«تاريخ الصمت» من عصر النهضة إلى اليوم

نشر بتاريخ: 2016-06-24

فكر – المحرر الثقافي:

 

الكتاب: "تاريخ الصمت"

المؤلف: ألان كوربان

الناشر: ألبين ميشيل

 

بعض البشر يتميّزون بامتلاك ناصية الحديث ويجيدونه، وهذه ليست «ميزة» تتفوّق فيها النساء على الرجال، كما يقال ويتكرر، فالعلوم الطبية تؤكّد أن أدمغة الرجال ليست مختلفة عن أدمغة النساء في نهاية المطاف، لكن آخرين يغريهم أن يمتازوا بأنهم من الصامتين، وهؤلاء يمكن أن يصادفهم المرء في كل مكان..

حيث قد يُمضون وقتاً طويلاً حتى برفقة غيرهم دون أن يتفوّهوا إلا ببضع كلمات، أو ربما قد يلزمون الصمت المطبق.

وإذا كان المؤرّخون عموماً ركّزوا كتاباتهم واهتماماتهم التاريخية للبحث في الجانب المأساوي لما عرفه البشر بسبب المجاعات والكوارث الطبيعية والحروب، فإن المؤرّخ الفرنسي «ألان كوربان» يركّز أعماله التاريخية، التي عرفت الترجمة إلى لغات عالمية عدّة، على التأريخ لانفعالات البشر وعواطفهم..

كما تشير عناوين كتبه التي ليس أقلّها شهرة «أجراس الأرض» الذي كرّسه لدراسة «ثقافة الأرياف» و«العلاقة مع الزمن» عبر وظائف الأجراس الموقوتة.

ويكرّس «ألان كوربان» كتابه الأخير لدراسة «تاريخ الصمت»، كما يقول عنوانه الرئيس، منذ فترة النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر حتى الحقبة الراهنة، كما يدلّ العنوان الفرعي.

إنه ينطلق في تأريخه للصمت من ملاحظة أنه «ليس مجرّد غياب أي ضجيج وتخييم السكينة، وقد نسيه البشر بصورة كاملة تقريباً، كما أن المرجعيات الصوتية فقدت من طبيعتها وضعفت. في المقابل، أصبح الخوف، بل الهلع والرعب، أكثر حضوراً وكثافة في جو الصمت»، كما يكتب.

ويحدد المؤلف القول إن الصمت هو أيضاً، أوّلاً وأساساً، نوع من «السلوك الداخلي» الذي كان قد عرفه العديد من الكتّاب والمفكّرين والعلماء والمبدعين في شتى المشارب، والكثير من النساء والرجال العاديين على مدى القرون التي يحددها المؤلف مجالاً زمنياً لدراسة ظاهرة الصمت خلالها.

ويشير إلى أنه من المثير للاهتمام التأريخ لظاهرة الصمت في هذا السياق الزمني الراهن الذي يعلو فيه الضجيج ويتغلغل، ويحتل كامل المجال الذي نعيش فيه عبر ما تقدّمه الوسائل السمعية البصرية بشتى الطرائق والسبل من صخب وأصوات تقترب في أحيان كثيرة من الضجيج.

ويرى «ألان كوربان» أن الصمت يغدو في مثل هذا الجو «الصاخب» نوعاً من محاولة العودة إلى «الأنا الداخلية» التي قد تسهم في تعزيز شخصيّة الفرد، وهو يجد مرجعيته في ذلك بتجربة طفولته في الأرياف، تلك الطفولة التي يعتبرها نوعاً من «الأرشيف الانفعالي» الذي تتغذّى منه اهتماماته.

إن الخط الناظم الرئيس لتحليلات هذا الكتاب يكّمن بالدرجة الأولى من تأكيد أهمية «إعادة اكتشاف مدرسة الصمت»، ويكرر المؤلف في جميع الشواهد التي يسوقها والمأخوذة من تاريخ القرون الخمسة السابقة نوعاً من الدعوة لممارسة «سلوكيّة التأمّل والعودة إلى الذات».

ويذكر، في هذا السياق، كيف أن «شارل بودلير»، صاحب ديوان «أزهار الشر» الشعري، وربما الأكثر شهرة في التاريخ الأدبي الفرنسي على الأقل، كان يعبّر عن «الفرح العميق الذي كان يبعثه بنفسه أن يعود مساءً إلى غرفته. لقد كان ينجو ــ كما ينقل عنه المؤلف ــ من المأساة الكبرى بألا يكون وحيداً».

وكان الروائي «مارسيل بروست» قد قام بـ«لصق شرائح من مادّة الفلّين» على جدران غرفته للتمتع بـ«الصمت الكامل». أمّا فرانز كافكا، فقد عبّر صراحة عن رغبته في الحصول على «غرفة في فندق تسمح له بالعزلة الكاملة والصمت من أجل الكتابة». والأمثلة التي يسوقها المؤلف عديدة، وكلّها تصبّ في تأكيد أهميّة الصمت «من أجل الإبداع».

والتأكيد بالتوازي مع ذلك أن الصمت بدا في جميع تبدياته من السابق حتى اليوم بمنزلة «الصدى للهدوء» الذي يحتاج إليه البشر اليوم في أجواء الحياة الصاخبة المحيطة في المخازن الكبرى والأصوات العالية المتبادلة في المحادثات الهاتفية وأجهزة التلفزيون لدى الجيران التي يتعالى الضجيج منها، وغير ذلك مما جلبته معها التكنولوجيا على مدى القرون الأخيرة المنصرمة.

ومن الملاحظ أن «ألان كوربان» يعود أيضاً في هذا الكتاب إلى توصيف حياة أولئك «الصامتين» من الفلاسفة والمغامرين الذين يجوبون الفيافي والقفار وحدهم دون أنيس ولا رفيق، وتوصيف أماكن «الصمت» التي عرفوا فيها «لحظات من الصفاء»، وكانوا في جميع الحالات «يصغون عبر الصمت إلى ذواتهم»، ذلك على اعتبار أنه «المكان الذي يتفجّر منه الكلام».

وفي جميع الحالات من أجل «تبيين الأهمية التي كان يكتسيها الصمت في القديم غير البعيد والثروات التي ربما فقدناها بالابتعاد عنه. وأتمنّى أن يقول القارئ لنفسه:

أولئك البشر لم يكونوا مثلنا. واليوم لم يعد هناك سوى محبّي الجولات المنفردة في الطبيعة والرهبان وبعض الكتّاب وهواة التأمّل من بين أولئك الذين لا يزالون ينصتون للصمت»، كما نقرأ.

ومن السمات التي يؤكّدها المؤلف أن مختلف المجتمعات الأوروبية المدروسة أكّدت أهميّة «القيمة التربوية» للصمت، هذا مع تحديد القول إن تلك القيمة تضاءلت كثيراً منذ أواسط القرن العشرين، ذلك مع تعاظم ظواهر الهجرة من الأرياف إلى المدن و«تلاشي عالم الصمت الذي يشجّع عليه العيش في الأرياف»، وفي الوقت نفسه «يشجّع عالم المدن على الضجيج».

ويشرح أنه حتى أواسط القرن العشرين لم تكن توجد في أغلب مناطق الأرياف الأوروبية وعالم الفلاّحين الفقراء أجهزة راديو أو غيرها من وسائل «الرفاهية». باختصار، يصف ذلك العالم الريفي بأنه كان «مغلقاً»، حيث كان لرجال الكنيسة سلطة كبيرة. ما يشير إليه المؤلف أن عالم اليوم مختلف جداً عن ذلك العالم «القديم»..

حيث كان يومها لمعلّم المدرسة «الكرسي» المخصص له للجلوس عليه في كنائس الأرياف.

ونجد أن ألان كوربان يكرّس الكثير من صفحات هذا الكتاب لتوضيح كيف أن الرهبان والمتعبدّين والزاهدين في مختلف الأزمنة عبّروا باستمرار عن أهميّة الصمت، بل ليس قليلاً عدد أولئك الذين عاشوا حياتهم «صامتين». والوصول إلى نتيجة مفادها أنه «حان الوقت ليعرف الإنسان أهميّة الصمت، كي يجد نفسه بصورة أفضل، وأن يحلم». يكتب المؤلف: «في الماضي كان البشر في الغرب يتذوّقون عمق الصمت ونكهاته».


عدد القراء: 2340

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-