من أعلام الفكر الإسلامي : العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر 1309-1377هـ)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-05-19 00:48:47

صبري بن سلامة شاهين

الرياض

شمس الأئمة أبو الأشبال الشيخ أحمد بن محمد شاكر ابن أحمد بن عبدالقادر من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وأصله من مديرية جرجا محافظة سوهاج بصعيد مصر. ولد بعد فجر يوم الجمعة 29 جمادى الآخرة سنة 1309هـ الموافق 29 من يناير سنة 1892م، وكان مولده بدرب الإنسية قسم الدرب الأحمر بالقاهرة.

ويعد الشيخ أحمد شاكر من أئمة الحديث في العصر الحديث، درس العلوم الإسلامية، وبرع في كثير منها، فهو فقيه ومحقق وأديب وناقد، لكنه برز في علم الحديث حتى انتهت إليه رئاسة أهل الحديث في عصره

أما والده: فهو الإمام العلامة الشيخ: محمد شاكر، من علماء الأزهر النابغين، عمل أمينًا للفتوى ثم وكيلاً للأزهر،  ولما عُيِّن والده قاضيًا بقضاء السودان 1900م أخذه معه، وأدخله كلية غورون، فبقي بها حتى رجع إلى الإسكندرية سنة 1904م، فالتحق بمعهد الإسكندرية. وفي سنة 1909م عين والده وكيلاً لمشيخة الأزهر الشريف، فالتحق أحمد شاكر بالأزهر، واتصل بعلمائه وأدباء القاهرة.

ثم بدأ ينتقل بين المكتبات، ويستفيد من العلماء، ويكثر من المطالعة، وقد حاز على الشهادة العالمية من الأزهر سنة 1917م، وعمل في التدريس لمدة أربعة أشهر فقط، ثم عمل في سلك القضاء، حتى أحيل على التقاعد سنة 1951م.

ولم ينقطع خلال مدة اشتغاله بالقضاء عن المطالعة والتصنيف، بل إنه أثرى المكتبة الإسلامية بأبحاثه القيمة وتحقيقه لأمهات كتب التراث، في علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية وآدابها.

فلقد تربى الشيخ أحمد شاكر في بيئة علمية ، فوالده وكيل الأزهر، وجده لأمه العالم الجليل هارون عبدالرزاق؛ بالإضافة إلى وجوده في الأزهر فأتيحت له الفرصة أن ينتفع من روافد العلم والعلماء.

فتلقى معارف العربية والشريعة الإسلامية على أيدي ثلة من كبار العلماء، منهم: والده، وكان أعظم الناس أثرًا في حياته. والشيخ عبدالسلام الفقي، وقد تعلم منه كتب الأدب واللغة والشعر. والشيخ محمود أبو دقيقة، وتعلم منه الفقه وأصوله، وعلامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي. وعلامة المغرب ومحدثها الشيخ عبدالله بن إدريس السنوسي، وقد أجازه برواية صحيح البخاري وبقية الكتب الستة. والشيخ طاهر الجزائري من كبار علماء الشام. والعلامة محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، وغيرهم من جهابذة العلم.

ولقد عاش الشيخ أحمد شاكر في حقبة اضطربت بكثرة الأحداث وتواليها، وكان وضع الدول الإسلامية مزريًا، وتئن تحت نير الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، وأدى خور المسلمين وعجز معظم العلماء عن القيام بواجبهم، إلى الشعور بالانهزامية والدونية، فعاشوا في ذلة ومهانة وصغار أمام هجمات الصليبيين وتلامذتهم من المستشرقين والمنافقين، الذين أشربوا حب المستعمر في قلوبهم، وتسلطوا فكريًّا على عقول العامة والدهماء، وطعنوا في الدين، واعتدوا على ثوابت الشريعة وقواعد الملة، وكان جل تركيزهم على مصر المركز العلمي للعالم الإسلامي، وفي ظل هذه الهجمات والمسلمون في نوم وسبات عميق، فطفق اليهود يخططون لاحتلال فلسطين، وأقصوا أحكام الشريعة الإسلامية عن حياة الناس، وبفعل التخطيط الصليبي الماكر ضد هذه الأمة، صار التدين والتمسك بدين الإسلام وصمة عار وتخلفًا ورجعية في حس كثير من المسلمين الذين أصابتهم الهزيمة النفسية، والشعور بالدونية والتبعية.

وأمام هذه الموجات المتلاطمة والطعنات الجارفة التي هبت بالفساد وقمعت الصالحين من العباد، نصبوا لذلك رايات في كل هضبة وواد. فانبرى لهم الأسد الجسور الشيخ المقدام، متسلحًا بسلاح العقيدة التي لا تقهر، ومتوشحًا بالسنة التي لا تقبل التنازل، أو تداهن إرضاء للطواغيت، فالشيخ ينطلق من عقيدة صحيحة سليمة لا تشوبها بدعة إرجاء أو تدفعه صولة خارجي، فالشيخ كان على منوال السلف الصالح: دينًا وخلقًا وسمتًا وتعبدًا. 

وإن الصمود والمواجهة أمام هذه العواصف الهوجاء والفتن التي ترقق بعضها بعضًا لا يقوى عليها من الرجال إلا العظماء، المؤيدون من رب الأرض والسماء، وقد قيل: لكل زمان رجال، فقد هيأ الله سبحانه وتعالى الشيخ أحمد أبا الأشبال ليذود عن حياض هذه الأمة، ويدافع عن شرفها وعزتها، ويهدم صروح الغزو الفكري الذي بدأ يدب دبيبه بين جنبات الأمة الإسلامية، وطفق ينخر في جسدها، ولا يكون ذلك إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فانبرى الشيخ للتصدي لهذه الأفكار الهدامة، وهو مستمسك بحبل الله المتين، ملتزم بعقيدة السلف الصالح، مقتف آثار القرون الثلاثة الفاضلة، ففتئ يقارع الأعداء وتلامذته من المستشرقين والمنافقين، دون أن تلين له قناة، أو تخور له عزيمة، أو تضعف له إرادة، مع قلة من أمثاله من الرجال.

وبارك الله في قلمه، فصار يدبج ببراعة مقالات بديعة وتعليقات مفيدة وردود نفيسة على كل من يخالف دين الله ويدعو للتحرر والانفلات من الدين بدعوى التمدن والتقدم، الذي خدعوا به كثيرًا من المتعلمين، فضلاً عن الرعاع، وكانت آيات الحاكمية وقضية الولاء والبراء، ومسألة تحرر المرأة، من أهم القضايا التي أخذت حيزًا كبيرًا من فكر الشيخ واهتمامه، ولم يحجبه خوف اتهامه بانتحاله فكر الخوارج أن أعلن تكفيره لمن لا يحكم بشريعة الله، وتشنيعه على الذين يرتمون في أحضان أعداء الله من اليهود والنصارى الداعين لتقليدهم الأعمى تحت مسمى التحضر والتقدم، وهو في الحقيقة تأخر وانهزامية أمام بريق الحضارة الاستعمارية المقيتة، وما زالت تعليقاته إلى الآن مصدرًا مهمًّا لمن جاء بعده من طلبة العلم والعلماء الذين فتح الله أعينهم وبصائرهم، وكتاب (كلمة الحق) وتعليقات الشيخ على تفسير الطبري واختصاره لتفسير ابن كثير (عمدة التفسير) وحواشيه على مسند الإمام أحمد كلها شاهدة على ما أقول، ليس من سمع كمن رأى وقرأ، لذا أوصي قارئ مقالي هذا أن يكلف نفسه عناء الوقوف على هذه التحف والذخائر والنفائس التي قلما يجدها في موضع آخر.

إن الشيخ أحمد قد متعه الله بمقدرة على البيان والفصاحة، التي كانت سلاحه في دحر الباطل والدفاع عن هذا الدين الحنيف، وتصديه للمبتدعين والمشعوذين والمستشرقين وغيرهم من أعداء الملة والدين. وإن لم يقدر قارئ مقالتي على تتبع كل ما قاله الشيخ، فلا أقل من أن ينظر في ثلاثة مقالات، هي: (أيتها الأمم المستعبدة)، (بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمة العربية والإسلامية عامة)، (تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين).

سترى أيها القارئ الأريب مدى الحرقة التي جعلت هذا الإمام أن يقف هذه المواقف الحازمة، وكم كان بغضه لأعداء الله، وحرصه على تحريض الأمة الإسلامية لمناهضة المستعمر ومجاهدة العدو، الذي غزا ديار الإسلام، فنهب خيرات البلاد، ونشر فيها الفساد.

ومن مواقف الشيخ أحمد شاكر الفذة والنادرة والقوية في الدفاع عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم، ما حكاه عن موقف لوالده في مقال بعنوان (جهل وسوء أدب، ثم إصرار وقحة وغرور) خاطب فيه الأستاذ الصحفي محمد زكي عبدالقادر، صاحب عمود (نحو النور) في جريدة الأخبار المصرية، وقد كنت وأنا طالب في الإعداي والثانوي معجبًا بكتابته جدًّا، وخاصة بعد قراءة روايته (أجساد من تراب) وأنا في ريعان الشباب.

 هذا الكاتب كتب مقالاً تعرض فيه لمقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيخ أحمد شاكر ظن به خيرًا، فلم يتهمه بتعمد التعرض لجناب النبي صلى الله عليه وسلم، وعزا خطأه ذلك إلى عدم القصد، وزلة القلم، فنصحه ودعاه للتوبة، ولكن الكاتب أخذته العزة بالإثم، فلم يتب ولم يعتذر، بل تمادى في غيه وضلاله، ونفخ في روحه الغرور بالباطل والكبرياء الكاذبة بأنه رجل من رجال القانون وكاتب معروف. على حد تعبير الشيخ شاكر نفسه.

وطفق الشيخ شاكر يلقن هذا الصحفي درسًا في ألف باء الإسلام وكيفية قبول النصح من الناصح، أيا كان سنه أو مكانته أو وضعه، ولكن لم يأخذ بالنصيحة، فتكبر وعتا، ونفخ فيه شيطانه، ألا يقبل من أحد نصحًا، بل راح المسكين يخوض في وحل التكبر والغطرسة، فخاطبه الشيخ شاكر معاتبًا إياه، ألا يكون قبل النصيحة، ثم عرج الشيخ على بيان حكم من شتم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين له أن حكمه أنه مرتد، ويجب قتله، وأحاله على قراءة الكتاب الماتع الرائع (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثم حكى له قصة تشبه إلى حد كبير قصته فيما وقع فيه من التعريض في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعت القصة مع أحد الفصحاء البلغاء الخطباء عندما أراد أن يمتدح السلطان حسين رحمه الله الذي أكرم طه حسين بهديه قيمة المغزى والمعنى، فكان من الخطيب المفوه أن قال في أثناء خطبته: جاءه الأعمى، فما عبس في وجهه وما تولى. فيفهم من قوله من طرف خفي: أن السلطان حسين في تصرفه ذاك مع طه حسين أفضل من تصرف الرسول مع عبدالله بن أم مكتوم الأعمى الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يخاطب القادة من كفار قريش، عسى أن يكون في إسلامهم خير ومنفعة لدين الله عز وجل، فعبس في وجه ذلك الأعمى، فعاتبه ربه بقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى).

وكان من شهود هذه الواقعة والده الشيخ محمد شاكر، فوقف من هذا الخطيب الموقف الشرعي، الذي يمليه عليه دينه، ودفعته غيرته الدينية أن يزود عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينكر هذا المنكر الشنيع الذي وقع فيه ذاك الخطيب، حتى وإن كان دون قصد منه أو تعمد الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام في المصلين يحثهم على إعادة الصلاة، لأن صلاتهم خلف هذا الإمام باطلة، ذلك بأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضًا لا تصريحًا.

ووشى كثير من المتملقين بذاك الخطيب لكي يرفع دعوى جنحة للقضاء في حق الوالد الشيخ محمد شاكر بتهمة سبه علنًا، وأوزعه إلى ذلك قربه من أحد المستشارين الكبار، حيث كان متصلاً به اتصال التابع بالمتبوع، ولم يعبأ الوالد بكل ذلك، فهو قد قام بواجب شرعي يلزمه أن يؤديه طاعة لله وقربة له سبحانه، وغيرة على دينه، ودفاعًا عن رسوله، وإن كلفه ما كلفه، ولكن شاء الله أن تطوى القضية دون النظر فيها من قبل الحكومة خشية ما يكون من وراء هذه القضية من أحداث وأخطار، فيقول الشيخ أحمد شاكر: ولكن الله لم يدع لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسم بالله لقد رأيته بعيني رأسي بعد بضع سنين، وبعد أن كان متعاليًا منتفخًا معتزًّا بمن لاذ بهم من العظماء والكبراء، رأيته ذليلا مهينًا، خادمًا على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها، في ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعًا للشفقة، ولا شماتة فيه، فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، لكن لما رأيت من عبرة وموعظة.

ثم درج الشيخ أحمد شاكر رحمه الله على تذكيره للصحفي محمد زكي عبدالقادر بالنصح المحض، خشية أن يريه الله آيته في نفسه.

فهذه طبيعة الشيخ أحمد شاكر لا يجامل أحدًا مهما علا قدره، ولا يداهن في إحقاق الحق ودمغ الباطل، مهما كان ومع من كان.

أما تراثه العلمي:

فلقد ترك الشيخ أبو الأشبال رحمه الله إرثًا علميًّا نافعًا وقيمًا ومفيدًا للعلماء وطلبة العلم، فما زالت مؤلفاته وتحقيقاته وردًا عذبًا ومنهلاً لرواد العلم والمعرفة في علوم الشريعة وعلوم العربية وآدابها، ومنها: 

المسند للإمام أحمد، وعمدة التفسير اختصار تفسير الحافظ ابن كثير، وسنن الترمذي بالاشترك مع عبدالباقي وعطوة. وتفسير الطبري، تحقيق أخيه: محمود محمد شاكر، مراجعة وتخريج أحمد شاكر. وكتاب الرسالة للشافعي. وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد. وألفية الحديث ويليها شرحها فتح المغيث للحافظ العراقي. وشارك في إخراج المفضليات للمفضل الضبي، والأصمعيات للأصمعي.

وله أيضًا :تحقيق لباب الآداب لأسامة بن منقذ.  والجزء الأول من مسند ابن حبان. وكتاب الإحكام لابن حزم الظاهري في أصول الفقه ، وجزءين من كتاب المحلى. وكتاب العمدة في الأحكام للحافظ عبدالغني المقدسي. وكتاب جماع العلم للشافعي. وكتاب المعرب للجواليقي في اللغة.

كما ساهم في تحقيق كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت مع عبدالسلام هارون. وكتاب الخراج ليحيى بن آدم. وله تحقيق الروضة الندية شرح الدرر البهية للعلامة صديق حسن خان. والكامل في اللغة والأدب لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد. وكلمة الفصل في قتل مدمني الخمر. وتصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب وسبق المسلمين الإفرنج في ذلك. والشعر والشعراء، لابن قتيبة. وله أيضًا: الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين. وجمعت مقالاته في كتاب: جمهرة مقالات العلامة أحمد شاكر.

من أقواله في الحكم بغير ما أنزل الله:

القرآن مملوء بأحكام وقواعد جلية، في المسائل المدنية والتجارية، وأحكام الحرب والسلم، وأحكام القتال والغنائم والأسرى، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص، فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية، وظن أن لشخص كائنًا من كان، أو لهيئة كائنة من كانت، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه، وما قال ذلك مسلم ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة ورفضه كله، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.

فانظر إلى ما يفعل المسلمون– بل المنتسبون للإسلام– في عصرنا من التشبه بالكفار في كل شيء، حتى ليريد الوقحاء من الكتاب أن يدخلوا شعائرهم أو ما يشبهها في عباداتنا، وحتى ضربوا على أنفسهم الذلة والصغار باصطناع تشريع أوربا الوثنية الملحدة في قوانينهم الوضعية المجرمة الكافرة، أعاذنا الله من الفتن، وأعاد للمسلمين عقولهم ودينهم.

من أقواله في الموالاة الكفرية:

وقال أحمد شاكر رحمه الله في كتاب كلمة الحق: أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون، قلّ أو كثر، فهو الردّة الجامحة، والكفر الصّراح، لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق، سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ، ثم استدرك أمره فتاب وأخذ سبيل المؤمنين، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا من قلوبهم لله لا للسياسة ولا للناس...

وقال: ولا يجوز لمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون، وإن التعاون معهم-أي الفرنسيين- حكمه حكم التعاون مع الإنجليز: الردة والخروج من الإسلام جملة، أيا كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه.

أقوال أهل العلم فيه:

قال عنه المحقق الأستاذ عبدالسلام محمد هارون: إمامًا يَعْسر التعريف بفضله كل العُسْر، ويقصر الصنع عن الوفاء له كل الوفاء.

وقال عنه الشيخ محمود محمد شاكر: هو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى، وكان له اجتهاد عُرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمحدثين، ونصر رأيه بالأدلة البينة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم على قلتهم.

وقال عنه صديقه الشيخ محمد حامد الفقي: أحب صديقي الشيخ أحمد محمد شاكر السنة النبوية المطهرة منذ شبابه الأول، وشغف بفقهها والتعمق في علومها وروائعها ونفائس كتبها، وما زال يتعهد هذا الحب وينميه ويسقيه بما يتيح الله له من التوفيق وجمع كتب الحديث وعلومه، المخطوط منها والمطبوع في كل بلدان العالم، مما جعل مكتبته لا نظير لها مطلقًا عند عالم ممن أعرف، مع كثرة من أعرف في البلدان الإسلامية، وقد وهبه الله صبرًا دائبًا على الدرس، وحافظة قوية لا يند عنها شيء، وذوقًا رفيعًا في استكناه الآثار واعتبارها بالعقل والنقل، وإحاطة النظر وإعمال الفكر دون تقليدٍ لأحدٍ أو تقبُّلٍ لرأى من سبق، وقد ساهم الأستاذ في إحياء كتب السنة مساهمة مشكورة، فنشر كثيرًا من كتبها نشرًا علميًّا ممتازًا. وكانت حياته حافلةً بالعلم والتحصيل خاصةً جهوده العظيمة في تحقيق وفهرسة كتب السنة.

 وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : أخي لقد كنت منذ أمد طويل مشتاقًا إلى مكاتبة فضيلتكم؛ للتعارف والتذاكر، والسلام عليكم، والاستفسار عن صحتكم، ومن لديكم من الأولاد والإخوان في الله، وإبداء ما أُكنه لفضيلتكم من المحبة في الله. ولكن لم يقدر ذلك إلا هذا الوقت؛ لقلة الفراغ، وتزاحم الأشغال المتعلقة بالقضاء والتعليم، أحسن الله لي ولكم العاقبة آمين. وإني لأدعو الله كثيرًا لفضيلتكم على ما مَنَّ به عليكم من خدمة السنة، ونفع المسلمين، بإبراز المسند العظيم بهذا الوضع الجليل، الجامع بين فائدتين عظيمتين: إحداهما: إبقاء المسند على حاله، والثانية: بيان حال أسانيده، والتنبيه على ما هناك من غريب أو خطأ أو اختلاف نسخ مع ما انضم إلى ذلك من الأحاديث، وفهرستها بفهرس نافع وافٍ بالمطلوب مريح للطلاب؛ فجزاكم الله عما فعلتم خيرًا، وضاعف لكم الأجر ، وزادكم من العلم والبصيرة، وختم لي ولكم ولسائر المسلمين بالخاتمة الحسنة؛ إنه ولي التوفيق.

وأثنى عليه كثيرًا الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع متعددة من كتبه، يذكره فيها بالعلامة والشيخ والأستاذ الفاضل والقاضي، ونقل عنه ما وافقه عليه، وإن كان خالفه في بعض التعليقات، خاصة فيما يتعلق ببعض الرجال والأسانيد والحكم على بعض الأحاديث غفر الله لهما ورحمهما ربهما.

توفي رحمه الله في السادسة بعد فجر يوم السبت الموافق 26 من ذي القعدة سنة 1377هـ، الموافق 14 من يونيه سنة 1958م . فرحم الله هذا العالم المحقق النحرير، وبعث في هذه الأمة من يعوضها عن فقده، ويسد مسده، ويقوم بإتمام ما ابتدأه وانتهجه.


عدد القراء: 2447

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-