«أبيض الجزائر» لآسيا جبار

نشر بتاريخ: 2015-07-07

فكر – الرياض:

ضمن سلسلة كتاب الجيب "بريمينيوم" الفرنسية، صدرت طبعة جديدة من رواية الكاتبة الجزائرية الراحلة آسيا جبار التي حملت عنوان "أبيض الجزائر". والأبيض لا يحيل هنا لا إلى لون البيوت، ولا إلى لون "الحائك" التقليدي الذي تتغطى به النساء الجزائريات، كما لا يوحي لا بـ"الطهارة ولا بالنقاوة ولا بالبراءة" كما عبّر عن ذلك ألبير كامو في "أعراس"، وإنما بالموت والغياب.

ويبدو اللون الأبيض في رواية “أبيض الجزائر”، يحيلنا إلى لون الأكفان التي غطت أجساد الشعراء والكتاب الجزائريين الذين اغتيلوا خلال الفتنة الأصولية في التسعينيات من القرن الماضي، أو ماتوا كمدًا ويأسًا بسبب ما كان يحدث في بلادهم من مجازر فظيعة.

وهو أيضا لون الفجر الذي لطخ بدم الجريمة، ولون المنافي التي فرّ إليها المتعطشون للحرية. وهو أيضًا لون الكتابة التي تقول أوجاع الجزائر ومآسيها.

كانت الراحلة آسيا جبار ترغب في أن تتحدث عن وقائع، وعن أحداث عاشتها مع أصدقاء لها في أزمنة مختلفة. غير أنها وجدت نفسها، مأخوذة برغبة جامحة، في أن تكتب عن “جنازات” جملة من الشعراء والكتاب رجالاً ونساء خلال حقب مختلفة من تاريخ الجزائر المعاصر.

وهكذا راحت تخلط الأمكنة بالأزمنة لتقدم لنا بلغة مشرقة، وبأسلوب جذّاب، شهادة حيّة ومؤثرة عن أوجاع الجزائر في الماضي والحاضر، وعن ثورتها المغدورة، وعن شعبها الذي ضحّى بالغالي والثمين من أجل الكرامة والحرية ليجد نفسه في النهاية ضحية لأشكال جديدة من الاستبداد.

تروي آسيا جبار قصة أربع نساء نالتهن ”لعنة” الجزائر ما بعد الاستقلال. الأولى تدعى أنّا جريكي (ولدت كوليت غريغوار). وهي شاعرة فرنسية شيوعية اعتقلت خلال الثورة بسبب مساندتها لجبهة التحرير، ثم تمّ نفيها إلى تونس، ولم تعد إلى الجزائر إلاّ بعد الاستقلال.

وهناك ظلت تعيش إلى أن توفيت يأسًا وقنوطًا عام 1966. الثانية هي طاووس عمروش، المغنية والشاعرة والروائية القبائلية التي كانت تحمل جراح الجزائر وروحها أينما ولّت وجهها. وقد توفيت بباريس بداء السرطان في ربيع عام 1976، بعيدًا عن وطنها الذي أحبته حتى اللحظة ألأخيرة من حياتها.

أما الثالثة التي ذكرتها جبار فهي زوجة المفكر المرموق فرانز فانون الذي كان من المناصرين الكبار للثورة الجزائرية. وقد ظلت زوجته جوزي تعيش في الجزائر إلى أن انتحرت في عام 1989.عنها كتبت آسيا جبار تقول "حين سقطت من نافذة شقّتها بالطابق الخامس، لم تصب أحدا بأذى. لقد انفجرت وحدها".

وكانت الرابعة التي أصابتها “لعنة” الجزائر طالبة من طالبات آسيا جبار أيام كانت هذه الأخيرة تدرّس في الجامعة الجزائرية. وفي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، تحجبت هذه الطالبة، وأصبحت تمارس فروضها الدينية بصدق وقناعة. ويوما ما كانت في مكتبها وكانت حينئذ مديرة لمدرسة إعدادية، داهمها أربعة رجال في زيّ الشرطة ليزرعوا في جسدها عشرات الرصاصات ثم لاذوا بالفرار. وفي كتابها "أبيض الجزائر"، تروي آسيا جبار بدقة الكاميرا اغتيال الروائي الطاهر جاعوت، والصحافي سعيد مقبل، ويوسف سبتي الذي فاجأه القتلة وهو مستغرق في النوم. وقبل ذلك كان قد كتب يقول "ولدت في الجحيم. عشت في الجحيم . والجحيم ولد في داخلي".


عدد القراء: 3316

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-