
كيف صاغ الاستعمار ذائقة الفن الحديث؟
د. توماس فولاند Thomas Folland
لا يمكن فهم تاريخ الفن الحديث الأوروبي والأمريكي بمعزل عن السياق الاستعماري العالمي. فمنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى أربعينيات القرن العشرين، تشكّل هذا الفن في تفاعل دائم مع توسّع الإمبراطوريات الأوروبية، ومع احتكاكها بثقافات وشعوب جرى تصنيفها، في الخطاب الغربي، بوصفها «غير غربية».
لنتأمل، على سبيل المثال، الجداريات الهائلة التي أنجزها الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا تحت عنوان «تاريخ المكسيك» في القصر الوطني بمدينة مكسيكو. كان ريفيرا قد درس الفن الحديث في أوروبا قبل عودته إلى بلاده، حيث أسهم في إطلاق حركة الجداريات المكسيكية. واليوم تُعد هذه الأعمال جزءًا أساسيًا من «الكانون الغربي» للفن الحديث.
لكن على بُعد كيلومترات قليلة، في المدينة نفسها، يقف تمثال الإلهة الأزتيكية كواتليكوي، ذات التنورة المصنوعة من الأفاعي، بارتفاع يتجاوز عشرة أقدام، ومنحوت بمهارة استثنائية. هذا العمل، على أهميته، ظل طويلًا مرتبطًا بما يُسمّى «الكانون غير الغربي». وهنا تظهر مفارقة لافتة: كلا العملين «صُنع في المكسيك»، وكلاهما ينتمي إلى المكان نفسه، ومع ذلك صُنّف أحدهما بوصفه «غربيًا» والآخر «غير غربي». كيف تشكّل هذا التصنيف؟ ولماذا؟
«الغرب»: فكرة أكثر منها مكانًا
كما يشير منظّر الثقافة ستيوارت هول، فإن «الغرب» ليس حقيقة جغرافية خالصة، بل بناء ثقافي. صحيح أن المصطلح ارتبط ببعض بلدان أوروبا الغربية، ثم لاحقًا بالولايات المتحدة وكندا وأستراليا، لكنه في جوهره توصيف لنمط من المجتمعات الحديثة، الحضرية، الصناعية. وقد تبلورت هذه الفكرة مع الاستعمار الأوروبي وصعود التصنيع.
في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وإنجلترا، نشأ مفهوم الفن الحديث خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، جزئيًا بوصفه تمرّدًا على التقاليد الأكاديمية التي مجّدت الفن الطبيعي لليونان وروما القديمتين. غير أن الحداثة لم تكن مجرد قطيعة جمالية، بل كانت أيضًا التعبير الفني لمجتمعات رأسمالية توسّعت شبكاتها التجارية بفعل الاستعمار.
وهكذا أصبحت الحداثة مرادفة للغرب، والغرب مُعرَّفًا في مقابل كل ما هو «غير أوروبي». ومع هذا التعريف نشأت هرميّة ثقافية وعرقية: فالمجتمعات الصناعية وُصفت بأنها «متطورة»، بينما جرى النظر إلى بقية العالم على أنه متخلّف أو «بدائي». وامتد هذا التصنيف إلى الفنون، حيث عُدّت إبداعات الشعوب غير الأوروبية نتاج مجتمعات «غير متحضّرة»، مهما بلغت من تعقيد بصري أو رمزي.
لماذا افتتن الغرب بـ«البدائي»؟
لا يدّعي هذا الطرح الإحاطة الشاملة بتاريخ الفن الحديث، بل يسعى إلى إبراز الكيفية التي أعادت بها اللقاءات الاستعمارية تشكيل الثقافة البصرية للحداثة الغربية. ومن هنا تبرز أسئلة إشكالية: لماذا انجذب هذا العدد الكبير من الفنانين الأوروبيين إلى الفنون التي وُصفت بالغرائبية أو البدائية، رغم اعتبار مجتمعاتها أدنى شأنًا؟ وهل كان في هذا الإعجاب تأكيد ضمني على تفوّق الثقافة الغربية؟ وكيف ردّ الفنانون غير الأوروبيين على هذه التقاطعات الثقافية؟
الاستشراق: الشرق كما تخيّله الغرب
يتجلّى هذا التداخل بوضوح في ظاهرة الاستشراق. فقد أطلق الأوروبيون اسم «الشرق» على شمال أفريقيا وغرب آسيا، لوقوعهما شرق أوروبا الغربية. وكما تكتب الباحثة نانسي ديميراش، فإن الاستشراق يعكس رؤية أوروبية للشرق، لا رؤية سكانه لأنفسهم.
في القرن التاسع عشر، تحوّلت ثقافات العرب وشمال أفريقيا إلى مصدر غني لموضوعات جديدة لدى الفنانين، الذين أخذوا يبتعدون عن الماضي الكلاسيكي بحثًا عن أطر تعبير جديدة. قال الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا عبارته الشهيرة: «لم تعد روما موجودة في روما». غير أن رحلاته إلى شمال أفريقيا لم تُنتج توثيقًا واقعيًا بقدر ما أفرزت صورًا متخيَّلة لعالم غريب وساحر، وأحيانًا مخيف.
وكما هو الحال مع مفهوم «البدائية»، كان الاستشراق نتاجًا مباشرًا للاحتكاكات الاستعمارية، ولا يمكن فصله عنها. فكلاهما قدّم الثقافات غير الغربية في صورة معمّمة تختزلها في العِرق أو في حالة «عدم الاستنارة».
البدائية وقطيعة الكلاسيكيات
إذا كان الاستشراق معنيًا أساسًا بتمثيل موضوعات غير غربية، فإن «البدائية» تمثّلت في محاكاة أساليب فنية عُدّت، خطأً، بسيطة أو ساذجة أو طفولية. وقد شمل هذا الوصف فنون أفريقيا، وأمريكا الوسطى والجنوبية، وجزر المحيط الهادئ. ومهما بلغت هذه الفنون من تعقيد، فقد وُصفت بأنها «بدائية» لمجرد أنها غير أوروبية.
وكما يشير بعض الباحثين، تنطوي هذه النظرة على تناقض جوهري: فالبدائي يُعجَب به ويُحتذى، لكنه يُعد في الوقت نفسه أدنى مرتبة لأنه «غير مكتمل التطور». والمفارقة أن الغرب، الذي استند في تفوّقه إلى إرثه الكلاسيكي الإغريقي–الروماني، بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر يشعر بأن هذا الإرث لم يعد كافيًا لعالم حديث سريع التغيّر.
من الاستعمار إلى الطليعة الفنية
لا يمكن فصل تطوّر الفن الحديث عن التاريخ العالمي الأوسع: الاحتلال، الإخضاع، ونهب الموارد- بما فيها الثقافية. فحين سعى الفنانون الغربيون إلى كسر قواعد الفن الأكاديمي، التفتوا إلى الثقافات البصرية للشعوب الخاضعة للاستعمار، واستعاروا منها لغات جديدة للتعبير عن التجربة الحديثة. وقد أثّر ذلك في حركات طليعية مثل الدادائية، التي ربطت بين «البدائي» واللاعقلاني والتمرّد على القيم السائدة.
الأصالة: حين يُعاد امتلاك الصورة
لكن ماذا يحدث حين يجري هذا التفاعل داخل «هوامش الغرب» نفسها؟ هنا يظهر فنانون من أمريكا الشمالية والجنوبية أعادوا توظيف الحداثة، وربطوها بتراثهم المحلي والسكان الأصليين، في محاولة لاستعادة هويات قُطعت بفعل الاستعمار. أعمال دييغو ريفيرا، وآرون دوغلاس، وغيرهما، لم تكن مجرد اقتباس من الحداثة الأوروبية، بل إعادة صياغة لها من الداخل.
وفي حالات أخرى، كما في ما يُعرف بـ«حداثة البويبلو» في جنوب غرب الولايات المتحدة، امتزج الحديث بالتقليدي في صيغة هجينة. أما فنانون مثل خواكين توريس-غارسيا أو الفنان الأمريكي الأصلي ما بي وي، فقد قلبوا «عدسة البدائية» التي وُجّهت إليهم، واستعادوا السيطرة على تمثيل ثقافاتهم.
إعادة كتابة تاريخ الحداثة
بهذا المعنى، يعيد هذا السرد وضع الفن الحديث ضمن سياق عالمي أوسع، من دون إعادة إنتاج الهرمية القديمة بين «الغرب» و«البقية». فالحداثة لم تكن حكرًا على مراكز مثل باريس أو برلين أو نيويورك، بل نتاج شبكة معقّدة من التفاعلات بين المركز والهامش، بين القوة والتمثيل، بين الفن والتاريخ.
عدد التحميلات: 0



