العدد الحاليالعدد رقم 47فنون

السينما والتاريخ التخييل وطرق الاشتغال

تثير علاقة التاريخ والتخييل الكثير من الأسئلة، تخص على وجه الخصوص نسبة الحقيقة وكيفية تحقّقها، وتزيد هذه الأسئلة في التعقيد عندما ننتقل بها إلى السينما وهو وسيط طارئ زمنيًا قياسًا إلى النصيين التاريخي والروائي، وترتبط طبيعة ما نواجهه هنا، بما تطرحه السينما من ظروف مختلفة لعرض الحدث وطرق استعادته والتفكير فيه، ومدى قدرة الفيلم على تحصيل شرعيته عند عرض الحدث وأرشفته باعتباره مرجعًا لا يقل أهمية عن النص التاريخي.

  1. السينما والتاريخ وقضايا النوع الفيلمي:

ثمّة فرق بين ما تطرحه قضايا النّوع في السينما والرواية في الماضي وبين ما تطرحانه اليوم، خصوصًا عندما ترتبط هذه القضايا بالتاريخ. ومن ضمن ما يجب علينا أن نشير إليه هنا التغيير الحاصل في تناول التاريخ، ولعل بعض أسباب ذلك تعود إلى التغير الحاصل في أشكال التعبير نفسها التي أتاحت للقائم على الحكي أن ينتقل بتفكيره من سؤال ماذا أقول إلى سؤال كيف أقول. أمّا ثاني ما يجب علينا إثارته فمتعلّق بطبيعة النظرة إلى التاريخ نفسه التي انتقلت من نظرة التقدير والتقديس التي تميز والأفلام والروايات الطليعية، التي ارتبطت بظروف تاريخية وإيديولوجية معينة، فعرضت التاريخ المتفق عليه، إلى محاولة عرض النص/الفيلم التاريخي التاريخ بهدف يتجاوز التمجيد إلى إعادة التفكير فيه عبر هذه الاستعادة.

– الفيلم والتخييل الحقيقة والكذب:

يحتكم النص التاريخي، إلى ثنائية الصّدق والكذب، وضمن هذه الاحتمالية يكتسب أهميته وترتفع قيمة نصوصه، والنص التاريخي كما نعلم قد يصير فضاءا للتلاعب باعتباره رواية قابلة للتزييف خصوصًا إذا كانت هذه الرواية تخدم جهة ما وهي نفس الجهة الموكل له حفظ هذا التاريخ، ولعل عبارة «التاريخ يكتبه المنتصر» تلخّص الكثير من الكلام في هذا الباب. هل يظل شرط الحقيقة ملزمًا للنص الفني (الفيلم أو الرواية)، خصوصًا وأنّ التخييل وسيلتهما الأولى وليس الحدث التاريخي فقط. فعلى عكس المؤرخ، الروائي والمخرج غير ملزمان بالاحتكام إلى الثنائية السابقة، في هذا السياق يخبرنا ميشيل بوتور: «ما يقصّه علينا الروائي، لا يمكن التثبت من صحّته، وما يقوله لنا يجب أن يكفي، بالنتيجة، لإعطاء كلامه مظهر الحقيقة…ابتداء من اللحظة التي يضع فيها الكاتب على غلاف كتابه كلمة رواية، فهو يعلن أنه من العبث البحث عن هذا النوع من التثبت»1. كلام بوتور ينطبق على الفيلم أيضًا باعتباره عملًا سرديًا أيضًا، بل ينفلت الفيلم من الاحكام السابقة أكثر من غيره من النصوص السردية. لأن رؤية الفيلم يكون مصدر انتاجه متعددًا في الكثير من الأحيان (مخرج، كاتب سيناريو، منتج…) على عكس الروائي.

إن السؤال الذي يواجهنا عند الحديث عن الصدق في عرض التاريخ سينمائيًا، يتمثل فيما نبحث عنه في الفيلم، هل نبحث فيه عن المعرفة بأحداث التاريخ؟ أم إعادة استرجاعها بهدف إعادة التفكير فيها؟ هل تصير تجربة مشاهدة الفيلم بعد زمن طويل من إنتاجه هي نفسها؟ هل تثير لدينا معرفتنا بالأحداث المعروضة نفس الأسئلة؟ في هذا السياق يتطرق روبرت بورغوين إلى التحدّيات الفكرية المصاحبة للكتابة عن الفيلم التاريخي ويرى «أنّه يجب النظر في ثلاثة أطر زمنية: الفترة المرجعية، والسياق التاريخي في وقت إنتاج الفيلم، واللحظة الحالية للقراءة النقدية. الفيلم التاريخي يفتح حوارًا بين الماضي والحاضر. ودورنا كمتفرجين ونقاد هو جعل الإشارات من الماضي والحاضر مسموعة ومميزة»2. وقد شكّلت هذه العقبة إشكالًا أمام الباحثين عن الحقيقة في أفلام التاريخ، وهو ما حاول جان بيير ايسكينازى التطرق إليه في مقالته «عناصر سوسيولوجيا الفيلم» إذ يعتبر أن هناك سياق تاريخي لإنتاج الفيلم وسياق آخر لتلقيه، ينفتح سياق الإنتاج عنده على صانع الفيلم كمؤسّسة ويجب أن نستحضر مع الكاتب هنا التبعية الايديولوجية للكثير من الانتاجات للمؤسسات، كما ينفتح التلقي عنده على اختلافات الزمان والمكان والفهم والرؤى التي تتغير باستمرار3. بناء على هذه التغيرات قد تتأثر رؤيتنا للفيلم كوثيقة وتتغير باستمرار. لكن ماذا لو طرحنا جانبًا مطلب الحقيقة ونحن نشاهد الفيلم؟ وبحثنا فيه عن عناصر أخرى غير عرض الحدث بصدق! كون الفيلم مثل غيره من باقي السرود الأخرى له حقّه في التخييل، وطريقة عرض الحدث ونقده. وهنا يجب أن تترفّع مطالبنا عن الصدق كما هو الحال مع النص التاريخي «المنسوب إلى نوع الأقاويل التصديقية، إذ يرجى منه تصديق واقع محال ُ عليه هو واقع الماضي، لا إلى نوع الأقاويل التخييلية التي يكون القول فيها هو الغاية، فليس يلتفت إلى ما يسعى القول ُ إلى تصديقه بل يُلتفت إلى القول ذاته. إن الوظيفة التخييلية آتية من أن يصير القول ذاته معتنى به، لا من أجل أن يصير وسيلة لإبلاغ رسالة عن أمر خارج القول وهو الأعيان الماضية»4. على أنّ هذا الفصل لا يسلب الرواية/الفيلم علامة الصدق، بل يضمن له حرية عرضها وفق رؤيا الكاتب/ المخرج.

– الواقع والواقعيّ في سردية السينما:

في سعينا لحصر دلالات مفيدة حول علاقة السرد بالواقع، يلزمنا أولًا، أن نميّز بين الواقع والواقعيّ، وكيفية انتقال الواقع إلى النص الروائي أو الفيلمي، أي كيفية انعكاس الواقع سرديا. فالواقع باعتباره أحداث مؤطرةً بعنصري الزمان والمكان والشخصيات الثانوية بينهما، محفورة في ذاكرة الذات الكاتبة والمجتمع، فالحدث لا يصير مهمًّا إلا بالقياس إلى أهميته وتأثيره على الذات والجماعة. ومن تأثيره يكتسب شرعية الارتفاع به إلى التدوين، وفي حالة الرواية اتخاذ موقف فني منه. وعملية الانتقال هذه، تضعنا في مرحلة متقدمة من فهم علاقة الرواية بالواقع. ضمن هذا المنحى ترى يمنى العيد أن «الكتابة، كلّ كتابة، تنهض على مستوى من المتخيّل. بمعنى أنّ الكاتب، حين يكتب، لا يتعامل مباشرة مع الواقع، بل مع ما يرتسم في ذهنه، أو في مخيّلته، من صور تخص هذا الواقع، أو تمثّله وتعنيه. وهذه الصور المرتسمة هي صور مفهومية تعادل معاني، أو تشكل معاني، لأنها مرتسمة، من موقع رؤية الكاتب لها، في إطار ليس هو إطار الواقع ذاته، وكذلك ضمن علاقات أخرى ليست هي تمامًا، حتىّ ولو توخّى الكاتب ذلك، علاقات الواقع نفسها»5. فالنص الروائي يتّخذ الواقع موضوعًا، ويصبح النص من جهة ثانية آلية لتمرير هذا الواقع فنيا، وبعدها يصبح النص واقعيًا لا واقعًا. وهنا يبرز تعارض بين الواقع والواقعيّ، فالواقعي هو العالم المنعكس في العالم الروائي وفق وجهة نظر الكاتب، وليس مجرّد أحداث تعاد كتابتها كما هي ماثلة أمامنا. وينبغي لنا في هذا المقام أن نطرح جانبًا مفهوم الحقيقة، فالروائي الذي يلوذ بالتخييل لا يدعي تقديم الواقع الذي يمكن أيضًا أن نختلف في مسألة الحقيقة فيه. الحقيقة كما يقول سماح إدريس: «إن كانت ثمّة حقيقة في هذا الوجود، تقع في منزلةٍ غير محدّدة ولكنها تستقي عناصرها – على كلّ حال-من خطابي التخييل والواقع كليهما»6.

– الحقيقة ولغة السينما:

تتجلى قيمة هذا الكلام في السينما بفضل لغة السينما وإمكاناتها، فعندما نتحدّث عن الخطاب التاريخي يسهل علينا الإشارة إلى الراوي المؤرخ، وفي حالة الرواية «يُعرّف الراوي، بأنّه الشخص الذي يروي القصّة أو هو الصوت الخفي الذي لا يتجسّد إلا من خلال ملفوظه، وهو الذي يأخذ على عاتقه سرد الحوادث ووصف الأماكن وتقديم الشخصيات ونقل كلامه والتعبير عن أفكارها ومشاعرها» لكن، هل نستطيع الإشارة إلى الراوي في السينما بذات السهولة؟ فمن يروي في السينما قد يظل سؤالًا معلقًا في الكثير من الحالات لأن «السينما، فن متعدد الأصوات، يستخدم الصور والأصوات (الضوضاء والموسيقى وبالطبع الكلمات)، وحتى الإشارات المكتوبة لتروي قصصها. علاوة على ذلك، فهي تقدم «رواية مزدوجة»، يتشكل أحدهما أثناء التصوير والآخر أثناء المونتاج»7. دون أن ننسى هنا أفلام الاستوديو التي تطغى عليها رؤى المنتجين…! نشير هنا إلى إصرار أندري بازان على واقعية الحدث من هذه الزاوية تحديدا، أي دور المونتاج في إعادة إنتاج علاقات سردية بعيدة عن معناها أثناء التصوير، ويقول في هذا السياق: «لا يُظهر كوليشوف وأيزنشتاين الحدث من خلال المونتاج؛ بل يتحايلون عليه. صحيح أنهم يستمدون معظم عناصرهم من الواقع المفترض أن يصفوه، لكن المعنى النهائي للفيلم يكمن في تنظيم هذه العناصر أكثر من محتواها الموضوعي. إن جوهر القصّة، مهما كانت واقعية اللقطات الفردية فيه، ينشأ أساسًا من هذه العلاقات»8. إن الواقع هنا يظلّ منفلتا رغم واقعية اللقطة المنفردة، لذلك يتحدث بازان عن المونتاج المحظور عندما يكون أساس الحدث معتمدًا على تزامن عنصران أو أكثر. إن واقية السرد رهينة بواقعيّة نقله أيضا وهنا تتراجع قيمة المونتاج في نظر بازان لصالح امتداد اللقطة في حالة الاعتماد على الواقع. نجد أيضًا تفريق يوري لوتمان بين اللقطة المنفردة واللقطة داخل المشهد: «القطة في الفيلم تعمل على مستويين من التفاعل، حيث إنها تحمل داخلها المكان والزمان، فهي تحمل (الممثل، الديكور، الإضاءة، الموضوعات، الحوار) وكلّها في آنية واحدة، وبشكل متزامن من أجل إنتاج الدلالة والمعنى، ثم تتأتى مرحلة تتالي وتعاقب اللقطات التي تنشأ معنى ودلالة أخرى»10. وهكذا قد تصبح لغة السينما مدخلًا أساسيًا في إعادة إنتاج المعنى وهو وفق رؤيا المخرج. لكن يبقى الفيلم فضاء مهما للتوثيق ويمكن العودة إليه تحت هذا الاعتبار لكن ليس للبحث فيه عن الحقيقة، وقد يفيدنا هنا تميز حنة أرنت بين الحقيقة والمعنى فهي «تؤكد على حقيقة وجود تمييز مهم بين الحقيقة والمعنى، تمييز مرتبط بحقيقة أنهما ناتجان عن عنصرين مختلفين من احتياجات الإنسان. فالحقيقة كما تقول هي نتيجة حاجة الإنسان إلى المعرفة، في حين أن المعنى نتيجة لحاجته إلى التفكير. وتنشأ هذه الحاجة إلى التفكير من حقيقة كون التجربة أو الادراك وحدهما لا يمكن أن يقدما لنا المعنى أو الانسجام. فالتفكير إذن هو السؤال عن معنى وجود شيء ما»11. هنا تتجلى قيمة الفيلم ومعه كل أشكال السرد في قدرتها على تحريك المعرفة في اتجاه المعنى والتفكير وليس الحقيقة فقط، العالم السردي للفيلم يمكن الوصل إليه عن طريق المشاهدة فقط، التي تصبح مصدرًا مهمًا من مصادر المعنى، دون أن نسائلها عن الحقيقة. وهذا ما ذهب إليه بلانشو بقوله: إن العالم السردي المقدّم لا يمكن الوصول إليه إلا عبر القراءة، فمعرفتي بهذا العالم مقصورة دائمًا على ما يمكنني قراءته. وعلى أي حال، فإن القراء غالبًا ما يستنبطون افتراضات عن الشخصيات أو الأحداث تساعدهم في الوصول إلى فهم أفضل للرواية من خلال جمع أوصاف مختلفة في رواية ما وباستخدام المعرفة الخارجية. فعندما نقرأ رواية زمنها ضمن الحرب العالمية الثانية -على سبيل المثال- فإننا سنستعين عادة بمعرفتنا عن هذه الحقبة لفهم الأحداث الموصوفة، حتى حين لا تذكر المعلومات الأساسية صراحة في الرواية. قد تبدو حقيقة استعانتنا عموم بمعرفتنا عن العالم الواقعي للتوصل إلى فهم للعالم السردي الذي نواجهه متناقضة بمعرفتنا كون السرد يعلق الإشارة إلى العالم الواقعي، ولكن الحال مختلفة. ففي حين يمكننا الاستعانة بمعرفتنا بالعالم الواقعي لفهم العالم السردي، فإن هذا لا يعني أن الجمل التي نقرؤها في عمل سردي هي جمل قصد ُ بها ادعاءات عن العالم الواقعي»12.

  1. الفيلم معادلًا للوثيقة:

إن بداية السينما على يد الاخوين لوميير، انطلقت فيما انطلقت إليه نحو تسجيل تاريخ الأمم. هذا التوجّه كان لحفظ هذا التاريخ، ثم كونه مادة ترفيهية كبيرة بالنسبة للجمهور الذي كان يتوق إلى مشاهدة تفاصيل حياة غيره. لكن يدفعنا الحديث عن الفيلم/الوثيقة إلى أن نزيد من فهم العلاقة التي يقيمها الفيلم مع الحقيقة، ويفيدنا أن نطرح بعض أفكار مارك فيرو في كتابه السينما والتاريخ، حيث ربط ربطًا وثيقًا بين التاريخ والسينما، فقد أسعفته السينما السوفياتية في الكتابة عن المجتمع السوفياتي، أكثر مما أفادته سجلات الضرائب، وعليه فهو يجعل الفيلم معادلًا للوثيقة السينمائية13، وفي الواقع فالدعوة إلى إلحاق الفيلم بباقي أنماط كتابة التاريخ هي دعوة قديمة تعود أساسًا إلى خمسينيات القرن العشرين وقبله، مثلما نجده لدى مارت جاكسون في مقاله «الفيلم كمصدر»14، وحتّى مارك فيرو فقد سبق أن ناقش الموضوع بعمق في مقالته الشهيرة والسابقة عن كتابه المذكور «الفيلم  كتحليل مضاد للمجتمع» وفي هذا المقال، يرى أن «أن السينما لم تولد عندما أخذ التاريخ عاداته، واتقن منهجه، وتوقف عن السرد من أجل التفسير. لكن المؤرخين رغم انفتاحهم على مصادر جديدة لكتابة التاريخ فقد تجاهلوا الفيلم ولم يعتبروه وثيقة، بل كان في نظرهم لغة غير واضحة تشبه الاحلام. هذا رغم ثبوت فشل الوثيقة المكتوبة في حفظ التاريخ في الكثير من الأحيان»15. يجترح تصوّر فيرو الكثير من التساؤلات عن كيفيات اشتغال السينما والتاريخ، يمكننا أوّلًا، أن نقرّ للسينما بدورها في مدّنا بمعلومات غنية عن التاريخ والماضي، بل تستطيع تجاوز الوثيقة التاريخية في قدرتها اللامتناهية على إعادة استحضار الماضي، إن أفلام التاريخ تتميز بكونها تمثل عملية إقناع كبيرة، تتفوق فيها على كل وسيط آخر، هذا يعود بطبيعته إلى اختلاف لغة السينما عن غيرها، وتصبح من هذا الجانب وثيقة يمكن أن نعود إليها من أجل فهم المجتمع والتاريخ وأنماط العيش، يصف  رولان بارت الأمر بأنه يشبه الوقوف على شرفة التاريخ، يقول: «تخيل نفسك أمام البارجة بوتيمكين، مدعومًا بنفس الهواء. نفس الحجارة، نفس الحشد، حيث يمكنك أخيرًا أن تتعاون مع المتمردين، وتتشارك نفس الضوء، وتجربة خطوات أوديسا المأساوية بأقصى قوتها، هذا ما أصبح ممكنًا الآن»16. إن هذه القدرة تزيد مع عدم ترك لغة الصورة لحرية التمثل التي قد يسمح بها وسيط آخر كالرواية مثلًا، السينما تمر بك إلى الادراك المباشر، وهنا نستحضر كلام أيزر أن الإدراك يفترض بشكل قبلي وجود الشيء، في حين يرتبط التمثل دائما، استنادا إلى نمط تكوينه، إلى عنصر غير معطى، أو هو غائب ولا يمكن أن يظهر إلا بفضل وجود النشاط التمثيلي»17. لكن رغم ذلك رفض الكثير من خصوم فيرو السينما باعتبارها وثيقة، وقد كانت أهم عوامل رفضهم اعتبار الفيلم كوثيقة تتلخص لدى التاريخيين في مجموعة من النقاط، يمكننا أن نجملها في ما يلي: مسألة صعوبة حفظ وأرشفة الأفلام وقابليتها للتلف والاشتعال، الحديث هنا عن شريط السيلوليد، وهو أمر لم يعد مطروحًا بعد العصر الرقمي، ثم صعوبة التوصل لمصادر الفيلم الذي ينتجه طاقم العمل، على عكس الوثيقة التاريخية، ثم اعتبار السينما للترفيه فقط وليست مصدرًا للمعرفة والثقافة، لكن تبقى هذه التساؤلات التي طرحها المؤرخين في الخمسينيات مرتبطة أساسًا بحيثيات المراحل التي عاشوها، ومحدودية القدرات التقنية، التي كما نلاحظ لم تعد تثير المخاوف الآن، وعليه وجب علينا أن نعيد تجديد النظرة علاقة التاريخ بالسينما. عمليًا يضعنا التعارض القائم بين تصوّر فيرو ومعارضيه، بين علاقة مشابهة لأنصار الشكل والمضمون، فإذا ألزمنا السينما بالوفاء للأحداث التاريخ فسيكون ذلك على حساب شكلها الفني، وعليه سيجني هذا التصوّر على الشكل، إنّ السينما قد تتفوق على مجالات فنية كثيرة لكنها لا تتنازل عن جهورها وهو لغة السينما، فالبحث في الفيلم عن الفلسفة لن يجعل الفيلم درسًا فلسفيًا، بل مدخلًا للتفكير الفلسفي، كما لن يصبح الفيلم التاريخي وثيقة تاريخية، بل مدخلا للتفكير في التاريخ، وهذا لا ينقص من قيمة ما تقدمه السينما من توثيق وأرشفة، خصوصًا وانها تصبح مصدرًا مهما لتداول الأحداث غير الرواية الرسمية المتحكم فيها.

  1. الفن رواية موازية للرواية الرسمية:

رغم هيمنة الرواية الرّسمية على جزء كبير من تاريخ العربي، حتى مع ظهور وسائل الإعلام، بداية بالصّحافة، مرورًا بالراديو ووصولًا إلى التلفزيون، بحيث كان يصعب تداول التاريخ خارج النطاق الرسمي، سوى في حالات قليلة تسربت منها نصوص ومنعت نفسها من الحرق أو التلف والاقبار، لذلك شكّل الأدب رواية موازية لتسجيل هذا التاريخ، إن ما قالته روايات نجيب محفوظ عن تاريخ مصر أكثر مما سجّلته كتب المؤرخين، فأعماله سواء ركزت على الفرد أو المجتمع كانت التقاطًا عبقريًا لحياة المصرين التي تتقاطع مع حياة أي بلد عربي آخر، نظرا لتشابه الظروف. رؤية نجيب محفوظ كانت تشتغل فيها رؤية الفيلسوف، وحيادية المؤرخ وقرب عالم الاجتماع من الناس، ثم هندسة الفنان. إنّها أعمل عظيمة بمعاير النقد الأدبية، وأيضا كوثائق تؤرخ لمجتمع مصر. ولعل وصول أعمال نجيب محفوظ إلى الناس عن طريق السينما منذ وقت مبكر (اللص والكلاب) عام 1962 إخراج كمال الشيخ، (بين القصرين) 1964، (قصر الشوق) 1967، و(السكرية) 1974، إخراج حسن الإمام، وغيرها من الأفلام. إنّ ميزة السرد التي جعلت النص الروائي فضاءًا رحبًا لتداول أحداث التاريخ وإعادة روايتها خارج التاريخ المتداول، والأكثر من ذلك إعادة التفكير فيه، بل استطاع العمل الفني أن يتتبع حيوات المهمشين والفقراء والعامة، بدل الروايات التاريخية الرسمية التي اهمت أكثر بصانعي التاريخ السياسي، أي الحكام والأمراء والسياسيين. لولا الأدب والسينما لما وصلتنا تفاصيل حيوات الكثير من فئات الناس. لا شيء هنا يمنع من اعتبار هذه الأعمال، روايات وأفلام وثائق تؤرخ لحياة المجتمع المصري، لكن أيضًا لا يمكن أن نتوجّه إليها بهدف تحصيل ثنائية الصّدق أو الكذب، إن نسبة الحقيقة فيها تحركها وسائل فنية بين الواقع والتخييل وهي ليست الوسائل التي تحرك الوثيقة التاريخية. فأعمال محفوظ تدفع إلى التفكير في المعنى أكثر مما تقدم نفسها كمصادر للمعرفة، وهذا هو الحال مع كل عمل فني وأدبي. فمتى بحثنا فيه عن الحقيقة انحرفنا بسؤال الفن إلى منحى آخر، وهنا نعود إلى كلام فيرو عن السينما الوثيقة، فالربط ببنهما بهدف البحث عن الصدق يبعد الفيلم عن جانبه الفني ويخاطب فيه جانبا آخر لم يخلق من أجله.

هكذا، تصبح السينما وسيطًا أكثر مصداقية في عرض الحدث. والتحايل على سلطة الرقابة في السفر بالتاريخ إلينا. إن هذا الدور يتقاطع مع أهمية التعامل مع الفيلم/الرواية كوثيقة. لكن منقطة التعامل هذه يجب أن تضع في الاعتبار أننا لا نبحث عن الحقيقة، بل نعيد التفكير فيما يقدّم لنا من أحداث ومواضيع. وهذا قد يكون أهم وأعظم من مجرد تقديم المعرفة.

 

الهوامش:

1 – ميشيل بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات بيروت- باريس، ط3، 1987، ص: 6

2  – robert burgoyne, re-enactment and imagination in the historical film (introduction) https://isgeschiedenis.nl/longreads/re-enactment-and-imagination-in-the-historical-film-introduction

3 – jean-pierre esquenazi, « éléments de sociologie du film », cinémas : revue d’étudesVolume 17, Numéro 2–3, printemps 2007, p. 117–141

4 – توفيق فائزي، التصديق والتخييل في القول التاريخي، ضمن ملف الحقيقة والتاريخ، مجلة يتفكرون، عدد 3، ص: 95

5 – يمنى العيد، تقنيات السّرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، دار الفرابي، بيروت لبنان، ط 3، 2010، ص: 27

6 – سماح ادريس، المثقف العربي والسلطة بحث في رواية التجربة الناصرية، دار الآداب، لبنان، 1992، ص: 13

7 – Jean-Marc Limoges, de l’écrit à l’écran Pour une typologie des voix narratives au cinéma, https://journals.openedition.org/narratologie/6795

8- André Bazin, The Evolution of Film Language, http://www.newwavefilm.com/about/evolution-of-film-language-bazin.shtml

9 – André Bazin, Qu’est-ce que le cinéma?, Paris, Editions du Cerf, 2007, pp. 59

10 – مدخل إلى سيميائيات الفيلم، ص: 41-42

11 – نقلا عن لين فيرهاين، هل يتمحور السرد الأدبي حول الحقيقة أو المعنى؟ ترجمة إبراهيم الفريح، https://mana.net/wp

12 – نقلا عن لين فيرهاين، هل يتمحور السرد الأدبي حول الحقيقة أو المعنى؟ ترجمة إبراهيم الفريح، https://mana.net/wp

13 – MARC FERRO Cinéma et Histoire, Gallimard Parution ;1993

14 – Martin A. Jackson, « Film as a source material : some preliminary notes toward a methodology », Journal of Interdisciplinary History, IV : I, Summer 1973, p. 73- 80..

15 – Marc Ferro, « Le film, une contre-analyse de la société ? » Annales E.S.C., 1973

16 – R. Barthes, ‘On CinemaScope’, Jouvert. A Journal of Postcolonial Studies 3.3 (1999), accessed at http://english.chass.ncsu.edu/jouvert (link is external). Originally published in Les letters nouvelles (February 1954).

17 – عزيز القاديلي، الصورة الروائية في الخطاب النقدي، موقع الجمعية الدولية للمترجمين العرب.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. سليمان الحقيوي

جامعة ابن طفيل – المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى