
عن العملاق الياباني هاروكي موراكامي، مجددًا!
وجدت أحدهم كان قد قام بزجّ رواية للكاتب الياباني الأشهر هاروكي موراكامي بين كوكبة لامعة من نجوم الأدب العالمي، مثل ذهب مع الريح، الإخوة كارامازوف، والعمى لجوزيه ساراماغو الرواية التي جمعت بين الحداثة والقدم والأدب والحكمة في آن، استغربتُ كثيرًا وجود اسم مواراكامي في ذيل القائمة التي كنتُ حتى قبلها أزداد بها إعجابًا.
لا تُسئ فهمي! ماراكومي كاتبٌ فذّ، أديب كما ينبغي بحق للأدباء أن يكونوا، لكني لا ولن أعتبر رواياته أدبًا عالميًا قط، حيث تبدو دائمًا موجهة لفئة عمرية محددة، وكما صرت لا أطيق صبرًا على كتب الجريمة والأشباح والبيوت المرعبة والجثة المجهولة كما أعتقد عن يقين أنني سأصل في وقت إلى مرحلة مقتٍ وملل تجاه روايات الأديب الياباني المخضرم.
إن أكثر ما يشي ببراعة موراكامي في رواياته هي الحياة اليابانية الخالصة التي يضعك في قلبها، تشهد أحداثًا جامعية وشبابية ناضجة بمجرد أن تغرق في إحدى رواياته، مقدرة عجيبة على إحالة اليوميات الروتينية العادية إلى وليمة أدبية فاخرة، ما ينقصه؟ قصة محبوكة لها أذرع وسيقان ورأس وجذع! يا صديقي أنا أعيش لأجل القصة، وحينما أنتوي أن أنفق أيامًا من عمري بين جدران رواية ما فلأجل القصة والقصة وحدها أفعل هذا، الشخصيات لابد وأن تعجبني، تنفرني فورًا الحكايات التي يكون بطلها مجرمًا أو منحرفًا ما أو مريضًا خوارقيًا، وموراكامي للحق بارعًا في إيقاعك في حب أبطاله، دائمًا البطل الشاب المتواضع العاشق للأدب المتجول في الحياة والواقع في حب فتاة ما لا تلتفت إليه، مزيج إنساني يصعب مقاومته، لكنني وبعد صفحات طوال من التخبط والتيه لا أصل إلى نهاية وأعود فلا أذكر شيئًا عن البداية، وهكذا كل ما أخرج منه هو استمتاع نقي بالحياة في شوارع طوكيو وبين جنبات أعرق الجامعات اليابانية.
أين موراكامي بجوار مرتفعات ويذرنغ، أو رت بتلر مارغريت؟ أو أبطال جوزيه الذين عَميوا وما عرفنا لهم اسمًا ولا عنوانًا فقط حكايتهم هي ما رأينا، لا، لن أستطيع أن أصفّ اسم مواراكامي بجوار عمالقة الأدب العالمي الذين أعشقهم.
وبرغم ذلك، عاجزة أنا تمامًا أمام أبواب موراكامي شاهقة الارتفاع، وحينما أفتح إحدى رواياته أرحب بسعة صدر بذراعيه العملاقتين اللتين تسحبانني وترميانني في بحر عميق آخر من بحوره التي لا قرار لها، تُسلب إرادتي وتتهاوى كلها انتقاداتي التي لا أذكرها إلا وأنا أقلب الصفحة الأخيرة من روايته.
بالنسبة لموراكامي لابد للبطل أن يكون عاشقًا للكتب، وحب المؤلفين ورواياتهم هو الرابط الذي يستخدمه غالبًا للجمع بين بطليْ رواياته، في جعبته أسماء لا حصر لها.
سبوتنيك الحبيبة هي روايته التي وقعتْ منذ أيام بين يدي وسرعان ما ابتلعتني صفحاتها، كنت أقول طوال قراءتي للرواية «هذه رواية قرأتها، أعلم أني قرأتها» ثم أمضي في أحداث الرواية فلا أتذكر منها شيئًا، بقيت على هذا الحال حتى وصلت لمقطع أكد لي يقيني السابق، وعدت لمقال قديم تحدثت فيه عن مواراكامي لأجد المقطع ذاته مقتبسًا فيه، هكذا لا أكاد أستطيع التفرقة بين رواية وأخرى من أعمال العملاق الياباني! وغالبًا هي رواية لم أكملها، هكذا تطايرت كالدخان من ذاكرتي.
البطل هنا ككل أبطال موراكامي إنسان للغاية، عطوف محب مجتهد متواضع ينظر لحقائق الحياة من نافذة بعيدة دون أن يحاول
التدخل، تسّاقط حوله الأيام بنعومةِ ندف الثلج الأبيض، يعرف ما يحب ويعرف ما يكره ولا يحاول تغيير أيهما أو الحول دون كراهية أو محبة بعينها، هكذا يتخرج وتحركه الصدف وحدها ليتخذ طريق التدريس ويكتشف دون كثير من المفاجأة أو السعادة أنه يحب هذه المهنة ويستمتع باكتشاف العالم من خلال عقول تلامذته الصغيرة النضرة، لاحظتُ أن أغلب الروائيين يحبون مهنة التدريس ولو لم يخدمهم الحظ في طريق التأليف والرواية لسلكوا غالبًا خط التدريس، ستيفين كينج كان معظم أبطاله مدرسو للأدب الإنجليزي، كررها كثيرًا جدًا حتى تساءلت إن كان قد تمنى يومًا أن يكون هذا الشخص، البطل والذي لسبب ما لا نعرف اسمه بتواضعه ومحبته وعشقه للأدب لابد وأن تقع أنت كذلك في حبه.
سوماير هي من يحبها البطل، سوماير تعني البنفسج، فتاة ضئيلة الحجم ترتدي نظارة دون أن تحتاجها، متخبطة على الدوام، لا تدري شيئًا عن النظام أو الطهو أو أنواع البراندات النسائية، سوماير تتنفس الأدب والرواية، وتحلم أن تصير روائية ذات يوم، لا هي لا تحلم بل مصممة، خطة لا يمكن أن تحيد عنها، خط رسمته لنفسها بدقة، ولا شيء، لا ظروف قد تدفعها إلى محوه، سوماير لا تحب البطل، غالبًا أدركت ما يجول في صدره، ولا تفكر ولا تتخيل أن تبتعد عنه لحظة، يلتقيان طوال الوقت، يتحدثان في كل الأشياء الممتدة تحت أديم السماء «لا أخال عاشقين بل أي شخصين على الإطلاق قد تبادلا حديثًا بهذا الارتياح والانفتاح مثلنا»، تتصل به في منتصف الليل قبيل الفجر، تقابله في المقاهي الربيعية على رائحة القهوة وأنغام موسيقية بعيدة، لكنها لا تستطيع الوقوع في عشقه.
دائمًا دائمًا هناك امرأة بعيدة المنال عند موراكامي، إما لكونها ميتة، أو مفقودة، أو لا تكنّ للبطل حبًا، أو أنها محجوزة في مصحة نفسية تقع على بعد آلاف الأميال!
وكالعادة ما أوصلتني الرواية إلى شيء، إلى ساحل ما، شاطئ بعيد منسي، صخرة صلبة وسط كل هذا الفراغ، كل هذا التيه، كل هذا الموج الصاخب المتلاطم المزدحم.
تتركني الرواية مخلفة في إثرها رائحة عذبة مرة، إحساس غامر بالوحدة والتلاشي والذوبان ببطء في عتمة العالم، أتخيل بطلها وحيدًا منسيًا، ليس من يد واحدة تُمدّ إليه، ليس من حضن إنسي يستكين إليه، ليس من كتف عابر يدعم ضعفه، لقد ذابت سوماير كالدخان، ومعها ذابت كل الأشياء التي علهي على نحوٍ من الجمال والمعنى!
كنت قد قررت ألا أقرأ مجددًا لهاروكي موراكامي، ما أغناني عن هذا التوهان اللذيذ، ما يجذبني لهكذا وحدة وهكذا حزن عميق طاغ، ما يدفعني للإغراق في قصة جديدة ودنيا أخرى من الأحلام الممزوجة بالواقع، موراكامي يكاد يدفعك للجنون، يخلط لك الحياة التي تلمسها بالحيوات الأخرى المخفية عنك والتي لا تستطيع إليها وصولًا، ويجعلك تتساءل أيها حقيقي، أيها من أعيشه أيها ما يدور في فلك أيامي؟!
قررت ألا أتيه مجددًا وألا أسمح له بسحبي إلى بحاره موغلة العمق مجددًا، غير أنني ما وجدتني وقد أغلقت رواية سبوتنيك الحبيبة إلا وأنا أشرع في قراءة ثلاثيته الضخمة 1Q84!
في كل روايات موراكامي يبدو غير مكترث بالخاتمة، لا تهمه النهايات ولا إلى أين سيصير مصير شخصياته التي خلقها بيديه! تبدو القراءة له وكأنها دعوة شخصية منه إليك لتشاركه رحلة، هذه الرحلة هدفها الأول والوحيد هو الاستمتاع بتفاصيلها، والاستغراق التام بأحداثها الجارية على مهل ودون تسرع، وجبة في غاية اللذة تتذوق كل بصمة منها بتأني وصبر، هكذا هي الرحلة معه أيضًا، لا حاجة لك للتفكير في الوصول يا صديقي! أغمض عينيك أرسل أذناك تصغيان، استرخي تنفس بعمق خذ كل شهيق بمنتهى الهدوء، تذوق تلذذ أنصت استمتع! لهذا حين تقرأ له لا تتعجل الخاتمة فلن يكون فيها غالبًا ما يفيد، ليست الجريمة بصدد انكشاف غموضها، ليست لغزًا تنتظر مغاليق مفاتحه أن تُفتح، ليست قصة بين دفتي كتاب شارعة صفحاته في التقلص فالنفاد، كلا يا صديقي هي فقط رحلة عذبة والاستغراق في عذوبتها هو عمل موراكامي معك!
لا يعجبني هذا، فأنا أحيا لأجل القصة ولا أقرأ إلا لأصل إليها، لا يعجبني لكن اختلاف ذوقينا لا يكفي لانتشالي من تعويذة السحر التي يرميني بها مواراكامي، لا شيء يمكنه انتشالي من الغرق فور أن يلقيني هذا الكاتب الياباني بعيدًا في أغوار كتاب له.
لا أستطع بأي حال من الأحوال أن أنكر عبقرية مواراكامي في مزج خليط القصص معًا، في عقد الطرق التي تتلاقى عندها شخصياته بمهارة فائقة وإحكام جديلة مدرسية جميلة كل خصلة منها في مكانها المناسب تمامًا! تقرأ قصتين لا علاقة لأحدهما بالأخرى، لكلٍ منهما مَجرى نهري خاص بها، وفجأة ببضعة أسطر، بكلمات معدودة تكتشف نقطة التلاقي، وتدرك أنك كنت مخدوعًا طوال الوقت وأن هذين البطلين محتم عليهما التلاقي، وينبض قلبك بقوة في تجويف صدرك بالرغم منك، فهذه النقطة، هذه الفجوة لم يُسمح لك بالاطلاع عليها إلا وقد تعلقت بكل قوة بهذين الشخصيتين، الآن أنت معهما، الآن يقلقك مصيرهما، الآن تهتم الآن تنحبس أنفاسك، الآن تُأخذ وتُسحب وتتلاشى بالكلية في أدغال قصته الشائكة، تمتزج باللحاء الأخضر وبقع الغابة السرمدية الطحلبية، وتنسى أنك أنت أنت! وتنسى العالم الذي يدور من حولك وتعمى عن النافذة المشمسة دونك عيناك، الآن كل شيء أسير، رهين خطوط الحكاية التي رسمها هاروكي موراكامي.
لابد من السحر لابد من الخيال لابد من لمسة خفيفة من أزمنة عابرة ووجود قديم وأشكال مغايرة من الحياة، إنها فانتازيا لكن لفرط واقعيتها في قصص موراكامي لا تكاد تفصلها عن الحقيقة، وكأن الجسدين دُمغا معًا، لحم واحد وجلد واحد، أيّ محاولة لانتزاعمها عن بعضهما لابد أن يعقبها الألم ويتخللها الكثير من الدماء النازفة الطازجة والحية.
في النهاية إذا كان لي أن أبدي رأيًا في هذه الروايات الطويلة الثلاث التي تكاد معًا أن تناهز الألفي صفحة، فهو هذا الرأي شديد البساطة: لا تقرأ 1Q84!
قد تكون هذه المرة الأولى لي على الإطلاق التي أوجه فيها مثل هذه النصيحة، فهما كان انطباعي الذي يتشكل إثر قراءتي لأي رواية ما كان قطعًا لمثل ذاك الرأي أن يتكون عندي! دائمًا أخرج شديدة التأثر من أبواب العالم الذي نسجه الكاتب، ودائمًا هناك مقادير متفاوتة تترك رائحتها عالقة بي بعد مغادرتي، وتظل أصداء مشاعرًا بعيدة تنتابني لفترة طويلة بعدها، هل حدث خلاف هذا هنا؟! لا، قطعًا! على العكس فإن السحر والفانتازيا اللتين أغرقني فيهما موراكامي لا تزالان عالقتان بي كهالة شفافة رقيقة تغلف روحي وتأبى مفارقتي، لكنني ولأول مرة أود أن أنسى!
قد تكون قصة الحب الرقيقة في الرواية هي أكثر ما أفعم شغاف قلبي، الشوق إلى التلاقي، الحنين إلى إنسان واحد في كل هذه الحياة الواسعة، شخص واحد بوسعه منحك هذا الدفء هذا القرب هذه اللذة هذا الوجود الواعي المتعقل في العالم، هكذا بحث بطلا القصة طوال الصفحات الألفية عن بعضهما البعض، لكن طول الرواية الخرافي لا يعزو بأي شكل إلى كثرة الأحداث بل فقط إلى دقة التفاصيل، وهذه التفاصيل هي ما يبرع موراكامي دائمًا في سرده، والميزة التي تُنكه بها رواياته، بصمته الخاصة في عالم الأدب والعنصر التي لطالما جذبني إلى مداد قلمه.
ما لم يعجبني هو الانغماس المتناهي في عالم الألغاز والسحر، لم يعجبني الدمج شبه المتكامل بين الحقيقة والخيال هنا، لكن الشيء الذي نفرني بشده هي ما قد ترمز إليه بإيماءة بعيدة وقائع القصة! في الحياة الحقيقية هناك خير محض وشر محض، لا طريق أوسط بينهما ولا سبيل لأن يتمخض عن الواحد منهما معنى الآخر، لكن في عالم موراكامي الذي كان شبيهًا جدًا بعالمنا أجهض هذه الحقيقة البسيطة من دلالتها، وجعل أعمالًا في غاية الشر تبدو وكأن لها ما يبررها، وهكذا كان الرجال الأشرار الذين حمّلهم هذي الخطايا ليسوا بأشرار قط في واقعه المشوه، لا، ففي النهاية يتضح أن أفعالهم لها ما يبررها وأنهم ما كانوا قط مدفوعين بنزوة من غضب أو شهوة، هذا التبرير – حتى وإن كان خياليًا – أغضبني بشدة! لا أدري هناك نقاط تنفرني قد يصعب على شرحها هنا، لكنني حين أوجّه نصيحتي التي وجّهت فإني لا أوجهها إلا عن صدق وإخلاص شديد! اللا أخلاقية التي تعتري القصة لا تستحق في مقابل هشاشة هذا العالم اللامادي الذي خلقه موراكامي أن تخوض في وحلها لأجله! هكذا الأمر ببساطة.
الخلاصة أن القصة أشعرتني بمزيد عظيم من الفضول نحو شخص هاروكي موراكامي لكنها وفي الوقت ذاته قوّضت محبتي له بطريقة يستحيل على التعبير عنها، أحب هذا الروائي، لكني قطعًا لا أحب هذا الرجل.
عدد التحميلات: 0



