العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

أفــراح

سألني أحد القراء عن تلك الفرحة التي لاحظها في منشورات المبدعين على صفحاتهم في فيس بوك وتويتر، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، حين يصدرون كتابًا جديدًا، وأن تلك الفرحة تستمر وقتًا يراه أطول من المعتاد، ويحدث هذا حتى لدى الكتاب المكرسين، الذين أصدروا كتبًا كثيرة من قبل، وأنه يستغرب من ذلك، فالمفروض أن تكون ثمة فرحة لكن ليس مبالغًا فيها.

وسألني القارئ في النهاية عن رأيي، إن كنت أحذو نفس الحذو، حين يصدر لي كتاب جديد، أم أنني أصمت، وأترك الكتاب يواجه القراء وحده؟.

للعلم فرحة صدور كتاب قضى فيه مؤلفه زمنًا ليس قصيرًا، ما بين بحث واكتساب للمعارف، وتجميع للمعلومات الضرورية، وتشكيل للعوالم ورسم للشخصيات والأحداث، والصياغة الفنية وغير ذلك من البهارات التي تصب في طبخة الكتابة، أعتبره شيئًا مشروعًا، وحتى المبالغة في إعلان الفرحة، مثل نشر الأخبار عن الكتاب في الصحف والمواقع الإخبارية، وتغيير صورة البروفايل في وسائل التواصل، بوضع صورة الكتاب، وإرسال رسائل للأصدقاء تخبرهم بصدور الكتاب، والمكتبات التي توزعه.

وأعتقد أن المجال او يسمح لفعل الكاتب أكثر من ذلك من أجل أن يصل كتابه حتى للذين لا يهتمون بالكتب، فما أقسى أن يصدر كتاب من دون أن يسمع به أحد، ويموت من دون أن يذكره أحد، وما أقسى أن ينشر كتاب بلا أي عائد مادي، كما يحدث عادة، ولا نعوض ذلك بالاحتفاء به معنويًا، على الأقل هذه الفرحة المعنوية تمنح الكاتب شعورًا جيدًا، وشيئًا من الاعتقاد أنه كاتب بالفعل، وهذا كاف للغاية في الوطن العربي.

أنا كنت في بداياتي أزعج نفسي ومن يساعدني بهذه المسألة، ولي رواية قصيرة اسمها (سماء بلون الياقوت) كانت مصدر نشوة كبيرة لي بالرغم من انزعاج الآخرين، كنت أعطيتها مكتوبة بخطي الذي لا أستطيع حتى أنا قراءته في بعض الأحيان، لصديق اسمه أحمد اسماعيل كان موظفًا في إحدى المطابع، وكانوا يكتبون المواد على أجهزة كومبيوتر قديمة وصعبة المراس، ولديها ديسكات خاصة للتخزين، لا تعمل على الأجهزة المألوفة.

إضافة لصعوبة قراءته خطي، ومحاولته فك الطلاسم في النص، لينقله إلى الكومبيوتر، فوجئ الرجل أنني أزوره بشكل شبه يومي، وأنا عائد من العمل، أجلس معه داخل غرفة ضيقة فيها عدد من الموظفين، يعملون بصمت واستياء، أتفقد عدد الصفحات التي كتبها، وربما أطالبه بتصحيح عبارات نقلها خاطئة، إلى أن سلمني نصّي بعد وقت طويل نسبيًا، وتنهد بارتياح.

في رحلة النشر التي كانت صعبة بالطبع لكاتب مبتدئ، التقيت بالروائي الراحل إلياس فركوح وكان يملك دار أزمنة، وهي دار نشر صغيرة، وطموحة لم يحولها لدار تجارية أبدًا، في زمن غزت التجارة، وحسابات الربح والخسارة، دور النشر العربية، كان ينشر أعماله وترجماته التي ينجزها من اللغة الإنجليزية، وينشر لبعض الشعراء والكتاب ممن تعجبه كتابتهم، وكان الناقد فيصل دراج يساعد في انتقاء النصوص.

وأذكر أن الكاتب العراقي علي السوداني، الذي كان يقيم في عمان، كانت لديه مجموعة قصصية في تلك الأيام ستصدر عن دار أزمنة أيضًا، وهكذا وجد إلياس نفسه محاصرًا بكاتبين في بداياتهما يصران على الزج بفرحتيهما في يومه المزدحم، ولدرجة أن كنا نذهب معه في سيارته إلى المطبعة، كلما ذهب للاستفسار عن شيء، قد لا يخص كتابينا.

وبالرغم من أنني حاولت إيصال تلك الرواية لأكبر عدد من الناس وأعطيت حقوق توزيعها لدار نشر كبرى، إلا أنها لم تنتشر وكانت فرحتي بها مجهضة، ومبالغتي في حبها والاحتفاء بها، مجرد تضييع للوقت، في الحقيقة كانت معقدة وأشبه بالقصيدة الشعرية الطويلة، ولم أر قارئًا واحدًا من الذين التقيتهم، ذكر بأنه فهمها. حتى النقاد الذين كتبوا عنها، فعلوا ذلك بحذر شديد، وكان النقد في مجمله، عرضًا للوقائع، أكثر منه، محاولة للفهم، وتشريح النص.

ولأن الأجواء، أي أجواء استقبال الرواية، لم تكن جيدة، أعتقد ظلت نسخ الكتاب متراكمة في مخزن الناشر الذي أوكلته بالتوزيع، لم أرها في معرض كتاب ولا مكتبة قط.

ما تلي ذلك من سنوات كانت الفرحة تتناقص ويصبح الاحتفاء روتينيًا وظهرت وسائل التواصل الاجتماعي لتستلم مهامها في توزيع الأفراح، ونشر إعلانات الكتب وصور الأغلفة وابتسامات المؤلفين، وحفلات التوقيع التي أصبحت أكثر من عدد الكتب نفسها.

لكن ما زال هناك من يعتبر كتابه الجديد هو كتابه الأول وهذا مشروع كما ذكرت.

أتحدث عن ترويج الكتب عمومًا، وهذا أمر تطرح فيه أسئلة دائمًا ويعتبره كثيرون يقلل من هيبة المبدع، لكن الأمر ليس كذلك، في الغرب حتى الكبار جدًا، يروجون لكتبهم بكل أريحية وبساطة، وقرأت دعايات وإعلانات عن كتب لأمين معلوف وبول أوستر والتشيلية الشهيرة إيزابيل أليندي، وهذه تعلن حتى عن أنها بدأت تكتب رواية، وأنها أنهت فصلًا وأنها أرسلت الكتاب للوكيل للنشر، هكذا.

إذن لنفرح ونستمتع بكتبنا ما دمنا أن نحصد حقوقًا، ولن نكافأ على وقتنا الذي أضعناه في الكتابة وما قبل الكتابة، وما بعدها.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. أمير تاج السر

كاتب وروائي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى