محب الدين الخطيب عاشق الإسلام والعروبة 1886 - 1969مالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-11-25 08:48:26

صبري بن سلامة شاهين

الرياض

هو محب الدين بن أبي الفتح بن عبدالقادر بن صالح ابن عبدالرحيم بن محمد الخطيب، ولد بدمشق في حي القيمرية في تموز 1886، وبها تلقى علومه الأولية والثانوية. والدته آسية بنت محمد الجلاد، كانت امرأة صالحة ذات فضل ودين، توفيت بين مكة والمدينة بريح السموم، وهي راجعة من فريضة الحج، ودفنت هناك بالفلاة، وكان محب الدين صغيرًا في حجرها ساعة موتها، فشمله أبوه برعايته ليعوضه حنان الأم، وبقيت لرحلة الحج هذه صورة في ذاكرته لا تغيبها السنون. ورجع محب الدين من رحلة الحج وهو حزين يكاد يقتله الألم والحزن لفقد أمه، وهو في أمس الحاجة إلى حنانها وعطفها.

نشأته وطلبه للعلم:

نشأ محب الدين الخطيب في أسرة كريمة ذات دين وخلق وعلم، وألحقه والده وهو في السابعة بمدرسة الترقي النموذجيّة، وحصل منها على شهادة إتمام المرحلة الابتدائيّة بدرجة جيد جدًّا، ثمّ التحق بمدرسة مكتب عنبر. وبعد سنة توفي والده.

فرأت أسرته بعد وفاه الوالد أن يترك المدرسة، فتركها ولازم العلماء، وكان في هذه الحقبة الشيخ طاهر الجزائري المشرف على المكتبات والمدارس في بلاد الشام غائبًا عن دمشق، فلمّا عاد وكانت بينه وبين أبي الفتح الخطيب صلة ومودة وإخاء، وعلم بموت والد محب الدين احتواه، وعطف عليه، ووجهه نحو العلم لينهل منه، ويتضلّع من مشاربه، وغرس فيه: حب قراءة التراث العربي والإسلامي، وحب الدعوة إلى الله. ولذلك كان يقول عنه: من هذا الشيخ عرفت إسلامي وعروبتي.

وعينه في دار الكتب الظاهريّة، وكان ينتقي له مخطوطات شيخ الإسلام ابن تيمية، فيكلّفه بنسخها. فانتفع محب الدين بهذا العمل من ناحيتين:

أ- توسعت ثقافته العلميّة، وانتفع بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته السلفيّة، فاستفاد اطلاعًا على الإسلام المصفّى من البدع والخرافات والأوهام.

ب- أشغل وقته وانتفع بأجرة النسخ.

وأوصاه بالتردد على العلماء: أحمد النويلاتي، وجمال الدين القاسمي، ومحمد علي مسلم، فتفتحت آفاق التفكير العلمي عند محب الدين، وانتفع بما تلقاه في المدرسة، وأضاف إليها مطالعاته المتواصلة في دار الكتب الظاهريّة، واطلاعه على المجلات الكبرى في عصره: المقتطف، الهلال، الضياء.

وكتب المقالات العلميّة والأدبيّة، ويرسل بها إلى صحيفة ثمرات الزمان في بيروت. وكان محب الدين كثير القراءة في سائر علوم الشريعة والعربية، وكان حبه للعربية والعرب شديدًا.

رحلاته العلميّة والدعويّة:

بعد أن أنهى الخطيب دراسته الثانويّة عام 1906م في بيروت، انتقل إلى عاصمة الخلافة في تركيا، المعروفة يومئذٍ بالأستانة، وهي القسطنطينيّة والتحق بكليتي الآداب والحقوق.

ورأى هناك أمرًا عجبًا، رأى الطلاب العرب يجهلون قواعد لغتهم، وإملاءها، وآدابها، ويتكلّمون بينهم برطانة الترك، فانتخب محب الدين من الشباب العربي طائفة أقنعها بوجوب تعلّم لسان العرب، وبعد مدة أسس جمعية النهضة العربيّة.

وشعر الأتراك الاتحاديّون الذين انقلبوا على الخلافة العثمانيّة بنشاط جمعيّة النهضة العربيّة فداهموا غرفة محب الدين، ووجدوا فيها أوراقًا وصحفًا عربيّة، وكاد الشيخ أن يهلك لولا أنّ الله قيّض له رجلًا كانت تربطه بأسرته روابط قويّة.

اشتدت الرقابة الاتحاديّة على الشيخ فغادر الأستانة إلى دمشق. ثم اختير للعمل في اليمن وانتقل إليها، وفي طريقه إلى اليمن توقف في مصر، ليلتقي شيخه طاهر الجزائري، وصديقه محمد كرد علي، واتصل فيها بأركان جمعية الشورى العثمانية، الذين كانوا يطالبون بالحكم النيابي، وإعلان الدستور، ووضع حدّ للحكم الفردي، وكان منهم: الشيخ رشيد رضا، ورفيق العظم، والأديب التركي عبدالله جود. وسواهم، وفوّضوه بتأسيس فرع جديد لجمعيتهم في اليمن.

ونشط في اليمن نشاطًا عظيمًا في ميادين: السياسة، والصحافة، والطباعة، والتعليم، والنشاط الاجتماعي، والثقافي، الأمر الذي جعل الأجهزة تراقبه وتضايقه.

ولمّا أعلن الدستور العثماني سنة 1908م رجع إلى دمشق، وأصبح يطالب مع إخوانه هناك بحقوق العرب التي تنكرت لها حركة التتريك، وشارك في تحرير جريدة هزلية (طار الخرج) فانتبهت السلطات الحكوميّة للجريدة، فسافر الشيخ إلى بيروت، فأمرت الحكومة بملاحقته، فانتقل إلى القاهرة، وهناك شارك في جريدة المؤيد، وفي سنة 1913م أسس الشيخ محمد رشيد رضا مدرسة الدعوة والإرشاد فدرّس فيها الشيخ محب الدين.

وعندما قامت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت الثورة العربيّة الكبرى، طلبه الشريف الحسين بن علي فسافر إلى مكة فأسس المطبعة الأميريّة، وأصدر جريدة القبلة الناطقة باسم حكومة الحجاز، وكان موضع استشارة الشريف حسين.

ولمّا دخل الفرنسيون عام 1920م دمشق، غادر الشيخ محب الدين إلى مصر، واستقرّ في القاهرة، حيث عمل في تحرير جريدة الأهرام خمس سنوات، وهناك أسس المكتبة السلفيّة ومطبعتها، حيث قام بطباعة الكتب السلفيّة، ونشر كثيرًا منها، وأصدر مجلة الزهراء، وهي مجلة أدبيّة اجتماعيّة دامت خمس سنين.

ثمّ أسس مجلة الفتح التي تعد من أقوى المجلات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي. لقد استمرت تصدر خمسة وعشرين عامًا في مرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريخها الحديث، وقد تبنت الفتح في تلك المرحلة العصيبة قضايا العالم الإسلامي، واستقطبت حولها كتابًا كثيرين من بلاد العالم الإسلامي كله، وتصدت للدفاع عن حقائق الإسلام وحقوق المسلمين.

وقد بين الفكرة الداعية إلى إصدار الفتح في إحدى افتتاحياتها، فقال: إن الفتح أنشئت لمماشاة الحركة الإسلامية، وتسجيل أطوارها، ولسد الحاجة إلى حاد يترنم بحقائق الإسلام، مستهدفًا تثقيف النشء الإسلامي، وصبغه بصبغة إسلامية أصيلة يظهر أثرها في عقائد الشباب وأخلاقهم وتصرفاتهم، وحماية الميراث التاريخي الذي وصلت أمانته إلى هذا الجيل من الأجيال الإسلامية.

ومن هذه الكلمة الجامعة يبدو أن الفتح كانت مدرسة كبرى، تعنى بتثقيف الجيل المسلم وتربيته ومعالجة قضايا واقعه على اختلاف أنواعها. وفي مدة قرابة ربع قرن من الزمان والفتح تفتح آفاقًا جديدة أمام المسلمين من الوعي الإسلامي الصحيح، والفكر السياسي النير، والمعالجة السليمة لقضايا العالم الإسلامي على ضوء هذا الدين الحنيف، وبعد هذا الجهاد المرير مع مختلف أعداء الإسلام في الحاضر والماضي على صفحات الفتح، اضطر الخطيب إلى إيقافها. ولما سئل عن السبب قال: أوقفتها حينما أصبح حامل المصحف مجرمًا يفتش ويعاقب. فما أشبه الليلة بالبارحة. ولقد أعاد التاريخ نفسه.

وإذا توقفت الفتح فإن محب الدين لم يتوقف، بل استمر في طريقه الذي اختطه لنفسه من نصرة هذا الدين حتى الرمق الأخير. فإلى جانب التحقيق والتعليق وكتابة الرسائل والإشراف على ما يطبع في مطبعته الكبيرة، تولى رئاسة تحرير مجلة الأزهر لمدة ست سنوات.

وكان قد أسس جمعية الشبان المسلمين بالتعاون مع عدد كريم من شخصيات مصر وعلمائها منهم العلامة أحمد تيمور والشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق وغيرهما.

وعن غايته من تأسيس هذه الجمعية قال: كنت أنا وأحمد تيمور ومحمد الخضر حسين حريصين على أن تكون هذه المؤسسة الأولى للإسلام في مصر قائمة على تقوى من الله والإخلاص، وكنا حريصين على أن يتولى إدارتها رجال يعرفون كيف يصمدون لتيار الإلحاد الجارف بعد أن استولى المتابعون للاستعمار على أدوات الثقافة والنشر في العالم الإسلامي وفي مصر على وجه الخصوص.

وكانت الجمعية حدثًا كبيرًا من أحداث الحركة الإسلامية، لأن دعاة الإلحاد والتحلل كان قد استفحل أمرهم، وظنوا أن قيادة الأمة قد أفلتت من أيدي ممثلي الإسلام، وانتظمت إلى أيديهم.

وقد أحدث قيام جمعية الشبان المسلمين في القاهرة ردة فعل شديدة لدى دعاة الإلحاد والعلمانيين والمبشرين، فتربصوا بمحب الدين حتى وجهوا أنظار النيابة العامّة إلى مقال كتبه بعنوان: الحرية في بلاد الأطفال. نال فيه من كمال أتاتورك، فقُبض عليه وحُكم عليه بالسجن لمدة شهر.

وعلى إثر سوء تفاهم مع القائمين على الأزهر استقال من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وكان ذلك آخر عمل رسمي له، ثم انزوى في مكتبته ومطبعته، وقطع كل صلة له بذلك المجتمع، وانكب على التأليف والتحقيق، وحتى الأعمال التجارية كانت شبه مقطوعة.

وقد جمع مكتبة ضخمة خاصة به، فاقت على ما يبدو كل مكتبة خاصة في مصر ما عدا مكتبة العقاد. وقد جعلها قبل وفاته وقفًا على أهل العلم من ذريته، وقد بنى ولده قصي دارًا جديدة في حي الدقي في القاهرة، وخصص الطابق الأول منها لتلك المكتبة.

ولقد كان محتفظًا بحيويته حتى أواخر أيام حياته، وكان يعزو ذلك إلى اعتداله في حياته كلها في مأكله ومشربه ومنكحه. وكان ذا صبر وجلد على العمل، لا يعرف معهما السامة والملل. وكان منظمًا في شؤونه كلها، عصاميًّا في تدبير أمره وتكوين ثروته، وبناء حياته وشخصيته.

عمله السياسي:

فقد كان محب الدين حركة دائبة، ورجل سياسة وإعلام وثورة وإصلاح، شارك في العديد من الجمعيات والهيئات والأحزاب التي يراها سليمة التوجه، ومنها حزب اللامركزية العثماني، وجمعية العربية الفتاة، ذات الدور الكبير في السياسة.

وكان مشرفًا على اللجان التي تشكلت لجمع المال من أجل المجاهدين الذين يستعدون لملاقاة الفرنسيين الغزاة في ميسلون قرب دمشق. وكان رجل مؤسسات، ولذلك كان يبادر إلى تأسيس الجمعيات، والعمل في الأحزاب.

وكان ذا عقلية منظمة، يدرس الأمور دراسة منهجية، ويخطط لغده، ثم يقدم. وكان من الأعضاء العاملين في جمعية الشورى العثمانية. وأمير سر جمعية التعارف الإسلامي، وفي القاهرة كان صاحب فكرة تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأحد مؤسسيها البارزين، وأمين سرّها.

وعمله الصحفي:

فهو رائد الصحافة العربية والإسلامية، فقد كان صحفيًّا بارعًا، حيث كان يكتب في الصحف وهو ما يزال تلميذًا، وأخذ ينشر ما يكتب وما يترجم عن اللغة التركية في صحيفة ثمرات الفنون البيروتية. وعندما عمل في مدينة الحديدة باليمن، أسس شركة مساهمة للصحافة والطباعة، وأصدر جريدة العرب، وأنشأ مطبعة جزيرة العرب. وعندما رجع إلى دمشق، شارك العاملين في جريدة القبس، بتحرير الملحق الأدبي للجريدة (طار الخرج) الكوميدية الناقدة.

وشارك في تحرير جريدة المؤيد وترجم ونشر فيها الكثير عن أعمال المبشرين البروتستانت، وفضح ما يراد بالمسلمين من شرّ على أيديهم وعقولهم الملوّثة، وكان له من ذلك كتاب الغارة على العالم الإسلامي. الذي كان له دويّ في العالم الإسلامي.

وفي الحجاز عمل مع الشريف حسين، وحرر له جريدة القبلة. وعندما ترك الحجاز وعاد إلى دمشق، تولّى إدارة الجريدة الرسمية العاصمة وتحريرها، وكتب فيها مقالات رائعة.

وعندما قرر الاستقرار في مصر، عمل في تحرير جريدة الأهرام نحوًا من خمس سنين، وأنشأ المكتبة السلفية، والمطبعة السلفية، بثمن بيته الذي باعه في دمشق.

وأصدر مجلة الزهراء، وهي مجلة أدبية اجتماعية ذات طابع أكاديمي سنة 1343هـ، ولكنها كانت تلهب المشاعر، وتوقد العواطف كدأبه في مقالاته وأبحاثه. ثم أصدر جريدة الفتح من  1344 - 1367هـ، وهي مجلة إسلامية أسبوعية، تركت لنا حصيلة ضخمة من الثقافة والفكر والتاريخ والسياسة.

والزهراء والفتح هما امتداد لمجلة المنار للشيخ رشيد رضا، التي هي امتداد للعروة الوثقى، وكان محب الدين من كتّاب المنار المهمّين. ثم تولّى رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وكانت افتتاحياته فيها نارية، صبّ فيها الكثير من عصارة نفسه وخلاصة عقله وتوهّج عاطفته.

ولما تعرّضت مصر إلى الغزو الفكري المدمّر، ووقع العبث بثوابت الأمّة الإسلامية وتخريب قيَمِها الأصيلة برعاية الاستعمار الإنجليزي الجاثم على أرض الكنانة آنذاك، والذي كانت تلوذ به وتنضوي تحت جناحه هذه القوى المخرّبة. متمثلًا في كتاب طه حسين الشعر الجاهلي، الذي شكّك في وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. والشيخ علي عبدالرازق في كتابه: الإسلام وأصول الحكم. الذي أنكر فيه وجود نظام سياسي في الإسلام، وادّعى أنّ الإسلام دين روحاني فقط مثله مثل النصرانية، ليكوِّن تبريرًا شرعيًّا يهوّن على المسلمين مصيبة إلغاء كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية، وتحويلها إلى دولة علمانية.

وفي مواجهة هذه الأمواج المتلاحقة من الغارات على مسلّمات الأمة وثوابتها انبعثت أصوات مخلصة تذبّ عن دينها وهويّتها، إلاّ أنها كانت أصواتًا مبحوحة ومتفرقة، ينقصها عوامل الترابط وأوات التنظيم، فضاعت أصداؤها في خضم أمواج التغريب والغزو الفكري الصاخبة.

وفي عام 1926م التقى محب الدين  برجالات الفكر والثقافة الذين ذهبت أنفسهم حسرات على ما آل إليه الحال في أرض الكنانة من عدوان سافر على ثوابت الأمة وهويّتها العربية الإسلامية، فتمخّض هذا الاجتماع عن إنشاء جمعية لمقاومة هذه الانحرافات ومجالدة المفسدين بالحجة والبيان.

وأصدروا مجلّة الفتح، وكانت في موضوعاتها ومادّتها الإعلامية سيفًا مصلتًا في نحور دعاة الغزو الفكري والتغريب والتنصير والاستشراق، فسدّت بذلك ثغرةً كبيرةً برغم إمكانياتها الضعيفة، وضيق هامش الحرية الممنوح لها.

كانت مجلة الفتح بحق منبرًا حرًّا أصيلًا لا نظير له، بفضل الروّاد والعمالقة من أمثال: أحمد شاكر، وأخيه محمود، وشكيب أرسلان، والرافعي، وشيخ الإسلام مصطفى صبري، ومحمد الخضر حسين، وعلي الطنطاوي، وتقي الدين الهلالي، وغيرهم ممن طرّزوا حواشي هذه المجلة بإبداعاتهم، وآثارهم القيّمة.

وتصدّت المجلّة إلى افتراءات وهجمات دعاة التغريب في مصر، أمثال: أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وتوفيق الحكيم، وحسين فوزي، وميشيل عفلق، ومحمود عزمي، وإسماعيل أحمد أدهم، وغيرهم.

وكشفت حقيقة الماسونية وحقيقة الفرق الباطنية المنتسبة للإسلام، وكشف النقاب عن جذورها الفكرية والعقائدية. وخاصة طائفة القاديانية الخبيثة، وحذّرت من خطر فرقة التيجانية، ونبّهت إلى خطورة انتشارها لكونها تمنح الولاء للاستعمار الفرنسي، وتوطّد أركانه في تلك البلاد.

واهتمت مجلة الفتح بقضية التربية والتعليم، وبيان خطر البرنامج «الدنلوبي» الذي زرعته بريطانيا في قلب وزارة التعليم المصرية، فقام «دنلوب» الخبير الإنجليزي بصياغة المناهج التربوية وفق الرؤية الغربية التي علّمت شباب مصر أن العروبة والإسلام شيء أجنبي طرأ على مصر، وبينت أن التعليم الدانلوبي في المدارس أهمل آداب الإسلام وتاريخ الإسلام وأمجاد الإسلام، فخرَّج لنا أبناء محرومين من سلاح الفضائل الإسلامية.

وكشفت المجلة النقاب عن الدور التخريبي الذي تلعبه (الجامعة الأمريكية) في القاهرة، التي كانت تدرس كتابًا خبيثًا مليئًا بالطعن والتطاول على مقام النبي صلى الله عليه وسلم.

واستمرت مجلة الفتح في مسيرتها الميمونة حتى عام 1366هـ، وكان سبب توقّفها هو موجة التضييق على العمل الإسلامي التي سادت مصر بعد هزيمة 1948 أمام اليهود، فنال مجلة الفتح ما نال غيرها من الأذى والإغلاق والمصادرة، وجفّ مدادها بعد اثنين وعشرين عامًا من الجهاد الثقافي المتميّز.

جهود محب الدين في نشر عقيدة السلف:

فقد تولى نشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ودافع عن الصحابة ورد الشبهات عنهم، فنشر كتاب «العواصم من القواصم» ففيه إبطال الروايات الساقطة التي اخترعها الكذابون بعد مقتل عثمان رضي الله عنه. ونشر أعظم كتاب خدم السنة المطهرة وهو فتح الباري، وتواصل مع العلماء والدعاة السلفيين.

جهوده وجهاده وآثاره العلميّة:

على الرغم من حياته المضطربة في الحلّ والترحال، استطاع محب الدين كتابة عشرات المقالات والأبحاث، وتمكّن من التأليف والتحقيق والترجمة لكثير من الكتب.

فلقد ترك آثارًا عظيمة تدل على عبقريّته وموسوعيّته كما قال الأستاذ أنور الجندي: وبالجملة فإنّ السيد محب الدين وآثاره تعد رصيدًا ضخمًا في تراثنا العربي، وفكرنا الإسلامي، وقد أضاف إضافات بناءة، وقدم إجابات عميقة لمفاهيم الثقافة العربيّة وقيمها الأساسيّة.

من أهم أعماله:

توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري، وهو شرح صغير. والحديقة  في أربعة عشرجزءًا، وهو عبارة عن مجموعة أدبيّة وحكم، والخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الإثني عشريّة، ومع الرعيل الأول، وهو عبارة عن عرض وتحليل لحياة الرسول مع أصحابه، ومن الإسلام إلى الإيمان: حقائق عن الفرقة الصوفيّة التيجانيّة. وحملة رسالة الإسلام الأولون. والإسلام دعوة الحقّ والخير. وذو النورين عثمان بن عفان. والجيل المثالي. ومراسلات بينه وبين الأمير شكيب أرسلان، بلغت ألف رسالة.

وكان من أوائل العلماء الذين تنبّهوا لأخطار الصهيونيّة، وحذروا منها، وكشفوا الغطاء عن حقائقها وأسرارها، ومحاولتهم في الوصول إلى فلسطين.

النواحي الفكرية عند محب الدين الخطيب:

لقد كان يدعو باختصار شديد إلى الإصلاح الإسلامي المتمثل في القضاء على البدع الطارئة، وتخليصه من الدخيل الذي يحسب الجاهلون أنه منه وما هو منه. ومن الإصلاح الإسلامي بث روح النشاط بين المسلمين، لإحياء مقاصد دينهم وتحقيق أغراضه، وتأليف الكتب عن حقائقه وأحكامه وتاريخه.

وهناك نقاط هي أبرز من غيرها في تفكيره، وهو أشد اعتناء بها من غيرها، وأهم هذه النواحي هي ما يلي:

• السلفية الصافية: فقد كان من أشد أنصار السلفية النقية في العقيدة والعبادة، وهذه سمة بارزة في كل كتاباته، وقد تحصلت لديه هذه الفكرة من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وظل مقتنعًا بهذا الاتجاه، قوي الإيمان به، مدافعًا عنه بقلمه ولسانه، متصديًا لكل من يتعرض له، مروجًا للكتب المهمة التي تدعو إليه.

ومن مواقفه العظيمة: الوقوف في وجه الباطنية والرافضة، فقد كان شديد العناية بهذا الموضوع. فقد كُلِّف من قِبَل علماء الأزهر الغيورين بالكتابة في الرد على الرافضة، فكتب يومئذ كتابه النفيس (الخطوط العريضة للديانة الإثني عشرية)، أبان فيه الأسس التي يقوم عليها دين الرافضة من كتبهم ومراجعهم.

وسُئل مرة عن أفضل كتاب في التاريخ الإسلامي؟ فأجاب: بأن التاريخ الإسلامي لم يكتب بعد، وأفضل ما كتب فيه البداية والنهاية لابن كثير، وكان يعتقد بأن تشويه تاريخ الإسلام والمسلمين كان مقصودًا كتشويه عقائده وشرائعه، وكان يدعو إلى دراسة التاريخ على طريقة المحدثين بالتثبت من الروايات التاريخية وأسانيدها الصحيحة، وأنه لا بد من تجريد التاريخ من الخبث الذي لحقه على أيدي أعداء الإسلام وعلى رأس هؤلاء الرافضة.

ويبين أهمية تصحيح التاريخ: ولن يكون ذلك إلا إذا بنوا مناهج تعليمهم وأسس ثقافتهم ومعالم أدبهم على هذه المعرفة والإيمان بلوازمها وتعميم طريقهم نحو أهدافها. ورأس ذلك وعموده تصحيح تاريخ العروبة والإسلام وتجريده مما دس فيه.

لقد كان محب الدين فخورًا جدًّا بأمجاد الإسلام ومفاخر المسلمين، وله في مجال تخليد الأمجاد الإسلامية وإظهارها بثوبها القشيب اللائق عمل عظيم، لا يجوز أن يذكر محب الدين إلا ويذكر معه، هذا العمل العظيم هو ديوان (مجد الإسلام) للشاعر الكبير أحمد محرم. فهو السبب في ظهور هذا الديوان، الذي عرض على الشاعر محرم إنجازه، وشجعه على كتابته.

وقصة هذا الديوان يلخصها محب الدين في مقدمة الديوان بما مضمونه باختصار: لقد كان يقرأ في المدارس العثمانية شيئًا من اللغة الفارسية وآدابها من جملة مقرراتها، وكان أستاذ تلك اللغة يبالغ أمامهم في وصف (الشاهنامة) للفردوسي، وبيانها المنظوم المعجز، ويحدثهم عن صاحبها، وكيف أنه أحاط بتاريخ الفرس القديم، ثم اتصل بأحد ملوكهم، فأعطاه جناحًا في قصره، وكلفه بأن ينظم أمجاد الفرس، فأقام في ذلك القصر ثلاثين عامًا، وهو ينظم الشعر الرائع في أمجاد فارس، حتى بلغت الشاهنامة، وهي الديوان الذي وضعه لذلك ستين ألف بيت.

كان يسمع محب الدين ذلك، ويقول: «أليس في دنيا العروبة والإسلام من يقوم للعروبة والإسلام بمثل هذا العمل الأدبي الكبير، أيكون للمجوسية وظلمات الظلم كتاب يخلدها، ولا يكون للإسلام الدين الكامل ورسالة الله العظمى من يدل عليها ويدفع الناس في طريقها.

أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب ويلون ذا الوجهة منها بألوان زاهية، ويسلط على ضئيل الخير منها شعاعًا قويًّا مكبرًا بأعظم المكبرات، فتكون من ذلك (شاهنامة الفردوس)، وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوان مفاخر كالإلياذة تتغنى بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا، والإسلام الذي لم تفتح الدنيا عينيها على أعلى منه رتبة، وأعظم منه محامد يجتهد بعض المنتمين له في تشويه صفحاته، والحط من قدر رجاله. أتواصوا به؟ هذا ما يقع اليوم ممن يدعون أنهم النخبة، الذين يمثلون الإعلام والثقافة المشوهة.

لقد بقيت هذه الفكرة تعمل عملها في نفس محب الدين حتى التقى بأمير الشعراء أحمد شوقي وتحدث معه عن (الشاهنامة والإلياذة)، واقترح عليه أن يقوم بهذا العمل العظيم، واستمع شوقي إلى هذا الحديث ولم يبد موافقة ولا رفضًا، ثم زار شوقي وفد في منزله لتجديد الحديث معه، فبقي عند موقفه من الصمت والابتسام، ثم ظهر بعد ذلك في بعض أعماله أشعار عن دول الإسلام وعظماء التاريخ، ولعله كان هذا من أثر ذلك الاقتراح.

ولكن المطلوب الذي كان يؤمله الخطيب كان أعظم من ذلك، فاتصل محب الدين بالشاعر الكبير أحمد محرم، وقويت بينهما الصلة والمحبة، فاقترح عليه أن يسجل أمجاد الإسلام في ديوان من الشعر الرائع، وقال له: «لعل الله قد ادّخر لك هذه المهمة واختارك لها، لأنك أقرب شعرائنا إلى إخلاص القول والعمل، وأكثرهم توخيًا لمرضاته. فاستجاب أحمد محرم لهذه الدعوة، وكان من ذلك ديوان «مجد الإسلام» أو «الإلياذة الإسلامية» التي نظمها أحمد محرم، وهو ديوان كبير يقع في 450 صفحة، نظم فيه الشاعر أهم أحداث  السيرة النبوية والغزوات والوفود.

وقال الأستاذ أنور الجندي في كتابه أدباء ومفكرون: ولست أعرف كاتبًا كان أوضح رأيًا في ربط الإسلام بالعروبة على النحو الذي يحقق فلسفة اليقظة وبناء النهضة، كما يفعل السيد محب الدين الخطيب منذ سنوات طويلة، فهو مؤمن بامتزاجهما واستحالة انفصامهما.

كان محب الدين قوي الإيمان بخصائص الأمة العربية وأصالتها، واستعدادها للخير، وجدارتها بحمل رسالة الله، وبطيب عنصرها، ونقاء جوهرها، وصفاء فطرتها.ولقد كان يؤمن بأنه إذا حيل بين الإسلام والعروبة كانت العروبة جسمًا بلا روح، وكان الإسلام روحًا بلا جسد، وهذا تاريخنا العربي من بدايته إلى اليوم لا نراه ازدهر وانتعش وكان مظهر العز والقوة إلا في الأدوار التي كان الإسلام يزدهر فيها وينتعش، ويأخذ نصيبه من العز والقوة، ويكذب من يظن أن العرب تنمو عزتهم بروح أجنبية غير روح الإسلام.

وإلى هذا كان يدعو إلى الأخذ بأسباب القوة وبكل نافع من نتاج الحضارة الحديثة مع المحافظة على المثل والقيم والأخلاق القديمة، لأن الخير كله قديم، وكان يركز على إصلاح المدارس ومناهج التعليم ووسائل الإعلام.

وهكذا قضى محب الدين حياته في البحث والتحرير والتأليف إلى أن توفي في القاهرة في كانون الأول عام 1969. وقد ترك آثارًا عظيمة، وإنتاجًا علميًّا يعد رصيدًا ضخمًا في تراثنا العربي وفكرنا الإسلامي.

 وبعد جهاد مضن كريم استمر سنين عديدة أعطى خلالها للإسلام نور عينيه، وحياة قلبه، وثمرة قلمه، وأصالة فكره، فأسهر ليله وأجهد نهاره. وبعد كل هذا الحراك الدؤوب قد سكن ذلك الفؤاد الكبير الذي كان يخفق بحب الإسلام، وخبا نور تينك العينين، وهدأت تلك اليد المرتعشة، التي حملت القلم للدفاع عن الإسلام والمسلمين دهرًا طويلًا، وسقط ذلك اليراع وتحطم، فمات محب الدين رحمه الله رحمة واسعة.


عدد القراء: 912

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-