
مبدأ شوبنهاور: حين يصبح التشاؤم دليلك للحياة
أنا شخص غير توقيري بطبعي. في الحياة أشياء قليلة لا أحب السخرية منها، وأشخاص قلائل لا أنتهي يومًا إلى مداعبتهم على نحوٍ ساخر. أستمتع بالضحك على الأمور الجدية، وبالتعامل بجدية مع الأشياء السخيفة.
قد أكون غير توقيري وأحيانًا ساخرًا، لكنني لست متشائمًا. فخلف هذا القناع الضاحك والمتهكم، قلبٌ مفعم بالأمل. أميل عمومًا إلى الاعتقاد بأن معظم الناس طيبون، وأن الأمور لن تسوء إلى الحد الذي أتخيله، وأن المستقبل سيكون – في معظم المقاييس الممكنة – أفضل من الماضي.
المتشائم مختلف عن ذلك. فهو يتحدث كثيرًا عن المعاناة، ويركّز على عبثية الوجود، ورتابة الحياة اليومية، ولا يمرّ بمقولة تحفيزية دون أن يعلّق عليها تعليقًا لاذعًا. لا شك أنك تعرف متشائمًا أو اثنين، ومعظمنا متشائم حيال أمرٍ ما. لكن في تاريخ الأفكار، لم يتربع على عرش التشاؤم سوى ملك واحد: آرثر شوبنهاور.
يتحدث الأستاذ المشارك والمتخصص في شوبنهاور، ديفيد باتر وودز، من جامعة وارويك، حول الدين والطبع الإنساني والشفقة. وبالنسبة إلى باتر وودز، فإن تشاؤم شوبنهاور ليس زلّة محرجة طواها الماضي الغامض، بل هو تشاؤم حقيقي لا مفرّ منه، بل وقد يكون نافعًا في بعض الجوانب.
وفيما يلي ثلاث فوائد فلسفية للتشاؤم.
ستكون أكثر تعاطفًا…
ينطلق شوبنهاور من مسلّمة أساسية مفادها أنه لا وجود لما يُسمّى «السعادة»، بل هناك لحظات مؤقتة فقط تخلو من المعاناة. أقصى ما يمكن أن نرجوه هو ألّا نغرق في فائض من الألم أو الرغبات غير المشبعة. وله عبارة شهيرة يقول فيها إن «الحياة تتأرجح مثل بندول ذهابًا وإيابًا بين الألم والملل». ولم يكن من العبث أن يُلقّب بالفيلسوف المتشائم.
لكن شوبنهاور لم يقف عند هذا الحد. فقد كان يدرك أن تصوير الحياة على أنها لا تختلف كثيرًا عن جحيمٍ أرضي لن يكسبه قرّاء أوفياء. فالتشاؤم لا يلقى رواجًا. صحيح أن أصواتًا قاتمة ومتشائمة سبقته، لكنها لم تحظَ يومًا بشعبية طويلة الأمد.
يقول باتر وودز: «بصراحة، الحب بالغ الأهمية. فلسفة شوبنهاور كانت ستغدو أشد قسوة لو لم يؤمن بشكلٍ من أشكال الحب. قد يبدو التشاؤم فلسفة صلبة وعدائية تجاه البشر… لكنه يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع التعاطف. فأن تكون متعاطفًا مع شخص ما يعني أن تؤمن بواقعية معاناته، وأن تأخذ هذه المعاناة على محمل الجد. إن التعامل الجاد مع آلام الآخرين والاستجابة لها بالمحبة والشفقة – تلك هي لبّ المسألة».
كان شوبنهاور يرى أن الشفقة هي جذر الأخلاق. ولا يمكننا أن نتعاطف مع الآخرين إلا إذا أدركنا أمرين: أولًا، أن الجميع يعانون. وثانيًا، أن هذه المعاناة حقيقية وجدية. فقط حين نقبل بهاتين الحقيقتين التشاؤميتين يمكننا أن نكون حاضرين فعلًا من أجل الآخرين.
…مع جميع الكائنات الحية
التشاؤم لا يميّز ولا يستثني. فالمعاناة بلا حدود. عند شوبنهاور، العيش يعني المعاناة، وبالطبع فإن البشر ليسوا وحدهم من يعيشون. وكما يعبّر باتر وودز: «كل ما يشعر – بحسب شوبنهاور – هو ما يعاني، وكل ما يعاني هو موضوع ملائم للتعاطف».
كان شوبنهاور «يبغض القسوة على الحيوانات بشدة»، وقد استلهم «الروّاد الأوائل لحركة الرفق بالحيوان أفكارهم مباشرة من شوبنهاور». فإذا سلّمنا بأن كل كائن حي يعاني، وأن أصل الأخلاق هو التعاطف في مواجهة المعاناة، فلا معنى للتوقف عن إظهار الشفقة حيثما استمرت المعاناة.
هذه ليست حجة بيولوجية، ولا تقوم على تحليل الجهاز العصبي للأخطبوط أو الجدل حول درجات الإحساس في عالم الحيوان. إنها حجة فلسفية خالصة. فهي ترى أن المعاناة هي التعبير المباشر عمّا يسميه شوبنهاور «الإرادة» – قوة عمياء لا تهدأ، تدفع جميع الكائنات الحية إلى الرغبة والسعي، ومن ثم إلى المعاناة حتمًا. حيثما وُجدت الإرادة، وُجدت المعاناة.
ويضيف باتر وودز: «عند شوبنهاور، كل ما يعاني هو موضوع جدير بالتعاطف، سواء كان ذلك تعاطفًا كافًّا عن التدخل – كترك الأشخاص أو الأشياء يعيشون على نحوهم – أو لطفًا فعليًا، بأن تبذل جهدًا لتخفيف هذه المعاناة».
وستقدّر الفن على نحوٍ أعمق
إذا كان التشاؤم يعني أن نظهر التعاطف مع أنفسنا، ومع البشر الآخرين، ومع جميع الكائنات الحية، فكيف يمكن للشفقة أن تخفف المعاناة، ولو لفترة وجيزة، مؤقتة، وعديمة الأهمية وجوديًا؟
جانب كبير من تخفيف المعاناة يتحقق بنيل ما نرغب فيه. نعاني حين نعطش، ويزول العطش حين نشرب. نعاني من الوحدة، ونشعر بتحسن حين نجد صديقًا. لكن شوبنهاور – وربما بتأثير من المدّ القوي للفلسفات الهندية في عصره – رأى أن هذه لعبة عقيمة. فالدورة اللامتناهية من الرغبة والإشباع لا تمنح إلا انفراجًا عابرًا، ولا تقدم شيئًا أعمق من ذلك.
بالنسبة إلى شوبنهاور، وهو ليس بوذيًا، فإن السبيل الوحيد لتخفيف المعاناة على نحوٍ ذي معنى هو أن تفقد نفسك في التجربة الجمالية: أن تنغمس في نشوة الرقص، أو تغوص في عالم أدبي، أو ترشّ الألوان في حالة من التلاشي الخالي من الأنا.
يقول باتر وودز: «حظي شوبنهاور بتقدير كبير لدى الفنانين بعد وفاته، لا سيما لأنه رأى أن التجربة الجمالية، والجمال الطبيعي والفني، تمثل شكلًا مؤقتًا من التحرر من إرادة الحياة. العثور على واحة من السكينة والهدوء داخل الفنون أمر يمكن للناس تطبيقه فعليًا. وحتى لو كانت «الفنون» حكرًا على فئة معينة، فهي على أي حال أقل انغلاقًا من أن تهجر كل شيء لتلتحق بدير وتصبح راهبًا بوذيًا، أو ما شابه».
الحياة معاناة، وهذه عبارة متشائمة بلا شك. لكن التشاؤم هو أيضًا أقوى دافع للفعل. فكل الكائنات الحية تعاني، وكلها تسعى إلى تخفيف المعاناة. ويمكننا أن نفعل ذلك بثلاث طرق: بإظهار التعاطف مع البشر، وبإظهار التعاطف مع جميع الكائنات الحية، وبالانغماس في الفنون.
عدد التحميلات: 0



