
الصحوة بعد الصحوة (3)
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن الشواهد التي نقلها عن الصحف من مثل قوله: إن خديجة العمري جلست بجوار أحد الربعي الشيوعي الكويتي ثم اعتلت المنبر حاسرة (ص402)، أو قوله: إن فوزية أبو خالد تستشهد بنصوص من فؤاد زكريا، والجابري وقاسم حداد.
وماذا يعني هذا؟ وما صلته بالأدب والشعر، فهل يريد أن يقول: إن العمري لم تلتزم بقيم المحافظة، وما الخطأ في أن يقتبس الكاتب شيئًا من كل كاتب حتى لو كان لا يتفق معه في الاتجاه، وما الفائدة من نعت هؤلاء القوم بهذه النعوت إذا لم يكن المقصود منها التكفير؟ أم كان يظن أن الشعراء والنقاد والمفكرين سيقصرون اقتباساتهم على أسماء معدودة لا يخرجون عن الرؤية السلفية؟!
لا أريد أن أعيد الحديث إلى هذا الموضوع من جديد، لكن كثيرًا من النصوص التي أوردها من الكتاب هي إلى المهاترات والتحريض، وإثارة العامة وتشويه السمعة، والردح الإعلامي -كما يصف مقالات القصيبي- أقرب منها إلى النقد العلمي، أو حتى إلى الدرس العقدي الذي يسمي الأشياء بأسمائها، ويحدد الظواهر بمحددات علمية دقيقة.
والأمر في التنوير لا يختلف كثيرًا عن «الحداثة» إلا أن التنوير، كما يتحدث، لم يكن صراعًا بين الإسلاميين ومناهضيهم، بقدر ما كان نوعًا -كما أسلفت- من التوافق بين التيارين على أن الخطاب الإسلامي بحاجة إلى إصلاح ونقد، فهو منذ أن يبدأ حديثه عن «عقل التنوير» يطرح تساؤلًا عن عدم وجود محاولات تنوير محلي تتناول «الفكر الديني» المحلي، وتسأل لماذا تحول الفكر الديني عاملًا من أقوى عوامل مقاومة التغيير.
ليس المهم هنا أكثر من أن نفهم المجال الذي يتحرك فيه التنوير من وجهة نظر الكاتب، ومن هنا نتابع ما يقول، فبعد العرض التاريخي الذي يميل فيه الكاتب إلى القول بأن المدرسة الوهابية النجدية تميل إلى التشدد والمحافظة وتركن إلى المنقول وتسلم به، وترفض أي تبدلات في «العقل الفقهي» وبعد أن يورد فيه شاهدًا على هذا التشدد: رسالة منسوبة إلى (ابن عتيق) عنوانها (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين والأتراك) (ص480)، وهو الموقف الذي يرى أنه ينسحب على موقف الدولة أيضًا، يفصل القول في أسباب ذلك المنحى.
لا يبدو حديثه عما يسميه بـ«التنوير»، على كل من وجهة نظري، ذا بال، وهو يتابع ما يمكن أن يسمى بالسرد التاريخي لمحاولات تقدديم رؤى مغايرة عما ألفته المدرسة الفقهية الرسمية، فيتناول مثلًا قضية المناهج، أو العلاقة بالآخر، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو مفهوم الدولة وولي الأمر، وقد جاء حديثه هنا متداخلًا مع ما قاله من قبل في حديثه عن المثقف، فمن وجهة نظره أن المثقف هو عدة «التنوير»، وبعد أن «تسلفت» الصحوة -كما يقول- وتحولت نحو «المشيخة» لم يعد هناك مجال للتنوير خارج إطار بعض الكتاب الذين يمثلون الجيل الثاني أو الثالث من الصحوة أو ممن كانوا قد اصطلوا بنيرانها سواء كانوا ممن سماهم بـ«المتحولين» أو ممن لم ينتسب إليها وهم قليل.
وهي إشكاليات في الغالب لم تكن ذات أهمية عند الجيل الأول، فرحلت إلى الجيل الثاني والثالث إما لأنها تمثل نوعًا من التطور في قضايا الخطاب أو لأنها كانت ذات تأثير وتماس على حياة أبناء الجيل الثاني والثالث فيرغبون في تقديم حلول لها تتواءم مع يؤمنون به من أفكار، لكنها لا تعد في «التنوير» بوجه عام لأنها ليست ذات قيمة كبيرة، وكثير منها يمكن أن يحل في المؤسسة المتخصصة مثل قضايا المناهج أو العلاقة بالآخر، والنقاش بهذه الصورة يعكس سطوة المؤسسة السياسية والدينية التي ترغب أن يكون لها القول الفصل في كل صغيرة وكبيرة.
ومن الناحية المنهجية فإن هذا الفصل لا قيمة له، وكان حقه أن يدمج بالحديث عن «المثقف»، والصحوة، والإعلام فهو جزء مكمل لها، وقضاياه لا تنفصل عنها، وشتم الصحوة لا يمثل تنويرًا لأن الصحوة -كما يقول- لم تقدم فكرًا جديدًا، أو طرحًا علميًا ذا أسس مغايرة عن البيئة التي وجدت فيها، ففقد مالت نحو «المشيخة»، و«التسلف»، وقد يكون السبب أن هناك نموذجين: الأول النموذج القادم من البلاد العربية، والذي نسبه إلى المرحلة «الفيصلية»، والنموذج الثاني هو النموذج المحلي السلفي، ولم يكن للنموذج القادم من الخارج أن يظهر على المحلي لاعتبارات سياسية في المقام الأول، ولأن الحركة الإصلاحية (الوهابية) قامت على نقض كثير من الأفكار التي نشأ عليها النموذج الخارجي، فالانصياع له يمثل نوعًا من النكوص عن قيم الإصلاحيين الأوائل، فلم يعد أمامها إلا الارتباط بالسلفية، ولم يتمكن أرباب الصحوة أو آباؤها الروحيين (إن صح التعبير) من إنشاء نموذجهم الخاص غير التوحد بالإخوان، وهو ما سمي فيها بعد بـ«السرورية»، وهو حديث يطول لكنه لا يقدم شيئًا ذا بال في مجال الفكر والعلم، والنقد.
وهذا سيعيدنا إلى النقطة التي نريد الحديث عنها وهي أن كل ما وصف به سلمان العودة من نعوت، بوصفه أحد وجوه الصحوة، سبق اقتباسها في صدر المقال، لا تعدوا أن تكون إعادة إنتاج للفكر السلفي المحلي بصورة أكثر تشددًا، وكل ما يمكن أن تكون قد أدخلته الصحوة بما ذكره من تدين أصحاب التخصصات العلمية إن هو إلا تجديد في بعض الأشكال، كما يقول عن «الحداثة»، فهم مثلًا في القراءة أدخلوا أنماطًا من التغني بالقرآن تختلف عن القراءة النجدية التقليدية، وشجعوا على ما يسمى بـ«الأناشيد الإسلامية» مع ما يصحبها من حسن الأداء، وجمال الصوت، والجرأة أحيانًا في اختيار الألحان المؤداة، وحسنوا من أساليبهم في التعامل بغية الوصول إلى أكبر شريحة من المتلقين، لكن فيما عدا ذلك لم تقدم الصحوة بجماهيريتها، وحشدها الشعبي أكثر من هذه الجماهيرية، وهذا الحشد الذين هما محل سؤال. ولعله ليس من العجيب أن كثيرًا من قياديي الصحوة كانوا يبحثون لهم عن نماذج تراثية إما ليمرروا مواقفهم وطروحاتهم من خلالهم أو ليتخذوهم أمثلة يبنون أنفسهم على منوالهم من أمثال: أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية، والعز بن عبدالسلام. وهي نماذج عرفت بمواقفها من السلطان، ولاقت في الغالب عنتًا منه، وهذا يعني أن حراك الصحوة كان في أساسه مبنيًا على رؤية سلفية مفادها أخذ السلطان بالعزيمة حتى ولو جر ذلك الشدة والهجران. ولا نعجب أن شعار كثير منهم في ذلك الوقت إعادة إنتاج القول القديم: «بيننا وبينكم الجنائز»، وهو يقوم على أن الجماهيرية، وكثرة المؤيدين هي الدليل على صحة المذهب، فإن حالت حوائل السلطان دون ظهورها أو كانت الأموال سبيل تحصيلها في الحياة، فإن الجنائز التي لا يرجو الحاضر لها من الميت نفعًا دليل على حقيقة القيمة في قلوب العامة والخاصة.
وحين نصل إلى هذه النتيجة، وهي أن جلّ ما قدمته الصحوة هو بعث الحماسة الدينية في نفوس الناشئة، ومحاولة توجيهها لتحقيق مكاسب سياسية يتمتع بها قادة الصحوة سواء على المستوى المحلي أو العربي، ندرك أنها لم تقدم شيئًا ذا بال على المستوى النوعي، وأن كل عملها هو حشد الناس، وتجميعهم، وهو عمل سياسي في المقام الأول يقوم تارة على إثارة المشاعر، وأخرى على تهييج الرغبات والأطماع، ولا أريد أن أقول كما يقول بعض الذين تحدثوا عن الصحوة الإسلامية في مصر في زمن السادات: إنها كانت مدعومة من الدولة، والمؤسسة الأمنية لأغراض سياسية، أو أنها من صنع الاستخبارات الغربية لتجييش القوى الإسلامية لإمداد الحرب الأفغانية السوفييتية بالرجال، لكن الأمر المهم أن ما قامت به عمل سياسي، ولن أطيل الحديث في هذا، ولكنه يفيد أن «نقد الصحوة» ليس عملًا تنويريًا لأنها ليست عملًا جديدًا، فهي امتداد لمرحلة سابقة، خاصة إذا كان هذا النقد لا يتناول الأسس الفكرية والعلمية التي قامت عليها الصحوة نفسها وما كان أصلًا لها.
ومن الطبيعي أن نسأل عن قيمة «الجماهيرية» (ليست الليبية) في ثقافة تغذي أبناءها في المدارس منذ نعومة أظفارهم، بأن «الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك»، إذ إنها تلغي الجماعة والكثرة والعدد في مقابل الفردية، باعتبار أن الفرد هو أصل الجماعة أولًا وباعتبار أن الحق يستمد قوته من نفسه وليس من سبب آخر كالكثرة أو قائله أو غير ذلك كما قال عمر بن الخطاب: «فإن الحق قديم»، والحديث لا يدور حول «حقية» الحق بقدر ما يدور عن كيفية معرفة الحق.
والحديث عن «التسامح» و«التعايش» في الحقيقة لا يمثل نقدًا بقدر ما يمثل نوعًا من «التعايش»، على طريقة الممثل المصري الذي يقول: «عيش يا باشا وسبني أعيش» في فلم (التجربة الدنماركية)، فهو يقوم على الفكرة نفسها أن الحق واحد لا يتعدد، ومن هنا يحسن ممن يملكه «التسامح»، و«التعايش»، غير أن السؤال الجدير بالطرح هنا، هو عن تعدد «الحق»، وهو مبحث عميق ليس هذا مجاله.
أكثر الكاتب من الحديث عن البعد العلمي لدى أفراد الصحوة، وذكر أنها قد اتجهت نحو المشيخة، فصارت نحو الوعظ والدعوة والإفتاء، وقل فيها من يتعاطون التحليل السياسي والكتاب المؤثرون، وذلك أنها سخرت (الصحوة) من دور الثقافة والمثقفين، واستخف أصحابها من الكتب الفكرية مقابل الكتب التراثية. وجماع القول لديه أن الصحوة اتجهت نحو العلم الشرعي وكتب الفقه التقليدية (ص588-589) ولم تتجاوزه إلى العلوم العصرية الفكرية.
ومع أن هذا صحيح، إلا أن الإشكالية أبعد من ذلك، وهي تتصل بتكوين الظاهرة الفقهية -إن صح التعبير- وما يقوم عليها من الظاهرة الدينية، فالقدماء لم يكتفوا بالعلم بوصفه الوسيلة الوحيدة بل قرنوه بسلوك الشخص، فلا بد أن يجتمع في العالم الشرعي عنصران: الأول المعرفة الأولية للعلوم الشرعية، والثاني السلوك الذي يبين للناس مقدار تمثل هذا العالم لما حفظه من العلم ووعاه، فكأن العلم لا قيمة له حتى يتجسد في شخص يسعى بين الناس. ومعلوم أن العلم لا يظهر في سلوك الإنسان إلا النزر اليسير منه مما يحتاج في تعامله اليومي، وسائره لا يبين إلا بالدرس والمناظرة والتأليف والمراجعة.
وهذا الربط بين الجانب المعرفي والجانب السلوكي ينعكس بعد ذلك على قيمة العالم الذي يقوم فيه السلوكي مقام المعرفي بل قد يفوقه، وذلك أن الناس (العوام) حين يرون رجلًا يختلف إلى حلق الدرس، ويتأبط الكتب في غدواته وروحاته، لا يعلمون مما يسمعه أو يقرؤه شيئًا إلا ما يرونه من سلوك قد يوافق من عرفوا ممن هم على شاكلته أو يخالف، فإن وافق سلوكهم عدوه منهم وإن خالفه لم يعدوه منهم بغض النظر عن سعة علمه وبعد نظره، وعمق تحليله.
وهذا أولًا يفتح المجال أمام صغار المتعلمين أن يأخذوا الحظوة في نظر العامة ومن شايعهم (الرقم) دون المتبحر في علمه، المتعمق في فكره بمجرد أن يجدوا رجلًا ممن يعد في العلماء يسيرون سيرته، ويستنون بسنته، ويتبعونه في سمته دون أن يدركوا الأصول العلمية التي انبنت عليها أفعاله تلك، والموقع الذي تأخذه في درجات الحكم الشرعي (الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهة، والتحريم)، وأهميتها بالنسبة للعالم. وهذا بدوره، وهذا ثانيًا، يؤدي إلى تسطيح الظاهرة الدينية بربطها ببعض السلوكيات اليومية وما يمكن أن يوصف بالعادات الاجتماعية أكثر من كونها مادة حقيقية تكون الدين، وتقوم على أصول معرفية.
على أن الصحوة لو سارت المسار الذي يدعو إليه الكاتب، وهو الأخذ بالعلوم العصرية والفكرية، واتجهت نحو التحليل العميق، والجدل الفكري الدقيق، لتحولت إلى حركة نخبوية، إذ إن هذا النوع من الخطاب عسير الفهم، صعب الإدراك، لا يستطيعه إلا من أطال نظره في الكتب، وأبعد النجعة في الدرس، وهم قلة قليلة من طالبي المعرفة، وهذا ما لا تريده «الصحوة» بوصفها حركة شعبية جماهيرية، تتخذ جمهورها من الناس في المساجد والمدارس (خاصة التعليم العام والمعاهد المهنية)، وتعتمد خطابًا يوافق هوى هذه الفئة، فيستيجيبون له، ويسير بينهم كما تسير النار في يبس الهشيم.
عدد التحميلات: 0



