
لمحة عن العناوين
من الأسئلة التي ترد دائمًا للمشتغلين بالكتابة الإبداعية، الروائية خاصة، مسألة العناوين التي تتسمى بها الكتب، وهل من الضرورة أن تعطي لمحة عن مضمون العمل الذي يسمى بها، أم لا؟، وهل ترد في العادة إلى ذهن الكاتب وهو يعمل على النص، أم تأتي بعد نهاية النص، وبعد أن يكون المبدع قد تأكد من مطابقتها؟
في الحقيقة، لا توجد قاعدة في هذا الموضوع، بمعنى لا يوجد قانون ثابت في اختيار العناوين، وكل كاتب حر في أن يسمى عنوانه كما يشاء، سواء أعطى لمحة لمضمون نصّه الذي يكتبه، أم لا؟ هناك من يرى ضرورة أن يترجم العنوان روح النص، أو يشير إلى حوادث كثيرة جرت في النص، وفي هذه الحالة سيكون مباشرًا، ومفهومًا ويعرف القارئ منذ البداية، أن النص سيسير في خطوات معينة، وسيمتلئ بأشياء أشار إليها النص، مثل «وقائع حارة الزعفراني» للراحل جمال الغيطاني، هنا لا يوجد ظل غامض للعنوان، والغموض في ماهية الوقائع التي ستجري في الحارة، هل هي وقائع عادية مثل اليوميات، أم وقائع غريبة لم تحدث من قبل، أيضا «فساد الأمكنة» لصبري موسى، فالعنوان يشير إلى أمكنة فيها فساد، فقط يظل الفساد مختبئًا خلف ماهية سيعثر عليها في النص، وهكذا كثير من الأعمال الأخرى المهمة، منها أعمال عبد الحكيم قاسم، وصنع الله إبراهيم، وحتى نجيب محفوظ، والطيب صالح، وعندنا في الأجيال الجديدة ثمة أمثلة.
العناوين الأخرى قد تكون مستوحاة من النصوص، لكن لا تجد فيها أي إحالة لأي معنى قد يكشف عنه، فحين تقرأ عنوانًا لخالد خليفة مثل «الموت عمل شاق»، و«لم يصل عليهم أحد»، و«سمك ميت يتنفس قشر الليمون»، لن تتعرف على ملامح سيصفها لك النص كاملة، إنها عناوين جاذبة، ومحبطة للقارئ، في آن، وبعض القراء يتوقفون طويلًا أمام العناوين، ويعتبرونها بوابات قد تسمح لهم بالدخول وقد لا تسمح، ويسميها المغاربة عتبات النص، والنقاد هناك يكتبون عنها بالتفصيل، ويوجد نقاد يحاولون إثبات علاقتها بالنص وآخرون يحاولون النفي، هكذا.
إن العنوان سواء كان موحيًا يقود إلى معنى، أو غير موح بالمرة، لا ينبغي التركيز عليه كثيرًا، وينبغي أن لا يكون عكازًا يقود القارئ، ولا عقبة تمنع دخوله، علينا أن نقرأ رواية خالد مثلًا، لنعرف لماذا سمك ميت يتنفس قشر الليمون بالتحديد، والموت عمل شاق، لنحصل على تلك القصة الحزينة عن رجل مات، في زمن الحرب والحواجز الأمنية، ولا يستطيع أحد دفنه بسهولة، ليصبح الموت في زمن الحروب والكوارث، عملًا شاقًا فعلًا.
ومن الحكايات التي تصلنا عن الموت الشاق في زمن الحرب في السودان، أنك قد تموت واقفًا على قدميك أمام بيتك، من رصاص أو قذائف ضالة، ولا يستطيع أحد الوصول إليك ليدفنك، خوفًا من المصير نفسه، فتظل هكذا فريسة لكل منكر، وهناك من أغلق بيته وانتظر أن يموت بسلاسة شديدة، وبلا مشقة، وجاء من ينتزعه من عزلته، ويعذبه، ثم يطلق عليه الرصاص في النهاية.
وعندي زميلة مات جدها، وميليشيا الخراب تسيطر على الخرطوم، وأرادوا دفنه في مقبرة تبعد دقائق عن بيته، فلم يستطيعوا، أمهلوهم عشرين دقيقة لدفنه والعودة، قبل أن تعمل الأسلحة الرشاشة، وهكذا تم دفنه أمام باب بيته، وحتى هذا لم يستطيعوا إكماله، وأطلق عليهم الرصاص. أيضًا من العناوين العظيمة التي ما تزال عظيمة، عنوان رواية النيجيري تشينيا تشيبي «أشياء تتداعى»، وأنا كقارئ لا أعرف ما هي تلك الأشياء، وما سبب تداعيها إلى أن أقرأ نصًّا في غاية العذوبة، للحياة الأفريقية قبل أن يغتالها المستعمر، للزراعة العشوائية الناجحة، المجتمع البسيط القائم على طاعة الزعماء، وتقديس الأساطير، من دون أن يكون ثمة خلل في الحياة أو المجتمع، ثم الحياة بعد دخول المستعمرين في هيئة مبشرين دينيين، وشيطنتهم للحياة العادية المألوفة منذ عشرات السنين، وتركهم الأهالي يتخبطون في شوارع الشر، أشياء ثابتة تداعت، وأشياء جديدة تتداعى، وكثيرًا ما فكرت في استخدام هذا العنوان بعد تغيير شيء فيه، لوصف جزيئيات أملكها، وتتداعى.
في بداياتي، أيام كنت أكتب سردًا أقرب للشعر، ذهبت إلى عمان لنشر عمل لي عند الكاتب والناشر الراحل إلياس فركوح، كان اسم النص «وقائع الحزن والقرية»، وهو عنوان كلاسيكي مباشر، ويكاد يكون ساذجًا لرواية مكثفة غير مباشرة، وجدت لديه الكاتب الأردني الراحل جمال أبو حمدان، الذي لم أكن أعرفه، وقرأت له نصًّا بعنوان: «مقعد أمام البحر»، كان في منتهى الجمال، الكاتب طلب مني أن أقرأ قليلًا من نصّي، وكانت ثمة عبارة شعرية موجودة فيه، فصرخ: توقف، هذا هو عنوان روايتك، «سماء بلون الياقوت».
وعلى الرغم من غرابة العنوان، وعدم منحه أي ظل، أو درب للسير عليه، إلا أنني استخدمته، وكان بالفعل أكثر نزاهة من عنوان تفاصيل الحزن والقرية، المستهلك، وللأسف ما زال هناك حتى الآن من يستخدم مثل هذه العناوين المستهلكة، التي لا توحي بكتابة جميلة أبدًا.
من العناوين اللافتة، تلك التي تكون أرقامًا، وشخصيًا استخدمتها في رواية «كانت سنة كبيسة» وكان مناسبا للرواية، واستخدمها بول أوستر في روايته المهمة 4321، تلك التي لن يعرف القارئ ماذا تحكي، إلى أن يقرأها.
الشق الثاني من السؤال: هل يأتي العنوان قبل أم أثناء كتابة النص، أم بعد الانتهاء والمراجعة؟ هنا لن نعثر على إجابة شافية لكن كل تلك الأمور تحدث، وكل عنوان حتى لو ولد مع النص، قابل للتغير بعد أن يراجع الكاتب ما كتبه.



