الاستشعار عن بعد: ماهيته ... أهميته ... تطبيقاتهالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-05-18 23:34:09

أ.د. عبد الله بن محمد الشعلان

قسم الهندسة الكهربائية - كلية الهندسة - جامعة الملك سعود - الرياض

بدأ تاريخ الاستعشار عن بعد (remote sensing) مع ابتكار وظهور التصوير الضوئي (التصوير الفوتوغرافي) عام 1839م. وفي بداية عام 1840م أدخل المرصد الفرنسي في باريس استخدام التصوير في عمليات المسح الطبوغرافي، ومنذ ذلك الوقت ازدهر التصوير الضوئي بواسطة استخدام البالونات والطائرات الورقية وتم تركيب كاميرات عليها لالتقاط الصور الجوية فوق المدن. وفي عام 1903 ابتكر الأخوان رايتز الطائرة وتم استخدام الكاميرات عليها في عام 1909، وذلك في رحلة قام بها الأخوان في إيطاليا. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) أضحت الصور الجوية عاملاً أساسيًّا في عمليات الاستكشاف والاستطلاع الجوي العسكري، ولكن التقدم الكبير في التصور الجوي وتفسير الصور الجوية ظهر مع بداية الحرب العالمية الثانية (1439-1945) وما صاحبها آنذاك من تطور عسكري وتقني ونظرًا للحاجة المُلحة لمعلوماتٍ أفضل اخترعت نظم جديدة بدلاً من الكاميرات المستخدمة في الطائرات، ألا وهي الماسحات الإلكترونية الضوئية (electronic scanning)، وهذه النظم هي المستخدمة حاليًا في الأقمار الصناعية.

وقد ظهر مصطلح "الاستشعار عن بُعد" في عام 1960م على يد بعض الجغرافيين من مكتب البحوث البحرية الأمريكي، وفي العام نفسه أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية قمرًا صناعيًّا باستخدام الأشعة دون الحمراء خاصًّا بالأحوال الجوية، ومنذ ذلك الوقت ظهر استخدام مصطلح الاستشعار عن بُعد في البحوث العلمية وفي التطبيقات العسكرية والدراسات المدنية ومراقبة الأرض، ولا تزال وسائل الاستشعار عن بعد تتطور وتتنوع بشكل سريع مع ظهور تقنيات استشعار متقدمة وإرسال أقمار صناعية جديدة في الفضاء كل عام.

وبعد ذلك ظهرت أيضًا تعاريف عدّة لمصطلح الاستشعار عن بُعد تدور جميعها حول مفهوم أساسي، وهو جمع المعلومات والبيانات عبر مسافات بعيدة، ومن هذه التعاريف تعريف جيمس كامبل (James Campbell) الذي يعرف مفهوم "الاستشعار عن بعد" على أنه علم استخلاص المعلومات والبيانات عن سطح الأرض والمسطحات المائية باستخدام صورة ملتقطة من أعلى، بواسطة تسجيل الأشعة الكهرومغناطيسية المنعكسة أو المنبعثة من سطح الأرض. إذن فهو علم وفن يستخدم للحصول على معلومات حول هدفٍ أو منطقة أو ظاهرة معينة من خلال تحليل المعلومات، التي تم الحصول عليها بواسطة جهاز استشعار لا يلامس هذه الأهداف المراد التحقق منها والتحكم فيها والسيطرة عليها. وقد عُرفَ الاستشعار عن بُعد بوصفه مصدرًا للمعلومات ومهمًّا يُستخدم في تحديث الخرائط،

لقد أضحى الاستشعار عن بعد علمًا وفنًّا يستخدم في الحصول علي معلومات لأي جسم مستهدف، دون ملامسته بشكل مباشر (فيزيائيًّا أو كيميائيًّا) يمكن تحليلها ودراستها ومعرفتها، وقد عرف الاستشعار عن بعد بوصفه مصدرًا للمعلومات ومهمًّا يساعد في معالجة الصور الفضائية حتى أصبح تحديث الخرائط أمرًا سهلاً وممكنًا، خصوصًا بعد أن أمكن تخزينها رقميًّا وبذلك تكون سهلة المعالجة والتخزين والاستعادة وعرض المعلومات.

وبعد هذه المقدمة المختصرة عن الاستشعار عن بعد نأتي إلى استخداماته التي تشتمل على الكثير من الاستخدامات والتطبيقات، ومنها الاستخدامات العسكرية من عمليات الاستطلاع والاستخبارات، وتسيير الحملات، وأشياء أخرى، وأيضًا التطبيقات البيئية والمائية والتخطيط العمراني، التي سيتم عرضها وتفصيلها في الأقسام التالية.

الاستخدامات العسكرية للاستشعار عن بُعد بواسطة أقمار الاتصالات

تُشكل أقمار الاستطلاع بأنواعها المختلفة إحدى وسائل الاتصالات المهمة لجمع المعلومات وتحليلها لما تتمتع به من خصائص فنية روعي في أثناء تصميمها بتحقيق تلك المهام على درجة عالية من الدقة والحساسية والتحليل. وفي الوقت ذاته أصبحت أقمار الاتصالات عنصرًا مكملاً لأقمار الاستطلاع في مجال جمع المعلومات، من حيث استخدامها لزيادة عمق ومجال تغطية أقمار الاستطلاع، وكذلك إتمام أعمال القيادة والسيطرة الآلية، في الوقت الذي أصبحت فيه أقمار الإنذار ضد تهديدات القذائف الصاروخية (البالسيتية) تمثل دورًا بارزًا في الحصول على المعلومات عن لحظة إطلاق تلك الصواريخ، ولذلك أصبح استخدام الأقمار الاصطناعية ذا أهمية حيوية في العمليات العسكرية الحديثة وتخطيط المهام وجمع المعلومات عن الأهداف المهمة ومناطق التجمع والتمركز الرئيسية للقوات المعادية وتأكيد المعلومات حولها، كذلك رصد أعمال إعادة التمركز والانتشار لصالح إنشاء قاعدة بيانات مدققة عن كافة الأهداف المحتملة وتحديد الاتجاه نحوها. كما يمكن التعرف على إحداثيات الموقع بصفة عام وإحداثيات كافة الأهداف بداخله بصفة خاصة، كذلك التعرف على المعدات وأنوعها، إما بتمييز شكلها في الصور عالية الدقة أو من خلال قياس أبعادها في الصور الأقل من حيث المستوى في الدقة التحليلية. كما تمكن صور الأقمار الاصطناعية الخاصة بالاستطلاع من تحقيق المطالب العملياتية الآتية:

1) تحديد إحداثيات المواقع والأهداف بدقة عالية، وحساب مساحات الأهداف والمسافات بينها من أجل تنفيذ العمليات ضد هذه الأهداف، وحساب وتقدير كميات الذخائر المطلوبة (للمدفعيات والصواريخ) لتدميرها.

2) جمع المعلومات عن الأهداف الحيوية ومناطق التمركز الرئيسية للقوات المعادية، وتأكيد المعلومات عنها، وكذا رصد أعمال إعادة التمركز والانتشار، لصالح إنشاء قاعدة بيانات دقيقة عن كافة الأهداف على مختلف الاتجاهات وأبعادها.

3) تخطيط المهام للقوات الجوية، ودراسة طرق الاقتراب والهجوم المناسبة طبقًا لطبيعة الأرض، لتحقيق المفاجأة والتأمين للطلعات.

4) البرمجة المسبقة لذاكرة الصواريخ والذخائر الذكية لتحديد المواقع التي سيتم تدميرها (الأجيال الحديثة من الصواريخ العابرة والقنابل الموجهة.

5) تدريب وحدات القوات الخاصة على تنفيذ العمليات ضد أهداف محددة من خلال دراسة الأرض والأهداف المحيطة على صور فضائية متناهية القدرة التحليلية، مع إجراء دراسات الأرض وطرق الاقتراب على هذه الصور.

6) إنتاج صور ثلاثية الأبعاد للأهداف ذات الاهتمام والمناطق المحيطة بها، ويستخدم في إنتاجها للموقع أو المنطقة عمل صورتين مزدوجتين ملتقطتين من زاويتين مختلفتين، وبنسبة تغطية متبادلـة مـن (40 – 60%)، والهدف من هذه الصور إظهار كافة تفاصيل الهدف وارتفاعاته والأشكال والأوضاع والتضاريس الطبيعية المحيطة به.

7) تجميع معلومات عن المؤشرات والتحذيرات لمراقبة ومتابعة مواقف وتحركات العدو والتعرف على ما يُشكله من ضغط  وتهديد فعلي أو حقيقي، حيث إن رصد ومراقبة ومتابعة المنشأة العسكرية يمكن أن يوفر معلومات عن حالة العمليات لكل من المنشأة ذاتها والوحدات المتمركزة بها، كم أن المعلومات التي يتم تجميعها عند رصد المؤشرات والتحذيرات تُمكن القادة العسكريين من فهم أفضل لميدان القتال، وتُعطي أيضًا صانعي القرار الخيار في زيادة معدل جمع المعلومات، أو تنبيه قواتهم للاستعداد للعمليات وإدراك الموقف.

8) تحليل الأرض للعمليات العسكرية من حيث معرفة تكوين التربة والميل وارتفاع المزروعات وكثافتها، وتأثير ذلك على حركة المشاة والمركبات، وكذلك الإخفاء والتمويه وتحليل الأرض للعمليات العسكرية الذي يشتمل على التخطيط لأنظمة الأسلحة وحقول النيران وتحديد مواقع الإنزال والموانع الأرضية لاقتحام الطائرات العمودية وتخطيط طرق التحرك ونقاط التجميع الآمنة والبعيدة عن ملاحظة العدو ومجال نيرانه.

لذا فإن المعلومات المطلوبة عن الأرض والموقع والمكان تشكل أهمية بالنسبة للقائد العسكري لتقييم وضعه الميداني واحتياجاته (اللوجستية)، ففي الدفاع يمكن استخدام الصور ذات الجودة العالية في مسح ميادين القتال وكشف الموانع الطبيعية والتعرف على النقاط الحاكمة وإظهار مناطق التغطية الكبرى، وفى الهجوم يمكن استخدام الصور في المساعدة على التعرف على نقاط الضعف في دفاعات العدو وتحديد أيسر الطرق لاختراق موانعه واستحكاماته. لذا تعد الصور التي تُلتقط بالأقمار الاصطناعية في الوقت المناسب، والتي يتم تحليلها تحليلا جيدًا من أفضل مصادر المعلومات، التي يمكن الرجوع إليها والاعتماد عليها والاستفادة منها، حيث من النادر أن تحتوي الخرائط التقليدية على معلومات محدثة ومدققة، والتي يحتاجها القائد العسكري لتقييم المواقف وإدراك الأوضاع وأخذ المبادرات (التكتيكية) في الخطط الإستراتيجية والعمليات العسكرية والأغراض الأمنية.

استخدام الاستشعار عن بُعد في تحديث الخرائط الطبوغرافية

أصبح للخرائط الطبوغرافية في الدول النامية مكانة بالغة الأهمية والأثر، حيث بدأت الحاجة لها والاهتمام بها لدى الكثير من الباحثين والمتخصصين في المؤسسات العلمية والمراكز البحثية، نظرًا لتطبيقاتها المختلفة واستخداماتها المتعددة ومن ثم متابعة تحديثها وإضافة تقنيات متطورة ومستجدة لها، وقد برزت مزايا تلك الخرائط الطبوغرافية في مجالات كثيرة مثل التخطيط لإنشاء شبكات مواصلات وطرق سريعة واستكشاف مصادر طبيعية ومراقبة البيئة وحمياتها من التلوث والتدهور، كذلك أهمتها لقطاع السياحة وللدوائر الحكومية والمؤسسات الصناعية وأيضًا للقطاعات العسكرية في المهمات السلمية وأغراض التدريب. مع العلم بأن عملية التحديث لتلك الخرائط الطبوغرافية، قد يمثل أحيانًا مشكلة تجابه المختصين في الدول التي تتطور بسرعة، ومنها المملكة العربية السعودية، حيث يحتاج ذلك إلى الكثير من الوقت والمزيد من الجهد والمال. ومع التقدم العلمي والتطور التقني أصبح تحديث الخرائط يحظى بأولوية وأهمية بالغتين، لذا تغيرت الطرق والتقنيات في تحديث الخرائط الطبوغرافية وغيرها، إذ كانت في السابق تستخدم الطرق التقليدية مما يتطلب وقتًا طويلاً ونفقات باهظة، لذلك أتت فكرة الاستعانة بالاستشعار عن بُعد في تحديث الخرائط (منها على سبيل المثال: صور الأقمار الصناعية متعددة الأطياف ومتعددة درجات الوضوح وتوافر مصادر المعلومات من الأقمار الصناعية مثل لاندسات وسبوت وغيرهما)، وفي بعض الأحيان قد يتعدى ذلك التحديث إلى تصميم تلك الخرائط الطبوغرافية وإنتاجها. 

استخدام الاستشعار عن بُعد في عديد من التطبيقات المدنية

فيما يلي استعراض لأمثلة من استخدام الاستشعار عن بعد في بعض التطبيقات المدنية، ومنها: 

حصر الموارد الطبيعية

مكنت صور الاستشعار عن بعد من تصحيح كثير من المعلومات والمفاهيم في معظم الخرائط الجيولوجية، ذلك لأن هذه الصور تعطي نظرة شمولية ودقيقة لوحدات وطبقات جيولوجية تعطي مؤشرات ودلالات أولية للإمكانات المعدنية والنفطية والغازية المخزونة بين طياتها ومكامنها، لذا أصبحت شركات النفط العالمية تعتمد بشكل رئيس على استقراء الصور لتحديد مواقع التنقيب عن المعادن والنفط والغاز بعد أن كانت في السابق تعتمد على التصوير الجوي التقليدي، الذي يستنفد الكثير من الوقت والجهد والمال، فبينما تستطيع هذه الشركات في وقتنا الحاضر استخدام صورة فضائية تغطي على الأرض مساحة 34 ألف كم مربع، فإنها كانت تحتاج إلى ألف وست مئة صورة جوية لتغطية المساحة ذاتها بمستوى متواضع وبتكاليف باهظة إلى جانب المقياس الكبير لهذه الصور، كما أن هذه الصور الفضائية تشير إلى مناطق المعادن والنفط والغاز في الأحواض الرسوبية والفوالق وغيرها مما يسهل توجيه أعمال البحث والتنقيب، ومن ثم الوصول إلى النتائج المتوخاة في أوقات قياسية وبأقل مجهود مبذول.

حصر مصادر المياه الجوفية

يمكن بواسطة تحليل الصور الفضائية والمؤشرات التي تظهرها تحديد مواقع المياه الجوفية ومصادر المياه السطحية والعمل على توجيه استغلالها والاستفادة منها بجدوى وكفاءة عاليتين، كذلك دراسة تراكمات الثلوج ومدى تأثيرها على تغذية المياه الجوفية، وقد أدى استخدام تلك الوسائل إلى اكتشاف وديان غنية بالمياه في البحر في كثير من البلدان، كما وضعت على أساس ذلك خرائط مهمة لاستخدامات الأراضي واستصلاحها.

أعمال المساحة

أدت التقنيات الحديثة للاستشعار عن بعد والمعالجة الإلكترونية للبيانات إلى تغيير جذري في أعمال المساحة جعلت الخرائط الجديدة أكثر مرونة لمعرفة البيئات والأجواء المستهدفة وأسهل في كيفية فهمها واستيعابها والإحاطة بها والتعامل معها. وجدير بالذكر أن الصور الفضائية يتم الحصول عليها من ارتفاعات أكثر مئات المرات من تلك الارتفاعات، التي تطير عليها طائرات المساحة التقليدية، ومن الواضح أنها فتحت آفاقا جديدة وخاصة للمساحة ذات المقياس الصغير. وما كان يمثل مشكلة في التصوير الجوي لرسم الخرائط، كتلبد السحب في حالة الطقس الرديء تم إخضاعه لأنظمة وأجهزة استشعارية حديثة، لا تتأثر بالسحب بتاتًا.

اكتشاف الآثار

يعد التنقيب عن المناطق التاريخية والمواقع الأثرية أحد تطبيقات الاستشعار عن بعد المهمة، حيث يمكن استعمال الصور الجوية والفضائية وتحليلها وتفسيرها الكشف عن تلك المناطق والمواقع ورؤية المظاهر السطحية وما تحتها، وقد أدى ذلك إلى توسيع رقعة الظاهر منها والذي لا يمكن ظهوره منها، وذلك عن طريق متابعة الانحرافات اللونية في الغطاء النباتي في مكان ما واختلاف درجة الرطوبة في التربة، ومدى نمو النباتات فوق الموقع المدروس، وعن طريق متابعة الأشكال والأنماط الهندسية التي تأخذها مثلاً ظواهر الصقيع في منطقة ما. أما المظاهر السطحية الأثرية المهمة، فتشمل الآثار المرئية والتلال والكتل الصخرية والآثار السطحية الأخرى، ومثال ذلك الآثار التي كانت تشكل الأبنية والقلاع الأثرية، وأما المظاهر الأثرية تحت السطحية فتشمل الآثار المطمورة كالأبنية القديمة والقنوات والخنادق القديمة والطرق الأثرية القديمة أيضًا. وعندما تكون هذه المظاهر مغطاة بالحقول الزراعية أو النباتات الطبيعية، فإنه يمكن أن تظهر بوضوح من خلال الصور الجوية عن طريق متابعة التغيرات اللونية الناتجة عن الاختلافات في رطوبة التربة ومدى نمو النباتات وقوتها.

التطبيقات الزراعية

يجد المزارعون تطبيقات عديدة للاستشعار عن بعد، فالكشف المبكر لآفات المزروعات ولغارات الحشرات على المناطق الزراعية، من خلال استخدام أنظمة متعددة للاستشعار، سيقلل من الخسائر الناتجة عن ذلك بواسطة إتاحة الفرصة للعمل العلاجي كي يطبق بشكل أكبر وبفاعلية أسرع. أما القاعدة المتبعة عادة لوقاية النباتات وحماية المحاصيل من غزو الحشرات الضارة وإتلافها هي رش تلك النباتات والمحاصيل بشكل دوري عدة مرات خلال الموسم. وبواسطة الاستشعار عن بعد يمكن أن يتم تجنب الرش غير الضروري في المناطق ذات الزراعات الكثيفة وذلك بتحديد الحقول غير المصابة بواسطة تقنيات الاستشعار عن بعد القادرة على كشف وتمييز الحقول المصابة عن تلك الحقول السليمة.

إن التنبؤ المسبق عن حالة الغلال والمحاصيل من خلال مراقبة نشاط النبات هو وظيفة أخرى من وظائف الاستشعار عن بعد كما تساعد صور الحقول الزراعية على إرشاد الفلاحين إلى الأمكنة، التي تزدهر فيها المحاصيل، وتلك التي لا تتواءم معها. فمثل تلك الصور يمكنها مساعدة الفلاحين على تصور أنماط التربة في حقول معينة، ومن ثم تحسين إستراتيجياتهم حول استخدام الري ورش المخصبات وتوقيتهما ومقاديرهما المناسبة.

دراسة البحار والمحيطات والبحث عن مصادر الثروة فيهما

من أهم تطبيقات الاستشعار عن بعد دراسة المياه في البحار والمحيطات، بوصفهما عنصرًا مكملاً مع اليابسة من عناصر منظومة كوكب الأرض. ويبلغ مجموع المساحات المائية على الأرض حوالي 139.294 مليون ميل مربع، بينما تقدر مساحة اليابسة بحوالي 57.656 مليون ميل مربع. وتمثل مياه المحيطات والبحار حوالي 98% من مجموع ما على الأرض من ماء. ولقد بدأ علم دراسة المحيطات باستخدام الأقمار الصناعية بدايته الحقيقية عام 1978م مع إطلاق الأقمار "تيروس" و"نمبوس" و"سي سات "، وهذه الأقمار الثلاثة مزودة بأجهزة لرصد المحيطات. وعندما أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية القمر "نمبوس" للحصول على معلومات تتعلق بالمحيطات والبحار والجو، فقد حددت مجالات معلوماتيه تتمثل في ما يلي:

 1) ألوان المحيطات والمواد العالقة بالمياه المالحة.

 2) توزيع الثلوج في البحار والمحيطات وتكوين الغلاف الجوي.

 3) ميزان الطاقة الخاص بسطح الأرض.

وتقوم الأقمار الاصطناعية المخططة لرصد البحار والمحيطات باستخدام الإشعاع الكهرومغناطيسي في مناطق مختلفة من الطيف، وللموجات في مناطق الطيف المختلفة خصائص مختلفة يمكن استخدامها للقياس والرصد. فالأشعة تحت الحمراء تنتج عن تغيرات حرارية، والأشعة الضوئية تستخدم في التصوير النهاري العادي، بينما تتمتع الأشعة متناهية القصر (الميكروويف) بخصائص نفاذ عالية مما يجعلها عديمة التأثر بالغلاف الجوي.

أما البحث عن مصادر الثروة في البحار والمحيطات فقد اتضح أن أجزاء كثيرة من المحيطات والبحار لا تزال مجهولة، حيث لم يكن ممكناً الوصول إليها لدراستها بالطرق التقليدية، حتى يمكن الكشف عما قد تحويه من مصادر للثروات الطبيعية الكامنة بها، ولكن مع التطور العلمي والتقدم التقني الذي واكب غزو الفضاء وإطلاق السفن الفضائية والأقمار الاصطناعية أمكن ابتكار أجهزة ومعدات حديثة للاستشعار عن بعد يمكن الاستفادة منها في الحصول على الكثير من المعلومات المهمة والبيانات الدقيقة وبصفة دورية ومنتظمة عن الخصائص الطبيعية لهذه المساحات المائية الشاسعة من البحار والمحيطات وبخاصة النائية وغير المطروقة منها. لذا أصبح من الممكن استخدام هذه المعلومات والاستفادة منها في دراسة إمكانات البحار والمحيطات مما تختزنه وتحتوي عليه من مختلف الموارد الطبيعية التي تحتاجها البشرية في وقتنا الحاضر مع التزايد المطرد في عدد السكان وما يقابله من تلاش ونضوب في الثروات والموارد الطبيعية على الأرض اليابسة.

الخاتمة

نظرًا لأهمية الاستشعار عن بعد وتطبيقاته المختلفة التي جرى استعراض لبعضها، وتم ذكر نزر بسيط عنها فإن المملكة العربية السعودية لم تشأ أن تكون خلوًّا من هذه التقنية العصرية الحديثة، وفي منأى عن فوائدها ومزاياها المتعددة، لذا تم إنشاء "مركز نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد"، وهو مرصد بيئي تابع للرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، ولقد أنشئ هذا المركز لتوفير البيانات والمعلومات الجغرافية بجودة عالية وتغطية كاملة للمملكة، وقد قام المركز بإنشاء مجموعة من قواعد البيانات الجغرافية البيئية، طبقًا لاحتياجات الرئاسة لأداء مهامها في الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث والتداعي وفقدان المقومات، وتحتوى هذه القواعد على خرائط الأساس الرقمية مختلفة المقاييس والتغطية الجغرافية وخرائط الحساسية البيئية للمناطق الساحلية، كما قام المركز بعمل تغطية شاملة وجزئية للمملكة بمصورات فضائية مختلفة القدرات التفريقية للأقـمار الـصناعـية (لاندسات–سبوت–إكونوس) لبناء التطبيقات ودعم الدراسات البيئية بغية الكشف عن التغيرات الطارئة على الأوساط والمكونات البيئية الأساسية، وهي الهواء والماء والتربة والموارد الطبيعية.


عدد القراء: 2150

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-