العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

عدنان ولينا: صورة المخلّص في المخيال العربي وذاكرة جماعية للنجاة

مقدمة

تُعدُّ صورة «المخلِّص» (Messiah Figure) واحدة من أقدم وأعمق الصور الرمزية التي ظهرت في مختلف الثقافات والأديان، وتكرَّست في النصوص المقدَّسة والتراث الشعبي والحكايات الأسطورية. إذ يكاد لا يخلو مجتمعٌ بشري من سردية تُبشِّر بقدوم شخصيةٍ تمتلك قدراتٍ أو سماتٍ استثنائيةٍ، تضطلع بمهمة إنقاذ العالم من مأزقٍ مروِّعٍ أو إعادة ترتيب الواقع البشري على أسسٍ من العدل والحرية. وتتنوع هذه الصورة وتتشكل بحسب العقيدة أو البيئة الاجتماعية، إلا أنها – في العمق – تُجسِّد توق الإنسان إلى “منقذٍ” يسمو على العادي، ويستطيع قلب الواقع لصالح الخير العام.

في العصر الحديث، وعلى الرغم من التقدّم العلمي والمعرفي، ما زالت سرديات «المخلِّص» تحتفظ بقوة حضورها، بل وتتسلل إلى الفنون الحديثة، بما فيها الرواية والسينما وأعمال الرسوم المتحركة (الأنيميشن). ويعدُّ مسلسل الرسوم المتحركة الشهير «عدنان ولينا» (وهو النسخة العربية المقتبسة من الأنيمي الياباني Future Boy Conan، إنتاج عام 1978م، من إخراج هاياو ميازاكي وفريق عمله في استوديو «نيبون أنيميشن») مثالًا حيًّا على تجلِّي هذه الصورة. فقد نُقل المسلسل إلى الجمهور العربي في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، حاصدًا شعبيةً واسعةً ومستدامة؛ إذ أصبح حاضرًا في ذاكرة أجيالٍ تعاقبت على مشاهدته.

يرتكز هذا المسلسل على رواية The Incredible Tide (المدّ المذهل) للكاتب الأمريكي ألكسندر كي (Alexander Key)، التي تتناول عالمًا ما بعد كارثةٍ بيئية وعسكرية كادت تفني معظم البشرية. في هذا العالم الطوباوي السلبي (Dystopia)، يبرز «عدنان» بوصفه شخصيةً مركزيةً يتعاظم دورها شيئًا فشيئًا لتتحوَّل إلى ما يشبه «المنقذ» أو «المخلّص» الذي يُعيد ضبط المسار، ويمنع وقوع الدمار الكامل، ويجمع شمل الناجين. من هنا، يتجلّى سؤالٌ مهمٌّ: هل تتطابق شخصية عدنان مع نماذج المخلِّص المألوفة في الأديان والثقافات المختلفة؟ وهل يمكن اعتبار عدنان رمزًا لعقيدة «الخلاص» بالمفهوم الإنساني الشامل، أم أنّه محض شخصيةٍ دراميةٍ شبابيّةٍ لا تلتحق مباشرةً بركب التراث الديني والأسطوري للمخلِّصين؟

يهدف هذا المقال إلى تقديم دراسةٍ معمّقة تتقصّى صورة المخلِّص في شخصية عدنان، منطلقةً من ملامحها الدرامية والفكرية. وسنسعى إلى توسيع دائرة المقارنة عبر الإشارة إلى شخصيات مخلِّصة أخرى في التاريخ والأسطورة، كالمسيح في الفكر المسيحي، والإمام المهدي في التراث الإسلامي، وبروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية، ومايتريا في البوذية، فضلًا عن الإشارة إلى نماذج أخرى فرعية تُغني فهمنا لحضور فكرة «الخلاص» وتنوّع تجلياتها في وجدان البشرية. كما سنقف على أمثلةٍ أكثر تفصيلًا تشرح بدقةٍ أكبر كيف تتجذَّر فكرة «البطل المنقذ» في النصوص المقدسة أو الحكايات الشعبية لدى مختلف الشعوب.

وبهذا، يضيء البحث على مستوىً أشمل من مجرّد «تحليل لشخصية عدنان»، إذ يتناول «الرمز» وقدرته على التكيف مع الزمن والبيئات الثقافية المختلفة، وكيف يستطيع عمل أنيمي موجَّهًا للأطفال – في الأساس – أن يجسِّد عمق الرمز الأسطوري والديني على حدٍّ سواء، وأن يجذب اهتمام ملايين المشاهدين في شتى أنحاء العالم.

خلفية تاريخية وثقافية لمسلسل «عدنان ولينا»

  1. نشأة العمل في اليابان وظروف إنتاجه

أُنتِج مسلسل Future Boy Conan عام 1978م من قِبَل استوديو نيبون أنيميشن. (Nippon Animation) ويُعزى جزءٌ كبيرٌ من نجاح العمل وتأثيره إلى المشاركة الإخراجية والفنية لهاياو ميازاكي (Hayao Miyazaki)، الذي أصبح لاحقًا من أشهر مخرجي الأنيمي على مستوى العالم، واشتهر بأعمال مثل My Neighbor Totoro وSpirited Away. وجاء هذا المسلسل في سياق طفرة الإنتاج التلفزيوني الياباني للأنيمي الموجَّه إلى جمهور الأطفال واليافعين بعد حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت اليابان تسعى لبناء هويةٍ فنيةٍ جديدة، تحاكي جمهورها المحلي، وتستهدف في الوقت ذاته أسواقًا عالمية.

تكمن أهمية Future Boy Conan في كونه أحد أوائل الأعمال التي تمحورت حول مستقبلٍ مأساويٍّ للأرض، حدثَ جرّاء حروب طاحنة استخدمت فيها أسلحةٌ متطوّرةٌ (في المسلسل يُشار إلى قنابل الموجات الصوتية)، أدّت إلى تغيير جغرافيا الكوكب، وأغرقت مساحاتٍ شاسعة من اليابسة في البحار. في خضم هذا العالم المزعزع، تنشأ مجموعات بشرية قليلة معزولة على جزرٍ مبعثرة، في محاولةٍ للبقاء على قيد الحياة والتأقلم مع الأوضاع الجديدة.

  1. تعديلات النسخة العربية

عندما دُبلج المسلسل إلى اللغة العربية في مطلع الثمانينيات، خضع لجملةٍ من التعديلات بما يناسب الجمهور العربي. فحُوّلت الأسماء اليابانية إلى أسماءٍ عربية: تحوَّل «كونان» إلى «عدنان»، و«لانا» إلى «لينا»، وهكذا. وقدّمت شركة الدبلجة والمنتجون العرب عملًا متميّزًا من حيث الأداء الصوتي والموسيقى التصويرية والحوارات الموجَّهة. ولا شكَّ في أنّ هذه الدبلجة الموفّقة ساهمت في الارتباط الوجداني للمشاهد العربي بالمسلسل، ما جعله يتحوّل إلى علامةٍ مميزةٍ في تاريخ الرسوم المتحركة على مستوى العالم العربي.

  1. ملخص القصة ودور عدنان

يروي المسلسل حكاية الصبي «عدنان»، الذي يعيش مع جده العجوز وحيدَيْن في جزيرةٍ معزولة بعد الدمار الشامل. تتقاطع طرقهما بالفتاة «لينا» لتي تصل الجزيرة وهي تائهة، هاربة من «القُطاع» (مجموعة شخصيات تمثل قوى تكنولوجية نافذة وصاحبة أطماع في استغلال ما تبقّى من الحضارة). ينطلق عدنان في رحلةٍ حافلةٍ بالمغامرات لإنقاذ لينا أولًا، ثم لاحقًا لإنقاذ العالم من قبضة هذه القوى الشريرة التي تنوي استثمار التقنيات المدمِّرة التي تسببت في الحرب. يتخلل المسلسل الكثير من المواقف البطولية التي يظهر فيها عدنان بقوةٍ بدنيةٍ فائقة، وشجاعةٍ مشهودة، واندفاعٍ فطريٍّ للخير، ما وضعه في موضع «المنقذ» أو «المخلِّص» بالنسبة إلى محيطه الصغير ثم إلى بقية الناجين على الجزر المختلفة.

مفهوم «المخلِّص» في الأديان والثقافات – أمثلة موسَّعة

لا يمكن الحديث عن صورة «عدنان» بصفته مخلّصًا دون الإلمام بالمفاهيم الدينية والثقافية التي صاغت صورة “المنقذ”. أدناه سنستعرض أكثر من نموذج، مع إضافة أمثلة تفصيلية للتوضيح:

  1. المسيحية: المسيح بوصفه المخلّص

يُشكّل يسوع المسيح في العقيدة المسيحية حجر الزاوية لفكرة الخلاص. إذ يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو «ابن الله» الذي جاء إلى العالم ليخلِّص البشرية من الخطيئة الأصلية وينشر المحبة والسلام. وترى النصوص المسيحية أنّ معجزاته وقيامته بعد الصلب هي العلامات الكبرى على صِدْق رسالته السماوية.

  • سمات أساسية: المعجزات كإحياء الموتى، شفاء المرضى، الميلاد العذريّ من مريم، القيامة.
  • الدور الخلاصي: تضحية المسيح بنفسه (بالصلب) فداءً للبشرية، وهي فكرة «الفداء» التي تُعبّر عن نمطٍ عميقٍ من الإيثار.
  • الجانب الرمزي: ضمن الأيقونات المسيحية، كثيرًا ما يُصوَّر المسيح في هيئة الحمل الوديع الذي يضحّي بنفسه، علامةً على افتداء البشر من خطاياهم.

تصلح هذه السمات لتوضيح أنّ المخلِّص عادةً ما يكون شخصيةً غير عاديةٍ من ناحية الولادة والقدرات والشعور بالمسؤولية الشاملة. وإذا ما قارنا ذلك مع عدنان، لا نجد ولادةً إعجازية، لكننا نجد «بروزًا إعجازيًا» لقواه الجسدية وشجاعته في سياق دمارٍ عالمي. يفتقر عدنان أيضًا إلى بُعدٍ دينيٍّ معلنٍ؛ إذ لا يتناول المسلسل معتقداتٍ دينية، لكنه يمتلك «الطهرانية» أو «البراءة» التي يمكن تشبيهها بجانبٍ من نقاء المسيح الأخلاقي.

  1. الإسلام: الإمام المهدي والمفاهيم المهدوية

تتحدث بعض المرويات في التراث الإسلامي – وخاصةً لدى طوائف إسلامية بعينها – عن «المهدي المنتظر»، الذي يظهر في آخر الزمان ليقيم الحق والعدل وينقذ العالم من الظلم والجور. وتعتبر هذه الشخصية مفصليةً في الرؤية الاسكاتولوجية (علم الآخرة) لدى طوائف عدة.

  • سمات أساسية: نسبٌ يعود إلى نسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الظهور في زمنٍ يعمّ فيه الظلم، القدرة على توحيد المسلمين، تطبيق العدل الشامل.
  • الدور الخلاصي: إنهاء الحروب، إقامة مجتمع إنساني أكثر رحمة، توجيه الناس إلى دين الحق.
  • الجانب الرمزي: لا تغيب فكرة «الفتى الشجاع» أو «القائد المنقذ» في أغلب صور المهدي، إذ يجسِّد رجلًا يتمتع بصفاتٍ أخلاقيةٍ استثنائيةٍ، ويدفع البشرية نحو التغيير الجذري.

في مقارنة ذلك بعدنان، قد يُرى الأخير بوصفه «مُصلِحًا» أو «مُنقِذًا”»، يُنهض مجموعةً من البشر في عالمٍ ما بعد الكارثة، ويُعطيهم الأمل من جديد. ومع أنّ فكرة «المهدي» تتجذّر في الإطار الديني، إلا أن عدنان يتحرك في عالمٍ علمانيٍّ متخيل. بيد أن تشاركهما في «انتشال المجتمع من براثن الظلم» يبقى مشتركًا رمزيًا.

  1. التراث اليهودي: مشيح (المسيح اليهودي)

في الديانة اليهودية، هنالك اعتقادٌ بقدوم «المشيح» (Mashiach)، وهو ملكٌ ومصلحٌ من نسل داود يُنتظر ظهوره لتحقيق الخلاص لإسرائيل، وجلب السلام للعالم.

  • سمات أساسية: النسب الداوودي، الحكمة، القُدرة على توحيد شعب إسرائيل، واستعادة «أرض الميعاد».
  • الدور الخلاصي: إعادة بناء الهيكل (بحسب الرؤية اليهودية)، وبدء عصر سلامٍ وأمان للبشرية.
  • الجانب الرمزي: التركيز على العنصر القومي/الديني، إذ يرتبط الخلاص بدائرةٍ ضيقةٍ (بني إسرائيل) ثم يمتد تأثيره لاحقًا للعالم.

على الرغم من أنّ عدنان لا ينتمي إلى أيديولوجيا قومية أو دينية في المسلسل، فإن الرغبة في «توحيد المجموعات البشرية المتناثرة» تشبه جزئيًا ما يفعله القادة المخلصون من توحيدٍ وتجميع لشمل الناس.

  1. الأسطورة الإغريقية: بروميثيوس وسرقة النار

في الأسطورة الإغريقية، يتمثّل بروميثيوس في بطلٍ يقدِّم للبشر «النار» (رمز الحضارة والمعرفة)، ضاربًا بتحذيرات زيوس عُرض الحائط، فيعاقبه زيوس بالقيود والعذاب الأبدي.

  • سمات أساسية: الجرأة، التحدي، الرغبة في خير البشر ضد إرادة الآلهة، تحمُّل الألم المستمر.
  • الدور الخلاصي: إنقاذ البشر من حياة بدائية، ومنحهم أداة التقدم (النار).
  • الجانب الرمزي: التضحية بالنفس لأجل منفعة الجماعة، والتمرد على سلطة عليا.

إذا ما أجرينا مقاربة مع عدنان، نجد أن الأخير ليس ضد سلطة سماوية، بل ضد قوى شريرة (الصناعيين أو «القُطّاع») تستغل التكنولوجيا لتدمير الأرض. ومع ذلك، يشترك عدنان مع بروميثيوس في التضحية بذاته مرارًا، سواءً عند محاولته إنقاذ لينا من الغرق أو مواجهة الخاطفين الذين يُريدون استخدامها. وتتجلى فيه نزعة لتحدي الخطر الذي يعجز عنه بقية الناس، وهي صفة محورية في أسطورة «البطل المنقذ».

  1. البوذية: بوذا المنتظر (مايتريا)

في الفكر البوذي، يُشار إلى “مايتريا” بوصفه البوذا المستقبلي الذي سيظهر عندما ينسى الناس التعاليم البوذية، ليعيد إحياء الدارما (Dharma) ويدعو الناس مجدّدًا إلى الطريق الصحيح.

  • سمات أساسية: النبل الأخلاقي والحكمة الشاملة، الاستنارة الكاملة، القدرة على إنقاذ البشر من الجهل والمعاناة.
  • الدور الخلاصي: إعادة ترتيب العالم الأخلاقي، إرشاد الناس إلى نور الحقيقة.
  • الجانب الرمزي: الأمل المتجدّد في مستقبلٍ أفضل، والنظر إلى الخلاص كعملية داخليّة وعالميّة معًا.

في مسلسل عدنان ولينا، لا نجدُ تركيزًا على «الاستنارة الروحية»، لكن عدنان يمتلك “بصيرةً إنسانية” تتكشّف عبر أفعاله الطبيعية والأخلاقية، ليبدو كأنَّه يوقظ الآخرين من «سكرة الطمع والدمار». إن هذا الإيقاظ الثقافي والأخلاقي قد يتقاطع في العمق مع فكرة مايتريا.

  1. الزرادشتية: سوشيانت (Saoshyant)

في الدين الزرادشتي، يُتحدث عن ظهور «سوشيانت» (أو سوسيانت) الذي يُعيد النور إلى العالم بعد صراعه مع قوى الشر، ويُبيد الظلمة ليقيم ملكوت الخير.

  • سمات أساسية: قائدٌ عادلٌ وحكيم، استمراريةٌ لسلالة زرادشت أو لحكمته.
  • الدور الخلاصي: القضاء على الشر وبلوغ الأبدية السعيدة.
  • الجانب الرمزي: المواجهة الأخيرة بين الخير والشر، والانتقال بالعالم إلى عهد السلام.

ونجد في مسلسل عدنان ولينا سردية “الخلاص” من الشر الذي تُجسّده الشخصيات الطامعة في امتلاك التقنيات المدمّرة، ما يوازي بصورةٍ ما ثنائية الخير والشر المطلقة في بعض الرؤى الزرادشتية. عدنان هنا أشبه بممثّل “الخير” الذي يُحاول إعادة التوازن، بدافعٍ فطريٍّ وليس بقرارٍ مؤسساتيٍ أو دينيٍ.

ملامح شخصية عدنان بوصفه مخلِّصًا

  1. الخلفية الاستثنائية: النشأة في عالمٍ ما بعد الكارثة

يولد عدنان بعد الدمار الكبير الذي ضرب كوكب الأرض، ويترعرع على جزيرة صغيرةٍ معزولةٍ برفقة جدّه. إنَّ هذا الظرف الاستثنائي يشبه كثيرًا نمط شخصيات المخلِّص التي تُولد أو تنشأ في ظروفٍ خارجةٍ عن المألوف، كعيسى الذي وُلد من دون أب، أو موسى الذي وضعته أمه في اليمّ فالتقطه آل فرعون. إنها خلفية «خارج النسق» تهيِّئ لتأسيس بنية درامية تُمهِّد للبطولة.

يعيش عدنان عالمًا قاسيًا وخطِرًا، لكنّه يطوِّر منذ نعومة أظفاره مهاراتٍ جسمانيةٍ مميّزة كالركض السريع والقفز العريض والسباحة لمسافاتٍ طويلة. إنَّ هذه المهارات، وإن بدت مجرد تفاصيل أنيميشنية، إلا أنها تُلاقي فكرة «المواهب» أو «القوى» التي تُوهب للمخلِّص، مهما اختلفت أشكالها (قد تكون معجزاتٍ دينية أو قدراتٍ جسدية خارقة).

  1. القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية

يرتسم عدنان بوصفه شخصيةً شديدة البراءة والنقاء، فهو لا يعرف الغش أو الخداع، ويُقدم على مساعدة الآخرين من دون حسابٍ للمكاسب الشخصية. هذا الاتسام بالأخلاق الرفيعة يعدُّ جوهر نماذج المخلِّص في شتى الثقافات. فهو يخاطر بحياته لإنقاذ لينا في كلّ مرة، ويقف في وجه القُطّاع الذين يريدون توظيفها في خططهم المشبوهة. تشابه هذه المواقف نزوع الأنبياء والمصلحين في الأديان إلى التضحية بسلامهم الذاتي في سبيل إنقاذ الأمة.

يُشكِّل الجانب الإنساني الحميم الذي يبثّه عدنان فيمن حوله ركنًا أساسيًا من كاريزما المخلِّص. فهو لا يُخيف الآخرين بقوته أو يفرض سلطته، بل يجمعهم حوله بالحبّ والثقة. هذا الجانب يستدعي إلى الذهن صورًا متنوعة، مثل المسيح وهو يجمع التلاميذ حوله بالمحبة، أو بوذا في رحمته مع جميع الكائنات الحية، ما يرسِّخ القناعة بأن “قوّة الروح” تلعب دورًا في نجاح مهمة المخلِّص على غرار «قوة البدن».

  1. رحلة المواجهة والتضحية

في الحلقات المتعاقبة من المسلسل، يخوض عدنان سلسلة مواجهاتٍ مع قوات القُطّاع التي يرأسها القائد «علام». يعرّض عدنان نفسه للأسر أو الإصابة غير مرة، ما يعكس «الجانب التضحوي» أو «الجانب الفدائي» في شخصية المخلِّص. ثم تصير مهمّته أوسع من إنقاذ لينا وحدها، إذ يجد نفسه في قلب صراعٍ أشمل لإنقاذ الجزيرة البعيدة (جزيرة الأمل) من سيطرة الأشرار، وصولًا إلى منع تكرار الكارثة السابقة.

إنَّ هذا التسلسل الدرامي يُحاكي ما يُسمّى في دراسات الأسطورة بـ«رحلة البطل» (Monomyth) التي شرحها جوزيف كامبل في كتابه البطل بألف وجه (The Hero with a Thousand Faces). يُبيِّن كامبل أن البطل يسير في مراحل محدّدة: نداء المغامرة، رفض النداء، العبور الأول، الاختبارات، التحدي الأخير، وأخيرًا العودة مع الإكسير أو الخلاص. عدنان يتلقّى «نداء المغامرة» بمجرّد ظهور لينا في حياته، ثم يدخل عالمًا مجهولًا من المخاطر، ويواجه تجارب صعبة، ويتغلب عليها بسلاح الإيمان بالخير، ويعود مكلَّلًا بالنجاح الذي يعني «تحرير العالم» من التهديد الوجودي. تقوم بنية عدنان ولينا على ما يسميه رافاييل باروني «التوتّر السردي(tension» narrative)، أي القدرة على شدّ المتلقي عبر ثلاث آليات أساسية: الفضول، والتشويق، والمفاجأة. فكل حلقة تنتهي بتعليقٍ أو عقدة جديدة، ما يجعل مسار الخلاص مؤجلاً دومًا، ويحوّل المشاهدة إلى فعل انتظار مستمر. هذا التعليق المقصود للإنجاز النهائي هو الذي يمنح القصة طاقتها الدافعة، ويحوّل الحكاية من تسلسل أحداث بسيط إلى تجربة وجدانية يعيشها المشاهد لحظة بلحظة

  1. كسر قيود الظلم وإعادة بناء المجتمع

يشير المسلسل في نهاياته إلى تمهيد عدنان ولينا لإرساء وضعٍ جديدٍ في الجزيرة التي تصبح موطنًا آمنًا للناس، بعيدًا عن جشع القُطّاع. وهذا يذكِّر بفكرة «الدولة أو المدينة الفاضلة» التي قد يُقيمها المخلِّص عقب انتصاره، كما هو الشأن في قصصٍ دينيةٍ عديدة (مثل إعادة بني إسرائيل إلى أرض الميعاد في الفكر اليهودي، أو إقامة العدل في الأرض عند ظهور المهدي، أو بناء مجتمعٍ مؤمنٍ عند عودة المسيح في الرؤية المسيحية الإسكاتولوجية).

من الملاحظ أن عدنان ولينا لا يُصرِّح بتركيبةٍ حكمٍ دينيٍ أو طائفي، بل يروِّج لفكرة العيش المنسجم مع الطبيعة، والإفادة من التكنولوجيا الملتزمة بالأخلاق. هذا المزيج بين اليوتوبيا التقنية والعودة إلى جذورٍ إنسانيةٍ بدائيةٍ يُعبّر عن حُلمٍ بشريٍّ قديمٍ متجدّد، يتمثّل في إعادة الانسجام إلى الوجود الإنساني بعدما كاد الظلم والطغيان يطيحان بالبشرية.

امتدادات دلالية – أمثلة مفصّلة عن صورة المخلِّص في سرديات أخرى من أجل تعميق المقارنة وإغناء الفهم، يمكننا أن ننظر إلى أمثلةٍ إضافيةٍ من التراث العالمي، وكيفية تشابُهها مع أو اختلافها عن قصة عدنان.

  1. الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة

في التراث الإنجليزي، يُعد الملك آرثر بطلًا أسطوريًا جاء في زمنٍ كان البريطونيون في حاجةٍ إلى توحيدٍ وحمايةٍ من غزواتٍ متوالية. ارتبطت القصة بسيف «إكسكاليبر» المسحور الذي لا يستطيع انتشاله من الصخرة إلا الملك الحقيقي.

  • وجه المقارنة مع عدنان:

– امتلاك سيف مسحور بمثابة «أداةٍ جبارة”» يشبه امتلاك عدنان لقوةٍ بدنيةٍ فريدة تُميّزه عن بقية الناس.

– السعي لتوحيد مملكة متفرّقة يشبه جهود عدنان لجمع البشر على جزيرة الأمل.

– في قصة آرثر، يُبنى مجتمع “كاميلوت” كنموذجٍ للمجتمع المثالي، وهو ما يتلاقى مع جهود عدنان لجعل الجزيرة فضاءً جديدًا للعيش المشترك.

  1. جلجامش في الملحمة الرافدينية

في أقدم الملاحم المعروفة (ملحمة جلجامش البابلية)، يظهر جلجامش ملكًا جائرًا في البداية، لكنه ينخرط في رحلةٍ للبحث عن الخلود بعد وفاة صديقه أنكيدو. وعلى الرغم من أنّ جلجامش ليس «مخلِّصًا» بالمعنى الدقيق، إلا أنّه يصبح “حاميًا” لشعبه عندما يعود من رحلته وقد تغيّر وعيه.

  • وجه المقارنة مع عدنان:

– كلاهما يخوض رحلةً عبر أماكن مختلفة، ويواجِه مخاطر الطبيعة والبشر.

– تتحوّل شخصية جلجامش من طاغيةٍ إلى قائدٍ أكثر حكمة، فيما يظل عدنان منذ البداية شابًا بسيطًا، لكن الرحلة تشحنه بنضجٍ متزايدٍ يستعمله في الإنقاذ.

– مثّل جلجامش أملًا لشعبه بعد رجوعه، شبيهًا بعدنان الذي يجلب الأمان والاستقرار لأهل الجزيرة.

  1. إيتي مانانغا في الأساطير الأفريقية

في بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، توجد قصصٌ عن «إيتي مانانغا» البطل الذي أنقذ قومه من المجاعة بفضل شجاعته ومهارته في الصيد، أو في الاستعانة بالأرواح الخيّرة.

  • وجه المقارنة مع عدنان:

– البطل الأفريقي يبدأ طفلًا عادةً، ويُظهر إرادةً غير مسبوقةٍ في مجتمعه.

– يُنقذ قومه من هول المجاعة أو الكوارث الطبيعية، كما ينقذ عدنان أصدقاءه من براثن الاستعباد أو الدمار.

– يستند إيتي مانانغا إلى ارتباط روحي بالأرواح عند حاجته للمساعدة، بينما يعتمد عدنان على قدراته الفطرية وعلاقاته الإنسانية، وإن اتفقت النتيجتان في تحقيق النجاة للمجتمع.

هذه الأمثلة الثلاثة تُبرز أنّ صورة «المخلِّص» أو «المنقذ» تخذ تجليات متنوّعة للغاية، لكنها تتشابه في الجوهر: شخصٌ يستشعر مسؤوليته تجاه الآخرين، يمتلك قدراتٍ تتجاوز العادي، يمرّ برحلةٍ شاقةٍ من الاختبارات، ويعود ظافرًا ليُعيد النظام أو يوفر الأمن لمجموعته البشرية.

بُعد التأثير الاجتماعي والثقافي لمسلسل «عدنان ولينا» في العالم العربي

  1. الأجواء السياسية والثقافية في الثمانينيات

عندما عُرض المسلسل في مطلع الثمانينيات، كانت المنطقة العربية تشهد تحوّلاتٍ كبرى، وصراعاتٍ إقليمية، وأجواءً من عدم الاستقرار السياسي. وقد تزامنت هذه الفترة مع تنامي الحركات التحررية في بعض البلدان، وتصاعد تياراتٍ فكريّةٍ ودينيةٍ في بلدانٍ أخرى. جاء “عدنان” في تلك المرحلة حاملًا قيمًا إيجابية: إنقاذ الآخرين دون انتظار مقابل، التأكيد على السلام والتضامن، الوقوف في وجه قوى الاستبداد أو الطغيان ممثلةً بشخصية «علام» جيشه. وجد المشاهد العربي ما يروق له في هذه القصة: فتى صغير السن، بسيط، يستطيع بفضل شجاعته وقلبه النقي أن يهزم قوى أكبر وأشدّ تسلّحًا.

  1. تمثّلات الطفل العربي لفكرة «البطل المنقذ»

لعب عدنان ولينا دورًا محوريًا في تشكيل نماذج البطولة لدى شريحة كبيرة من الأطفال العرب. فقد قدّم عدنان شخصيةً يمكن للطفل أن يتماهى معها، ويقلّدها في بعض السلوكات الإيجابية كالجرأة، والصدق، والرغبة في مساعدة الضعفاء. ومما زاد الانبهار تشابه البيئة الجغرافية (الجزر الخضراء، البحار، بقايا المدن المدمرة) مع أفكارٍ قد تُحاكي مخاوف الناس من «الحرب» أو الدمار الشامل” في العالم الحقيقي.

يُذكر أن كثيرًا من الأطفال في تلك الفترة كانوا يلاعبون أقرانهم متقمّصين دور «عدنان» الذي ينقذ “لينا” من مخالب الأشرار، وهي سمةٌ عامّةٌ في ممارسة لعب الدور (Role Play) لدى الصغار. وهكذا ترسّخت ضمنيًا فكرة «منقِذٍ بشريٍّ» ملؤه الطيبة والجرأة في اللاوعي الجمعي للأطفال آنذاك. يقتصر حضور عدنان ولينا على كونه عملاً تخييليًا موجّهًا للأطفال، بل يتجاوزه ليؤسس ما يمكن تسميته بـ«العقد التذاكُري» (pacte mémoriel)، وفق امتداد مفهوم فيليب لوجون حول العقد السيري (pacte autobiographique).  فالمسلسل لم يُقدَّم كحكاية شخصية صادقة، بل كتجربة ذاكرية مشتركة، حيث اعترفت أجيال كاملة من المتلقين العرب بكونها جزءًا من هذا الأفق الرمزي. إن الالتزام هنا لا يقوم على التطابق بين المؤلف والشخصية، بل على الوفاء لذاكرة جماعية، تجعل من المسلسل أرشيفًا وجدانيًا للمخيلة العربية في زمن ما بعد الهزائم والحروب.

  1. مدى التناسب بين الشخصية والقيم الدينية السائدة

على الرغم من جذور المسلسل الأجنبية، وجد المجتمع العربي المحافظ (بعمومه) أن عدنان متوافقٌ مع القيم الاجتماعية والأخلاقية التي يُحبَّذ غرسها في الطفل. فهو لا يشرب، ولا يُدخن، ولا ينطق بألفاظٍ سوقية، بل يتصرّف بلطفٍ مع جده ومع لينا وأصدقائه، ويمتثل لدوافعٍ خيّرةٍ واضحة. ما يعني أنّ هذا “المخلِّص” – وإن لم يستند صراحةً إلى خلفيةٍ إسلاميةٍ أو مسيحيةٍ عربيةٍ – إلا أنه انسجم مع المخيال الجمعي للمجتمعات العربية، التي تحتفي دومًا بالمنقذ ذي الخُلق الرفيع والحس الإنساني.

من زاويةٍ أخرى، يمكن للباحث المتعمّق أن يعقد مقارنات بين صفات عدنان وشخصياتٍ تراثية في الحكايات الشعبية العربية، كعنترة بن شداد (في الفروسية والشجاعة والتضحية)، أو أبطال الملاحم الشعبية كأبي زيد الهلالي، لكن مع فارق «الحس العلمي/التقني» المرافق لسياق المستقبل في عدنان ولينا.

  1. استمرارية التأثير حتى الزمن الراهن

لم يفقد مسلسل عدنان ولينا بريقه بالرغم من التطورات الهائلة في عالم الرسوم المتحركة وظهور تقنيات «الأنيميشن ثلاثي الأبعاد» أو منصات البث الرقمي. بل ظلَّ يُعاد بثه على قنوات عربية مختلفة، ويجد جمهورًا جديدًا مع كل إعادة. ويعزى هذا الاستمرار إلى بساطة ورسوخ رمزيته: الحاجة إلى مخلِّص في عالمٍ متأزمٍ. فرُبَّما لا تزال الشعوب – بما في ذلك المجتمع العربي – تعيش هواجس الحروب والأزمات البيئية، فترى في قصة عدنان بوصلةً أخلاقيةً تشير إلى إمكانية الخلاص إن وُجدت الإرادة النقية والروح المتمرِّدة على الظلم.

نحو فهمٍ أعمق للعلاقة بين «عدنان» وسرديات المخلّص

  1. نقاط التشابه الكبرى
  • الظروف الخارقة: كما يبتعد المخلِّص في الأديان عن الولادة الاعتيادية أو البيئة الرتيبة، يجد عدنان نفسه في جزيرةٍ منعزلةٍ بعد كارثةٍ مروّعةٍ، فنشأته بحدّ ذاتها كأنها «قدر» يُجهيه لدورٍ رسالي.
  • القدرة على تجميع الناس: يجتذب عدنان من حوله (لينا، عبسي، الجد، أهل الجزيرة)، ويدفعهم إلى العمل سويًّا ضد قوى الشر. تتشابه هذه القدرة مع قابلية المخلِّص الديني لجذب تلاميذ أو مريدين يؤمنون برسالته الخلاصية.
  • الاندفاع التضحوي: يظهر عدنان باستمرارٍ وهو يعرض حياته للخطر مقابل هدف إنساني عام، مما يوازي – في العمق – فكرة «الفداء» أو «التضحية» لدى المخلِّصين الدينيين.
  1. نقاط الاختلاف الكبرى
  • البُعد الديني الصريح: تتجلى هُوية المخلِّص في الأديان عبر اتصالها بالإرادة الإلهية أو بنبوءةٍ مقدسة. أما عدنان، فيبقى شخصيةً علمانيةً خياليةً من قصّةٍ مستقبليةٍ خاليةٍ من أبعادٍ دينيةٍ رسميةٍ أو مقوّماتٍ إعجازيةٍ مخالفةٍ للمنطق الفيزيائي (رغم قوته الاستثنائية، لكنها تُصوَّر بوصفها مهارة مكتسبة لا معجزة).
  • غاية “الرسالة”: تُظهر الرسالات الدينية أنّ المخلِّص يأتي لإرساء شرعٍ إلهي أو توجيه الأمة إلى طريقٍ ديني. فيما عدنان يُنقذ العالم من أشخاصٍ يستغلون التكنولوجيا المدمّرة، مؤكدًا على «البقاء» و«التعايش السلمي» مع البيئة، وليس على إقامة أحكامٍ دينيةٍ أو طقوسٍ سماوية.
  • الإنهاء النهائي للشر: في الأديان، يُتوقع من المخلِّص إنهاء الشرور على نحوٍ جذري (يوم القيامة مثلًا في العقيدة المسيحية والإسلامية). بينما في عدنان ولينا، يتم إيقاف المخطط التدميري وإنقاذ من يمكن إنقاذه، لكن ليس واضحًا أنّ الشرّ قد انتهى من العالم بشكلٍ كامل. يستمر احتمال نشوب شرورٍ أخرى في المستقبل.
  1. موقع «عدنان» ضمن نظريات النقد الثقافي

تُظهر الدراسات النقدية الثقافية أنّ شعبيّة نموذج البطل المنقذ تزداد في المجتمعات التي تعاني أزمات هويةٍ أو صراعاتٍ داخليةٍ وخارجية. ولعلّ العالم العربي في الثمانينيات والتسعينيات كان مسرحًا لتوترات سياسية وعسكرية واقتصادية، ما جعل صورة «عدنان» أكثر جاذبية وقُربًا لنفسيات الأطفال واليافعين. في ذات الوقت، قد يرى بعض النقاد أنّ هذا «المخلِّص» (عدنان) صنيعةٌ حديثةٌ أسهمت في ترسيخ “الاعتماد على البطل الفرد «بدل بناء ثقافة “العمل الجماعي». ومع ذلك، يظهر في المسلسل أنّ عدنان يتعاون مع آخرين، كعبسي ولينا، في إشارةٍ إلى أن الإنقاذ يتطلّب فعلًا جماعيًا، ولو أنّ شخصية عدنان تظل هي المحرّك الأساسي.

نقد وتقييم أكاديمي لشخصية المخلّص في عدنان ولينا

  1. البُعد الجندري: لمَ البطل الذكر؟

في مجمل الثقافات والأديان، غالبًا ما يأتي المخلِّص في صورة الذكر، وتقلُّ النماذج التي تُصوَّر فيها الأنثى منقذةً للبشرية (مع بعض الاستثناءات في الأساطير الإغريقية أو الكلتية). مسلسل عدنان ولينا لا يخرج عن هذه القاعدة؛ إذ إن البطل المنقذ هو صبيّ، بينما تُجسِّد «لينا» دور «الأنثى المنتظرة للحماية». يمكننا، من منظورٍ نقديٍّ حديثٍ، أن نرى في هذا استمرارًا لبُنى اجتماعية وثقافية ذات نزعة أبوية، تصبغ صورة «الإنقاذ» بالطابع الذكوري. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ «لينا» في المسلسل لها دورٌ إيجابيٌّ في كثيرٍ من المحطات، إذ تمتلك قدرة «التخاطب» و«الاتصال» مع والدها ومع الطبيعة المائية، لكنها تظل أكثر عرضةً للخطر، وتنتظر تدخل عدنان في أوقاتٍ كثيرة.

  1. سؤال الأصول: رواية ألكسندر كي وأبعادها

اقتُبست فكرة المسلسل من رواية The Incredible Tide (1970م) للكاتب الأمريكي ألكسندر كي، التي تطرح مخاوف من سباق التسلح النووي والحروب المدمّرة. وتغوص الرواية بشكلٍ أكثر درامية في وصف الوضع العالمي بعد انهيار الحضارة الإنسانية. ويمكن للباحثين المقارنة بين الرواية وبين المعالجة اليابانية للمحتوى، ثم نقلها إلى النسخة العربية. هل غابت إشاراتٌ أساسيةٌ عن الرواية، تتعلق بنضج شخصية «كونان/عدنان» على المستوى النفسي؟ وهل تضاءل العمق الفلسفي لصالح المغامرات المشوّقة؟ هذه أسئلةٌ تطرح نفسها عند الرغبة في مقاربة الشخصية أكاديميًا بشكل أعمق.

في الرواية، يُركِّز ألكسندر كي على الجانب البيئي والكارثي لتطورات البشرية، متوقعًا انقراض نحو 99% من البشر بسبب الفيضان والحروب. ويحمل البطل هناك شعورًا بالخسارة الفادحة، مما يدفعه إلى سعيٍ إنسانيٍّ لإنقاذ ما تبقّى من بشريّة. تتجلّى هنا «نبوءة» الخلاص بشكلٍ أكثر وضوحًا، ما يقرّب هذه الشخصية من الطابع النبوي/الرسولي لدى المخلِّصين. بينما في الأنيمي، تُعرض الأحداث بشكلٍ سطحيٍّ نسبيًا في بعض الجوانب، مع التركيز على الأكشن والمغامرات والشخصيات الشريرة «الكاريكاتيرية» أكثر من تناول أزمة الوجود.

  1. إشكاليات تفكيك صورة المخلِّص

عند التعامل النقدي مع صورة المخلِّص، تبرز عدة إشكاليات:

  • الاستلاب الجماهيري: هل تؤدي هذه الصورة إلى استلابٍ جماعيٍ ينتظر “بطلاً” يأتي من خارج السياق لينقذ الجميع، بدلًا من التفكير في حلولٍ اجتماعيةٍ شاملةٍ؟
  • التسطيح الدرامي: قد تبتعد الأعمال الموجهة للأطفال عن التعقيدات الفلسفية للعدالة والخطيئة والحرية، مكتفيةً بصراع الخير والشر المباشر.
  • التقاطع مع الدين: هل تساهم شخصية عدنان في إضعاف رمزية المخلِّص الديني لدى الأطفال، أم أنها تكمِّل حاجةً إنسانيةً كامنةً للبحث عن بطل؟ يمكن القول إن المسلسل لا يتعمد الخوض في الدين، لكنّه يلامس بشكلٍ غير مباشر نواة نفسية يشاركها الدين: الرغبة في تحقيق الخلاص.

بالرغم من هذه الإشكاليات، يظلّ المسلسل بما فيه من إيجابيات ودروس أخلاقية أكثر ميلًا إلى دعم الطاقة الإيجابية لدى الأطفال وتنمية إحساسهم بالمسؤولية، خاصةً أنّ عدنان يعتمد كثيرًا على صداقاته وعلى شجاعة رفاقه، وليس على قدراته الفردية وحدها.

خاتمة: نحو وعي أعمق بصور «المخلِّص» في الفنون الحديثة

تتشكّل شخصية «المخلِّص» في الوعي الإنساني بوصفها رمزًا متعدِّد الأبعاد، إذ تمزج بين حاجتنا العميقة إلى الأمل، وبين توقنا إلى العدالة الغائبة أو المستحيلة. وقد أثبت مسلسل «عدنان ولينا» أنّ هذا الرمز يستطيع أن يتخفّى في أعمال أنيمي موجَّهة للأطفال، تتناول مستقبلًا خياليًا ما بعد الدمار الشامل، وتضفي على الشخصية الأساسية صفاتٍ بطوليةً تنسجم مع مُثلٍ أخلاقيةٍ وإنسانيةٍ رفيعة. فعدنان يجسِّد ملامح كثيرةٍ لشخصيات المخلِّص في الأديان والثقافات، من حيث قوته الفذّة وتضحيته واندفاعه الأخلاقي، وإن كان لا يخوض مغامراته تحت رايةٍ دينيةٍ أو لقبٍ نبوي.

على صعيدٍ مقابل، يعكس حضور «عدنان» دلالاتٍ متعددةٍ في السياق العربي المعاصر: استمرار تشوّق المشاهد إلى منقذٍ يضع حدًّا للأزمات، والبحث الدائم عن بطلٍ يمتلك العزيمة والنقاء الكافيين لقيادة الناس نحو مستقبلٍ أفضل. وما كان للعمل أن ينجح ويترسّخ في الذاكرة الجماعية لو لم يحمل بين ثناياه قدرةً رمزيةً عظيمةً على استنطاق حِسِّ البطولة الكامن في نفوس الأطفال والكبار على حدٍّ سواء.

وعلى الرغم من أنّ مسلسل عدنان ولينا يُجسِّد “المخلص العَلماني الذي لا يحمل خطابًا دينيًا مباشرًا، إلا أنّ جاذبيته تنبع من تعبيره عن تلك القاعدة الجمعية المشتركة بين العقائد والمناهج الفكرية: الإنسان، وهو يواجه أعظم المخاطر، يميل إلى التعويل على شخصيةٍ تُشعّ أملاً وبأسًا في آنٍ معًا. وليس هذا بالغريب على تاريخ الإنسانية التي لا تنفك تُخرج لنا في الأساطير والأديان والأدب الشعبي رموزًا تشبه “عدنان”، وتعِدُنا بأنّ الحياة – مهما اشتدّت خطوبها – يمكن أن تنجو وتزدهر إذا صادفت مَن يتجاسر على الظلم ويصون الأمل.

في الختام، يُبرز التحليل الأكاديمي لصورة عدنان في مسلسل «عدنان ولينا» إلى أي مدى يمكن لأعمالٍ موجَّهة ظاهريًا إلى الأطفال أن تحمل عمقًا رمزيًا يتقاطع مع أعرق الرؤى الدينية والأسطورية. إذ قد يبدو عدنان ولينا عملًا “كارتونيًا” بسيطًا، غير أنّه يختزن سرديةً شبه شاملة عن عالمٍ ما بعد انهيار حضاري، وفتًى ينمو ليغدو البطل الذي يعيد بعث تلك الحضارة، جامعًا الناس على قيم التعاون والخير. وتلك باختصارٍ هي روح «المخلِّص»: أن يتجاوز الفرد حدوده وينهض بمسؤوليةٍ تتعدّى شخصه، مشكّلًا قوةً تغييريةً في عالمٍ يرزح تحت وطأة الدمار. ولعلّ نجاح المسلسل في المحافظة على ألقه لعقودٍ دليلٌ على أنّ صورة «المخلِّص» – كيفما تلوّنت وتعاصرت – ستبقى إحدى أهم الشرارات التي تُوقد في النفس البشرية نور الأمل وإرادة البقاء.

بذلك تتضح المكانة المركزية لشخصية عدنان في منظورٍ ثقافيٍ وفلسفيٍ أوسع: فهو ليس مجرد شخصيةٍ كارتونيةٍ تمتلك مواهب رياضية مدهشة، بل مظهرٌ حديثٌ لعقيدة المخلِّص المتجددة باستمرار، إذ تأخذ من الماضي الديني والأسطوري قاعدتها الرمزية، وتصوغها في سياقٍ خيالٍ علميٍ ملائمٍ للعصر. من هنا يمكن القول إن القوة التذكّرية لمسلسل عدنان ولينا تستمدّ أصلها من توتّره السردي ذاته: فالتأجيل الدائم للحلّ والسعي المستمرّ نحو الخلاص لم يتحوّلا إلى تجربة فردية عابرة، بل إلى ذكرى جماعية محفورة في الوعي العربي. بهذا المعنى، تندمج بنية السرد (المبنيّة على التشويق والتأجيل) مع الذاكرة الثقافية (المبنيّة على التشارك الجماعي) لتجعل من العمل أكثر من مجرد أنيمي للأطفال: إنه جزء من عقد تذاكري جماعي يوحّد المخيال العربي حول صورة المخلّص المنتظر.

 

المراجع باللغة العربيّة:

– أبو داود، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. تحقيق عزّت الدعّاس. بيروت: دار الفكر، 1980.

– ابن كثير، إسماعيل. النهاية في الفتن والملاحم. تحقيق محمد السيد رشاد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.

– بدران، محمد عوني. «المسيح المخلص في الأديان والحضارات القديمة: الزرادشتية نموذجًا». مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية، العدد 75، 2022، ص91–100.

– بدوي، عبدالرحمن. مشكلة النبوة في الفلسفة الإسلامية. القاهرة: دار المعارف، 1949.

– العمري، عبدالرحمن سعيد. «عقيدة المخلص المنتظر بين الأديان والفرق: دراسة عقدية مقارنة في ضوء منهج أهل السنة والجماعة.” الجمعية – العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب، جامعة أم القرى، 2025.

– كامبل، جوزيف. البطل بألف وجه. ترجمة سعيد الغانمي. بيروت: المركز القومي للترجمة، 2009.

– كيشيموتو، نبيه. «شخصية البطل في الأنيمي الياباني: قراءة في مستقبل الصبي كونان (عدنان ولينا)». مجلة الدراسات الثقافية، المجلد 25، العدد 2، 2014، ص73–91.

– عمراني، بلخير. «المخلّص في الديانات الوضعية القديمة». مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، جامعة زيان عاشور – الجلفة، 2021.

– مرتضى، محمد محمود. «المُخلِّص في الديانتين اليهودية والمسيحية». مجلة أمم للدراسات الإنسانية والاجتماعية، العدد الرابع، 2024.

– باروني، رافاييل. التوتّر السردي: من القراءة إلى النظرية. ترجمة سعيد الغانمي. بغداد: دار المدى، 2015.

– لوجون، فيليب. العقد السيري. ترجمة عمر حلي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1999

المراجع باللغة الفرنسيّة

-Bottéro, Jean. L’Épopée de Gilgamesh : Le grand homme qui ne voulait pas mourir. Paris : Gallimard, 1992.

– Campbell, Joseph. Le Héros aux mille visages. Traduit de l’anglais par Frédéric de Towarnicki. Arles : Éditions Philippe Picquier, 2010.

– Chouraqui, André. Le Coran : Nouvelle traduction. Paris : Éditions Robert Laffont, 1990.

– Comeau, G. (2012). “L’universalité de Jésus Christ à l’épreuve.” Études. Consulté le [date], à l’adresse : https://shs.cairn.info/revue-etudes-2012-3-page-355.

– Dumont, Pierre. “Conan, le fils du futur : une lecture écologique et humaniste de Miyazaki.” Cahiers du Cinéma d’Animation, vol. 12, 2002, pp. 45–59.

– Enroth, Michel. “La Figure du Messie dans la Tradition Juive.” Revue des Études Juives, vol. 145, no. 2, 1986, pp. 157–178.

– Girard, René. La Violence et le Sacré. Paris : Grasset, 1972.

– Golliez, Francis. “Messianisme et idéologie du salut : l’influence biblique dans la littérature pour la jeunesse.” Revue de Littérature – Comparée, vol. 66, no. 1, 1992, pp. 33–52.

– Heidegger, Martin. “Seul un Dieu peut encore nous sauver.” Transversalités, no. 3, 2014, pp. 151–170.

– La Bible de Jérusalem. Édition intégrale. Paris : Les Éditions du Cerf, 1973.

– Miyazaki, Hayao. L’art de Conan, le fils du futur. Traduit du japonais par Kana Fujita. Tokyo/Paris : Tokuma Shoten / Glénat, 2001.

Lejeune, Philippe. Le Pacte autobiographique. Paris : Éditions du Seuil, 1975.

Baroni, Raphaël. La Tension narrative : suspense, curiosité et surprise. Paris : Éditions du Seuil, 2007.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. عبد الرحمن السريحي

مدرس وباحث يمني في جامعة استراسبورغ - فرنسا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى