم كل بدوره في الحفاظ على "الدين" و"اللُّغة" بوصفهما رافديِ الهوِية، ولكن.. في كل عامٍ يعقد المجمَعُ اللُّغويُّ المصريُّ مؤتمرَهُ العالميَّ، مثل: "اللُّغة العربيَّة وتحديات العصر"، و"اللُّغة العربيَّة في التَّعليم"، و"اللُّغة العربيَّة في الإعلام"، ويـقَدم أبحاثًا ويناقش قضايا ويحل إشكاليَّاتٍ، والسُّؤال إذن: أين دور صانع القرار السِّياسيِّ حتى يفعـل تلك التَّوصيات ويقـر هذه النَّتائج؟!

وقديمًا قامت مجلة الهلال باستفتاءٍ، عنوانُهُ: "حضارتُـنَا القادمةُ فرعونيَّةٌ أم عربيَّةٌ أم غربيَّةٌ؟"، وكانت مشاركة طه حسين تَـشِي بأنَّ المزيج الحضاريَّ هـو سِرُّ الرُّسوخ والتَّـنوُّع، فأوصى بـ"أن نحتفظ من الحضارة المصريَّة القديمة بما يلائمُنا وهـو الـفـنُّ، ومن الحضارة العربيَّة بالدين واللُّغة، وأن نأخذ من الحضارة الأوربيَّة كل ما نحتاج إليه، وليس في هذا شَرٌّ ما دمـنا نحتفظ بشخصيـتـنا المصرية، فلا تـفـسد عليـنا هذه الحضارة الأوربيَّة حياتـنا، على أننا أمَّةٌ لها مــوماتها الخاصة"، (عدد أبريل 1931م- ص 821).

وصدر قرار الأمم المتحدة رقم (ثلاثة آلافٍ ومائةٍ وتسعين)، في الجلسة العامَّة رقم (ألفيْنِ ومائتيْنِ وستَّةٍ)، والمنعقدة في (الثامن عشر) من شهر ديسمبر سنة (ألفٍ وتسع مائةٍ وثلاثٍ وسبعين) ميلاديَّةً، بإدراج اللُّغة العربيَّة ضمن اللُّغات الرسميَّة ولغات العمل المقرَّرة في الجمعيَّة العامَّة ولجانها الرئيسة، ونصُّهُ: "إنَّ الجمعيَّةَ العامَّةَ إِذْ تدركُ مَا للُّغةِ العربيَّةِ من دورٍ هام في حفظِ وَنَشْرِ حضارةِ الإنسان وثقافته، وإِذْ تدركُ أيضًا أَنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ هي لغةُ تسعةَ عشرَ عضوًا من أعضاءِ الأممِ المتَّحدةِ، وهيَ لغةُ عملٍ مقرَّرةٌ فِي وكالات متخصصةٍ، مثل: منظَّمة الأمم المتحدةِ للتَّربيةِ والعلومِ والثَّـقافة، ومنظَّمة الأمم المتَّحدة للأغذية والزراعة، ومنظَّمة الصحة العالميَّة، ومنظَّمة العمل الدَّوليَّة، وهي كذلك لغة رسمية ولغة عمل في منظَّمة الوحدة الأفريقيَّة، وَإِذْ تدركُ ضرورةَ تحقيق تعاون دولي أوسع نطاقًا، وتعزيزِ الوئام في أعمالِ الأممِ وفـقا لما ورد في ميثاق الأممِ المتَّحدة، وإِذْ تلاحظ مع التقدير مَا قـدمـته الدول العربيَّة الأعضاء من تأكيداتٍ بأنَّها ستغطي –بصورة جماعيَّةٍ- النَّـفقاتِ النَّاجمة عن تطبيق هذا القرار خلال السنوات الثلاث الأولى، تقـرر إدخال اللُّغة العربيَّة ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل المقررة في الجمعيَّة العامة ولجانها الرئيسيةِ، والقيام بناء عليه بتعديل النظام الداخليّ للجمعية العامة المتصلة بالموضوع"، وبعد هذا القرار صار يوم الثامن عشر من ديسمبر كل عام يومًا عالميًّا للُّغة العربيَّة.

ولكن بعد مرور زهاء نصف قرنٍ على هذا المكتسب الحضاريِّ، فإنَّ اللُّغة العربيَّة تعاني مأزقًا حضاريًّا، يجب أن نتنبَّه له وننبِّه إليه، بل وندقُّ ناقوس الخطر، فلم تخرج العربيَّة من أحد مواطنها في الماضي فحسب، كما هي الحال في الأندلس، بعدما تـربعت على عرش مجالسها العلميَّة والسياسيَّة ثمانية قرونٍ، بل إنَّ العربيَّة في تاريخنا الحديث والمعاصر تـلـقَّـت من الهزائم النَّـكراء والطَّعنات النَّجلاء الواحدة تلو الأخرى، والمأساة لم تكتمل فصولًا؛ فقد خرجت العربيَّة من إيران وحلَّ محلَّها اللسان الفارسيُّ، وخرجت من تركيا وحلَّ محلَّها اللِّسان التركي، كما خرجت من جنوب السُّودان وبعض أقاليم العراق، ومن قبل نجحت بعض الدَّعوات باستبدال الخطِّ اللَّاتينيِّ بالخطِّ العربيِّ الذي كانت تكتب به بعض اللُّغات الإسلاميَّة.

وفي الوقت الرَّاهن ساعدت عوامل متعددة على كتابة كثير من الشَّباب العربيَّةَ بالحرف اللَّاتينيّ أو ما يعرف بـ"فرانكوأراب"، مثل: العالم الافتراضي على الشبكة العنكبوتيَّة الدولية "إنترنت"، والصفحات الشخصية "فيسبوك"، والتغريدات "تويتر"، والرسائل التليفونية "واتساب"... وغيرها، فيما يعَد تعديًا لغويًّا ضدَّ لسان هويَّتهم، وكأنَّهم استجابوا لدعواتٍ مغرضةٍ، حسبنا أَحداث الماضي قد وارتها وأخفى الثرى معالمها، وأخشى أن أقول: البقيَّة تأتي! فقد تـزعزعت العربيَّة وكاد ركنها أن ينهدم في غير إقليمٍ عربيٍّ إسلاميٍّ؛ بسبب ضعف الانتماء العربيِّ، وسيطرة المد الغربيّ، وتراجع منظومة التَّعليم، وخفوتِ جذوة الإبداع... وغيرها، داخل بيئات العربيَّة في مقابل الانبهار بالحضارة المعاصرة، التي صرنا سوقًا لترويج مـنْتجها، بما في ذلك الثَّـقافات ولغاتها.

إنَّ الحراكَ السِياسيَّ الهادر يـدفعـنا إلى أن نضع أهدافًا لتأخذ سبيلها نحو التحـقـق، فلابدَّ أن يكون العلم هدفًا استراتيجيًّا لبناء الوطن، والنَّظر إلى الثَّـقافة بوصفها وزارةً سياديَّةً، فمجتمع جاهل من شأنه أن يحول الثَّورة إلى فـوضى، ومجتمع نصفه أُمِـيون كـفِيل بأن ينـقض ما يبنيه المتعلِّمون، ولن يبلغ بنيان الوطن يومًا تمامه مادامت يدٌ تبني وأخرى تهدم في الوقت ذاته، ومن العلم والثَّـقافة نستدعي التَّاريخ، ونستلهم التُّراث، ونفقه الواقع، ونستشرف المستقبل، ونقبل الآخر.

فإنَّ المـثـقَّـف الحقيقي -والحقيقي هـنا أعـني به الـمـنـتـمي- هو الذي يـتخـذ من عمق التَّاريخ أداةً لاستشراف المستقبل، وليس المـثـقَّـف عَرَّافًا تنظر نُـبُوءَتُـهُ، ولكنَّه مُشيِـد لصـروحِ المستقبل مِمَّا استجاده من لبنات الماضي، وتبدو الرُّؤية الثَّـقافيَّة أشد تكاملًا وأعمق أَثَرًا إذا كان المـثـقَّـف يضرِب بسهم إلى الإبداع عامّةً والأدب خاصَّةً، فالأديب أَرْهَفُ حسًّا وأَنفذ فكرًا وبالتَّالي أَمضى رأيًا.

ولمَّا كان الأديب يعـبـر بالأسلوب الذي يبهر المتلقي حتى يستشعر معه العجز، فقد نظر إلى الأدب كتجلياتٍ للثَّـقافة التي تبني الأمَّة، ويهدر النص الأدبي بعـرائس الآمال وأشباح الآلام، فيستشعر كل مـتـلق على حدة أنَّه ممثـل في النص الأدبي بشكل ما أو من زاوية ما أو بطريقة ما، وكم الـتـقـطت عين الأديبِ أنماطًا من البشر بين تلِيـدٍ وطارفٍ، وسجـلـتها ذاكرته فغدا النَّصُّ الأدبيّ وثيقةً تاريخيَّةً للأمة، وكم خـلبت آدابٌ بشرًا فـغـيـرت مصائـرهـم لما استوقفـت بصائرهم؛ لذا فإنَّ من يبحث عن أركان الهـوِية بمـقـوّمَاتها ومعـوِقاتها، فلابدَّ أن يتـوقـف عند تجلياتها في الأدب.

فالانحراف الفكريُّ البادي في التطـرف، والتعـدي الفعلي البادي في الإرهاب، علاجهما الناجع في الثَّـقافة، فالنهـل من العلوم الإنسانيَّة يقيم ما اعـوج من فكرٍ، ويصلح ما اضطرب من فعلٍ، فباللُّغة يُسـتجلى منطق العقل، ويُسـتحلى منطق اللسان، وبالفلسفة تعمق الأفكار، وبالأدب تَرِقُّ المشاعر.


عدد القراء: 250

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-