كتاب «المئة عام القادمة» لفريدمان صعود قوى وسقوط أخرى

نشر بتاريخ: 2017-09-24

المحرر الثقافي:

 

الكتاب: المئة عام القادمة

المؤلف: جورج فريدمان

الناشر: دوبلداي نيويورك لندن 2009

عدد الصفحات: 253 صفحة

 

كان جورج فريدمان، الكاتب والإعلامي الأمريكي الشهير، قد قدّم في عام 2004 كتابًا حول «الحرب السرية لأمريكا» عالج فيه ما أسماه «الصراع العالمي المخبوء بين أمريكا وأعدائها».

وشرح ما اعتبره الأسباب التي قادت إلى تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن على ضوء العلاقات التي أقامتها الولايات المتحدة مع بلدان الشرق الأوسط. وفي هذا الكتاب «المئة عام القادمة» يقدم جورج فريدمان «توقعاته بالنسبة للقرن الحادي والعشرين». إنه يرى أن بولندا وتركيا والمكسيك سوف تصبح قوى عالمية كبرى جديدة في نهايات هذا القرن. ويشير إلى أنه لا ينبغي القلق من قوة الصين وروسيا ذلك أن هذين البلدين سوف تتضاءل قوتهما في نفس المنظور على غرار المصير الذي كانت قد عرفته الأنظمة الشيوعية السابقة، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.

ولا يتردد فريدمان في القول أن «الحرب» التي خاضتها الولايات المتحدة ضد ما أسمته «الإرهاب الدولي» سوف تكون مجرّد أثر بعد عين، إذ سوف تنمحي من الذاكرة تقريبًا.

إن المؤلف يقدّم «قراءاته» للمئة عام القادمة في 13 فصلاً بالإضافة إلى مقدمة تحمل عنوان: «مقدمة للعصر الأمريكي»

يحمل الفصل الأول عنوان: «فجر العصر الأمريكي» ثم تتوالى الفصول للبحث في «الزلزال: الحرب بين الولايات المتحدة والمتطرفين» ثم «حروب السكان والحواسيب والثقافات» و«الصين عام 2020: نمر من ورق» و«روسيا 2020: الجولة الثانية» و«القوة الأمريكية وأزمات سنوات 2030» و«عوالم جديدة صاعدة» و«سنوات 2040: التمهيد للحرب» و«التحضير للحرب» وسيناريوهات حرب عالمية» و«سنوات 2060: العقد الذهبي» ويحمل الفصل الأخير عنوان: «سنوات 2080: الولايات المتحدة والمكسيك والصراع من أجل الهيمنة العالمية».

وفي هذه الفصول كلها يستخدم المؤلف خبرته الطويلة في تدريس النظريات السياسية وفي تقديم الاستشارات للقوات المسلّحة الأمريكية حول مسائل الأمن القومي، ليقدّم مجموعة من «القراءات» التي تتعارض، إلى هذا الحد أو ذاك، مع مؤشرات الحقبة الحاضرة، مثل اعتباره أن الازدهار الاقتصادي لروسيا والصعود الكبير للصين ليس سوى «مرحلة عابرة» وسيخبو بعدها «بريقهما» الراهن.

ويشابه بين بدايات هذا القرن الحادي والعشرين مع ما كانت قد عرفته بدايات القرن الماضي (العشرين) الذي عرف حربين عالميتين وعشرات الحروب الأخرى.

يقول: «يبدو لي أن العالم الذي نعيش فيه اليوم شبيه بما كان قد عرفته بدايات القرن العشرين». وبالإضافة إلى توقّع «انهيار» الصين وروسيا، ينبئنا جورج فريدمان أن التقهقر الديموغرافي الذي يعرفه العديد من بلدان العالم المتقدمة اليوم، وبالتوازي مع زيادة كبيرة في متوسط عمر الإنسان بحكم ما حققه العلم والتكنولوجيات من تقدّم، سيواجه أولئك الذين وُلدوا ما بين عام 1970 وعام 1990 «فوضى كبيرة على صعيد الضرائب».

ولا يستبعد المؤلف أن تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الدخول في «معركة» من أجل استقدام يد عاملة مطلوبة أكثر فأكثر. هذا إلى جانب التأكيد أنه إذا كان يجري اليوم «طرد» اللاجئين بأعداد كبيرة على الحدود الأمريكية، فإنه اعتبارًا من موعد 20 عامًا منذ الآن سوف سيتم تبنّي سياسة تشجيع المهاجرين، بما في ذلك تقديم الكثير من التسهيلات، مثل تأشيرات الدخول للولايات المتحدة، لكل من يُبدي الرغبة في القدوم إلى بلاد العم سام.

ومنذ البداية يعود المؤلف بقارئه إلى عام 1900 حيث كانت «لندن هي عاصمة العالم» و«أوروبا كانت تعيش بسلام وتنعم بالازدهار». لكن مثل تلك الصورة تغيّرت تمامًا منذ عام 1920 بعد الحرب العالمية الأولى.

حيث كانت القارّة القديمة قد عرفت مقتل الملايين من أبنائها. وكان لا بد من تدخّل الجيش الأمريكي من أجل وضع نهاية للحرب. لكن لم تكن أمريكا سوى عبارة عن «بلد محيطي يدور في تلك القوة الأمريكية».

ونقلة أخرى يقوم بها المؤلف لرسم صورة أوروبا عام 1940 ثم عام 1960 حيث كانت «الولايات المتحدة قد أثبتت نفسها باعتبارها القوة العظمى على الصعيد العالمي».

وآنذاك كانت البدايات الحقيقية لـ«العصر الأمريكي» ليخبو بالمقابل «نجم» أوروبا. وبهذا المعنى كانت الحرب العالمية الثانية هي «المعركة النهائية الحاسمة بالنسبة للعصر القديم»، كما يكتب المؤلف.

أما البداية الفعلية للعصر الأمريكي فيتم تحديدها في شهر ديسمبر- كانون الأول 2001، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لـ«تبقى الولايات المتحدة هي القوة الكونية الوحيدة».

وكانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 هي بمثابة «الزلزال» الذي حاولت أمريكا بعده أن تؤسس لـ«إستراتيجية شاملة» تؤمن سيطرتها على العالم عبر قوة الجيش الأمريكي. وخاصة قوى سلاحه البحري في «فترة ما بعد الصدمة». وجاءت في مثل ذلك السياق «حرب الثقافات».

وإذا كان جورج فرديمان يرى انحسار قوة الصين وروسيا ابتداءً من عام 2020 فإنه يتنبأ لأمريكا بسلسلة من الأزمات اعتبارًا من عقد الثلاثينيات القادم. وهي أزمات يحددها بخمس دورات متعاقبة سيبرز بعدها «عالم جديد». وتأتي جدّته من بروز قوى جديدة يتم تحديدها بتركيا وبولندا.

وعندها سينطرح السؤال التالي: «ماذا سيكون عليه ميزان القوى في علاقات الولايات المتحدة ببقية العالم»؟ كما نقرأ. وعبر محاولة الإجابة عليه يتم القول أن أفق حرب جديدة سيلوح في الأفق على قاعدة تحالفات ستقوم آنذاك وسيكون على الجميع أن يتهيئوا لذلك.

وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يشرح المؤلف كيف أن المكسيك منذ الآن وحتى عام 2080 ستشكل التهديد الأكبر للولايات المتحدة أولاً بسبب قربها الجغرافي وثانيًا بكونها المصدر الأساسي لليد العاملة. والنتيجة هي «مواجهة جديّة بين الولايات المتحدة بين المكسيك التي تتعاظم قوتها ونزعتها التسلطية».

الكتاب ليس جديرًا بالقراءة فحسب، ولكن بالترجمة ووضعه بين يدي أصحاب القرار.


عدد القراء: 3260

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-