التوكيدية Assertivenessالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-11-17 07:28:05

د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

التوكيدية، أو توكيد الذات مهارة سلوكية لفظية وغير لفظية, تتضمن تعبير الإنسان عن مشاعره الإيجابية والسلبية بصورة ملائمة ومقاومة للضغوط التي يمارسها الآخرون، لإجباره على إتيان ما لا يرغبه أو الكف عن فعل ما يرغبه. والتوكيدية بهذا المعنى تقوم على القدرة على التعبير عن الأفكار والمشاعر بطريقة تفصح عن احتياجات المرء، وتحافظ على خطوط الاتصال مفتوحة مع الآخر. ولذلك وصف باترسون وآخرون (2002م) Paterson, et al. توكيد الذات بأنه قدرة الأفراد على الإفصاح عن مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، شريطة احترام حقوق الآخرين. ويرتكز توكيد الذات على تقدير الذات، أي رؤية الفرد نفسه وما فيها من قدرات وكفاءات، وتقييم الفرد لتقدير الآخرين له، ومدى احترامهم له، ومكانته عندهم، فالمتزن يقدر نفسه حق قدرها دون غطرسة، بخلاف المتكبر أو الخانع.

إن مفهوم توكيد الذات يشمل كل ما يدركه الفرد بصوره المركبة والمؤلفة من تفكيره عن نفسه وخصائصه الجسمية والعقلية والانفعالية- العاطفية ورؤية الآخرين له, كذلك رؤيته بما يتمنى أن يكون عليه. وهناك آراء متعددة ذكرت أبعاد مفهوم توكيد الذات، ويعتبر وليام جيمس (1980م) William James أول مَن ذكر أبعاده مصنفًا اياها في ثلاثة محاور، وهي؛ توكيد الذات المثالي، وهو ما يتمنى أن يكون الفرد عليه، وتوكيد الذات المدرك، وهو كما يعتقد الفرد بوجوده، ثم توكيد الذات الاجتماعي، وهو توكيد الذات كما يراها الآخرون.

إذا فنحن أمام بنية نفسية تنتظم فيها مجموعة من العوامل الذاتية والاجتماعية، فعلى مستوى الذات فإن الشخص التوكيدي هو الواثق من نفسه، الذي يعبر عن وجهة نظره ومشاعره الخاصة بصراحة. وهو الإنسان المتحرر من القلق، ذلك أنه غالبًا ما يشعر الإنسان بالقلق والإحباط عندما يكبت مشاعره تجاه موقف معين ولا يعبر عنها، بينما نجد أن الفرد المؤكد لذاته يقوم بإظهار مشاعره وآرائه مما يجعله يشعر بالارتياح والثقة، ومن ثم التحرر من الإحساس بالدونية أمام نفسه والآخرين. ويعد الثبات على الرأي وعلى الموقف من السمات المميزة للشخصية التوكيدية، فمن الملاحظ أن الإنسان المؤكد لذاته يدافع عن وجهة نظره ومعتقداته، حتى لو نتج عن ذلك إثارة بعض التوتر مع الآخرين, فهو يقف مدافعًا بثبات، ومن ثم تصعب إخافته.

ومن جانب آخر تتضمن التوكيدية بعض الميكانيزمات المهمة في التفاعلات الاجتماعية، مثل الدفاع عن الحقوق الشخصية المشروعة في المواقف المختلفة، في الأسرة، وفي محيط العمل، وكذلك العلاقات الاجتماعية مع الأقارب أو الغرباء، وغير ذلك. أيضًا القدرة على التعامل مع الصراعات الاجتماعية بحكمة عبر التفاوض، والإقناع، والاستجابة للإقناع، والحلول الوسط. كما أن القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في المواقف الاجتماعية تعتبر من الخصائص الواضحة للشخص التوكيدي، ذلك أنه يتصرف حسب مقتضيات الموقف لتحقيق النجاح دون الإضرار بحقوق الغير، وأيضًا لأنه يتصرف من منطلق مواطن القوة في شخصيته؛ لكي لا يكون ضحية أخطاء الغير أو الظروف. وبناء على ذلك، فإن المبادرة ببدء, والاستمرار في, وإنهاء التفاعلات الاجتماعية، والدفاع عن الحقوق ضد مَن يحاول انتهاكها، شريطة عدم انتهاك حقوق الآخرين، آليات الشخص التوكيدي التي يستخدمها في تفاعلاته الاجتماعية.

إذًا، فالشخص المؤكد لذاته له سمات وخصائص وهي التوفيق بين مشاعره الداخلية وسلوكه الظاهري، كذلك لديه القدرة على إبداء آراءه ورغباته بوضوح، وفي نفس الوقت لديه القدرة على الرفض والطلب بأسلوب لبق، ولديه القدرة على التواصل مع الآخرين "بصريًّا ولفظيًّا" وبطريقة لبقة. ومن فوائد السلوك التوكيدي أنه يُولِّد شعورًا بالراحة النفسية، ويمنع تراكم المشاعر السلبية كالتوتر والكآبة، ويقوي الثقة بالنفس، ويعطي انطلاقًا في ميادين الحياة فكرًا وسلوكًا، وهو من أهم الوسائل الموصلة للنجاح في المجالات المتنوعة، وبه يحافظ الشخص على حقوقه، ويحقق أهدافه وطموحاته.

ومعلوم أن الصفة الإيجابية (الحميدة) تقع في المنتصف بين صفتين مذمومتين، وبذلك يمكن القول: إن للسلوك التوكيدي خصائص بأنه وسط بين الإذعان للآخرين والتسلط عليهم وكلاهما صفتان سلبيتان. لذلك قد يقع البعض في لبس بين السلوك التوكيدي والعدوان، بحيث يتم التعامل معهما على أنهما مفهومان متداخلان تأسيسًا على أن توكيد الذات يمثل الميل في المواقف الاجتماعية للإلحاح في إنجاز أهداف المرء الخاصة حتى على حساب الآخرين (دسوقي, 1988م). وللتميز بين التوكيدية والعدوان، يقترح فرج (2002م) أسساً تمييزية تتمثل في الآتي:

- تتميز التوكيدية عن العدوان في أن الفرد التوكيدي يدافع عن حقّه إلا أنه يحترم حقوق الآخرين في ذات الوقت، ويحقق أهدافه دون الإضرار بهم، بينما العدواني لا يعير هذه الحقوق أيّ اهتمام، بل يسعى لأهدافه على حساب الآخرين.

- يتميز التوكيدي بأنه ملتزم بواجبات تجعل من دفاعه عن حقوقه أمرًا مقبولاً، أمّا العدواني فلا يحترم الواجبات، ومن ثم لا يحق له هذا الدفاع.

- يتميز التوكيدي بأنه لا يتقصّد إيذاء الغير، وإن حدث إيذاء للغير فهو حدث غير مقصود, بيد أن العدواني يتعمد إيذاء الغير.

- يتميز السلوك التوكيدي بأنه يحفظ العلاقات الاجتماعية من التفكك، أما السلوك العدواني فيعمل على هدم تلك العلاقات.                                 

- أثبتت الدراسات التطبيقية أن التوكيدية تختلف عن العدوان.

وهناك مؤشرات يمكن الاستدلال بها على الانخفاض في مستوى التوكيد، هذه المؤشرات عبارة عن أعراض وعلامات يتصف بها الشخص غير التوكيدي، ويمكن اجمالها في الآتي:

- مجاملة الآخرين ومسايرتهم, والاستجابة لرغباتهم؛ سعيًا لإرضائهم ولو على حساب نفسه ووقته وماله وسمعته, فيوافق دائمًا حتى لو أنه في قرارة نفسه غير موافق؛ لأنه لا يستطيع قول كلمة (لا), فيتحمل الكثير بسبب ذلك, ويعتذر بكثرة عن أشياء لا تدعو للاعتذار.

- لا يستطيع التعبير عن مشاعره ورغباته وانفعالاته, فنادرًا ما يقول: أنا أرغب, أحتاج, أريد.

- لا يبدي رأيه أو وجهة نظره, وخاصة إذا كانت تخالف الآخرين.

- التردد في اتخاذ القرارات, وعدم القدرة على تحمل المسؤولية.

- التواضع الزائد عن حده في مواقف لا يناسب فيها ذلك.

- الحرص الزائد على مشاعر الآخرين خشية إزعاجهم.

- ضعف القدرة على إظهار المشاعر الداخلية والتعبير عنها.

- ضعف التواصل البصري ونبرات الصوت.

وباستعراض الواقع نجد أن الكثير ممن حولنا تنقصهم مهارات السلوك التوكيدي، ولو ركزنا على فئة الشباب من الجنسين، لأدركنا أن الموضوع يأخذ أبعادًا مهمة وحاسمة، ذلك أن ضعف السلوك التوكيدي لدى الشباب قد يجعلهم أكثر عرضة للقيام بسلوكيات غير مرغوبة، قد يكون منها الانحرافات الأخلاقية أو تعاطي المؤثرات العقلية، وقد يمتد الأمر لأخطر من ذلك بالاختطاف العقلي والاستقطاب الفكري لبعض الشباب مما يسهل انضمامهم إلى جماعات ومنظمات إرهابية. لذلك على الآباء والمربين تنمية السلوك التوكيدي لدى الأبناء منذ الصغر، ويتم ذلك عبر آليات ومهارات يمكن التدريب عليها.

وعلى من يتصدى للتدريب على السلوك التوكيدي أن يأخذ في اعتباره أمورًا مختلفة، من أهمها أنه من أجل أن يعبر الشخص عن احتياجاته، يجب أن يعرف أن لديه بعض الحقوق، وذلك من قبيل:

- أن يكون لديك أحلامك، وأهدافك الخاصة، وأولوياتك في الحياة.

- أن تتمثل مجموعة خاصة بك من القيم والآراء والمشاعر، وأن لديك الحق في الدفاع عنها، إذا لزم الأمر.

- لتتقبل نفسك كما أنت، ولا داعي لأن تتصنع أو تتمثل شخصية أخرى.

- لا داعي لتبرير أو تفسير أفعالك أو مشاعرك للآخرين في كل مناسبة أو موقف.

- حاول التعبير عن نفسك سلبًا أو إيجابًا على النحو الذي تراه مناسبًا، وقبل ذلك خذ الوقت الكافي لصياغة تلك الأفكار قبل التعبير عنها.

 

- أطلب المساعدة أو المعلومات التي ترغب، دون تردد أو خجل، أو شعور سيء حول ما تطلب.

- عندما تغير رأيك، أو تخطىء، أو تتصرف بعيدًا عن المألوف، فكن على استعداد لتقبل النتائج والتبعات.

- اعمل على تنمية بعض المهارات اللفظية وغير اللفظية، لإشعار الآخرين بالطريقة التي ترغب أن يعاملوك بها.

- حاول أن تكون إيجابيًّا، وتنمي بعض الصداقات والعلاقات الاجتماعية التي تستطيع أن تعبر فيها عن نفسك بصدق وأمانة، وبما يشعرك بالراحة، ومن الإيجابية أن تكون لديك القدرة على تغيير أو إنهاء العلاقات التي لا ترضيك.

والخلاصة أن مفهوم توكيد الذات يشير إلى شكل من أشكال السلوك الذي يتحدد من خلال تبني مواقف أو أفكار شخصية أو وجهات نظر، ثم تنمية الكيفية المناسبة للتعبير عنها بصورة ملائمة ومقاومة للضغوط التي قد يمارسها الآخرون، الأمر الذي يعزز ثقة الإنسان بنفسه. والفرد التوكيدي أكثر ميلاً لإنجاز الأهداف المرغوبة لديه، لأنه أكثر تعبيرًا أو قدرة على الاختيار, ومن ثم فإنه يشعر بالرضا عن ذاته، أما غير التوكيدي فإنه أكثر كفًا وأقل قدرة على الاختيار، وهو غالبًا لا يستطيع إنجاز أهدافه، ومن ثم ليس لديه مشاعر طيبة نحو ذاته, أي أن الإنسان المؤكد لذاته يزداد مقدار نجاحه في حياته الاجتماعية, ونتيجة لذلك يشعر بتقدير أكثر تجاه ذاته (غلاب, 1999م).

 

 

أهم المصادر:

- دسوقي, كمال (1988م). ذخيرة علم النفس. المجلد الأول، القاهرة: الدار الدولية للنشر والتوزيع.

- غلاب، عبدالكريم (1999م). توكيد الذات. بيروت: دار العلم للملايين.

- فرج, طريف شوقي (1998م). توكيد الذات: مدخل لتنمية الكفاءة الشخصية. القاهرة: دار غريب للنشر والتوزيع.

- James, W. (1980). The Principles of Psychology . New York: Henry Holt - Macmillan.

-Paterson, M., Green, J. M., Basson, C. J., & Ross, F. (2002). Probability of assertive behavior, interpersonal anxiety and self-efficacy of South African registered dietitians. Journal of Human Nutrition & Dietetics, Vol. 15, p. 9-17.

-           Assertiveness training. Retrieved from: http://www2.csusm.edu/caps/Assertiveness.html


عدد القراء: 3296

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة محمدالعبدالكريم من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2015-11-18 07:08:53

    في مقالتكم السابقة حول الإفصاح عن الذات، وهذه المقالة المُحللة للتوكيدية الموضحة لأبعادها ونطاقها الإيجابي، إجدكم سعادة د.عبدالرحمن تُبدعون في رسم خارطة طريق للشخصية السوية، وتمهدون أرضية النجاح لأبنائنا، فكلماتكم مفاتيح للإعتداد والنضج وصناعة الإرادة البنائة، التي تُعزز موضوعية التفاعل بقالب من الإتزان الانفعالي وسمو الأهداف التكاملية .. من القلب شكراً لكم ،،

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-