
الصحوة بعد الصحوة (4)
وحين نصل إلى هذه المرحلة، وهي أن «الصحوة» لم تؤسس خطابًا دينيًا خاصًا بها، كما يذكر الكاتب، فهي من جهة «متشيخة» «متسلفة»، ومن جهة أخرى تعنى بالجماهير والشعبوية والانتشار وكثرة المؤيدين أو بلغة السياسيين بـ«الأرقام». بدليل اعتمادها على عدد المشيعين عند الجنائز -كما أشير من قبل- مقياسًا في الحكم على صحة المذهب، أو قيمة العالم، أي كثرة المؤيدين سواء كانوا في الحياة أو بعد الممات، فإن هذا يؤيد القول بأنها (الصحوة) كانت حركة اجتماعية- سياسية أكثر من كونها حركة علمية تصحيحية.
كما يؤيد أيضًا ما قيل من أن التجديد الصحوي قد اتجه في أغلبه إلى الأشكال لا إلى الجوهر، فقد تميز المنتمون إلى «الصحوة» بلباسهم، فكانوا يفضلون الغتر البيضاء على الغتر الحمراء، وكان بعضهم يحرص على لبس الساعة باليمين عوضًا عن الشمال المنتشرة بين الناس، إضافة إلى حرصهم على التطيب بدهن العود أو البخور عوضًا عن العطورات الفرنسية، وانتشرت أيضًا معهم السروايل الطويلة التي كانت تسمى «سراويل السنة»، والأناشيد الإسلامية في مقابل إنشاد الشعر بالألحان المحلية، والاعتماد على المسرح والقصص في تقديم أفكارهم، ورؤاهم.
وهو ما يؤكده أن بعض الناشطين في «الحركة الإسلامية» في الثمانينيات كان ينظر إلى الصحوة من خلال الحديث «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها دينها»، ويقول: إننا نعيش مرحلة تجديد الدين التي في هذا الحديث، ولكن المجدد هنا ليس شخصًا بعينه، وإنما تظافر عدد من الأشخاص في جهود متنوعة لتجديد أمر الدين.
والذي يهمني هنا هو مفهوم «التجديد» عند القائمين بأمر الصحوة، إذ لا يقوم على الإتيان بأمر جديد، وإنما هو بعث شيء قديم، وإزالة ما علق به في الأذهان من الأفكار والأوهام عبر العصور بالعودة إلى المنابع الأصلية ونشره غضًا كما كان، دون التفكير بأن النظر إلى «الأوهام» و«الأفكار» العالقة يختلف باختلاف الظروف المحيطة بالناظر، بمعنى أن الإنسان حين تتطور ظروفه تختلف نظرته إلى ما يكون ضروريًا وما لا يكون، أو بصورة أخرى تختلف نظرته إلى ما يكون أوهامًا وما لا يكون، فمن المعلوم مثلًا أن «الصحوة» انقلبت على مظاهر التدين التقليدي بوصفها أوهامًا، وضربًا من الجمود والتقليد التي وصفناها بأنها تجديد بالأشكال، وسعت إلى التحرر من بعض التصورات كما يظهر في موقف الكاتب من «الصحوة» حين ارتدت عن هذا الانقلاب، وعادت نحو «المشيخة». هذه «المشيخة» التي يعتبرها الآخرون تجديدًا بوصفها عودة إلى المنابع الأصلية، وعلى هذا يمكن أن نعد «التجديد» انقلابات متكررة (هذا يؤيد فكرة هيغل بالجدلية، لكني لا أريد أن أذهب بعيدًا في هذا المنحى)، ينقلب فيها كل انقلاب على الآخر، وما يراه هو عودة إلى «المشيخة» و«التسلف» يراه آخرون في صلب التجديد.
والذي يتبادر إلى الذهن هنا هو البحث في مصدر «الصحوة»، بناء على أنها ليست ذات مصدر فكري مغاير عن البيئة المحلية بالرغم ما يقال عن امتداداتها الإخوانية، وما يقال عما يسمى بالانصهار بين السلفية (الحنبلية التميمية النجدية) والإخوان تحت مسمى السرورية، فإن هذه الملامح انحصرت بالأشكال، تلك الأشكال التي وصفناها من قبل بأنها ملامح التجديد. ولو أردنا الدقة لقلنا -كما يسمونها- «الوسائل»، حيث أخذوا بالوسائل الحديثة التي يأخذ بها الإخوان، وربما تكون قد جاءت إلى البيئة المحلية إما عن طريقهم مباشرة حين كانوا يتولون التدريس في التعليم العام والجامعي أو بوحي منهم حيث نقلها السعوديون الذين درسوا في مصر. وهو على أي حال أمر محل جدل، وذلك أن تأثير الفكر السعودي «الوهابي» على أبناء المدرسين العرب الذين نشأوا في السعودية أكبر من تأثير المعلمين العرب على الفكر «الوهابي» وهذا أمر يستحق أن يكون مبحثًا خاصًا، غير أن الأمر المهم هو أن المكونات المحلية أشد أثرًا في نشأة الصحوة وتوجيهها من المكونات الخارجية، وهذا يدفعنا إلى البحث عن هذه المكونات.
من المعلوم أن الدولة السعودية قامت على حركة إصلاحية دينية بالاتفاق بين الإمام محمد ابن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب في الدرعية، وهذه الحركة كانت قد ألهمت عددًا من البيئات العربية أيضًا بأن تحذو حذوها، ويكون لها نصيب منها. وقد ظلت الدولة السعودية تعيد إنتاج هذه الحركة الإصلاحية بالأقاليم المختلفة في المملكة بتكوين بيئات اجتماعية دينية تقوم ببعث قيم الحركة الإصلاحية الأولى والسير بسيرتها بحيث تتولى ريادة البعث الثقافي والفكري في بيئتها، ونستطيع أن نقف على شواهد المنتجات في جميع أنحاء المملكة التي تختلف فيما بينها بناء على اختلاف إمكانياتها المادية والظروف الاجتماعية المحيطة بها.
وحين نعود إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة، نجدها قد نشطت أول ما نشطت في البيئات العلمية الاجتماعية التي كونتها الحكومة السعودية وبتأثير منها، وذلك أن غالب الكوادر البشرية قد تلقت هذه «التعاليم» بما يسمى «جمعيات التوعية الإسلامية» في مدارس التعليم العام أو «المكتبات» التي تمثل مراكز توعوية ملحقة بالمساجد، ومن هنا فهي -في الغالب- صناعة محلية تستفيد في تكوينها من خبرات مختلفة بعضها عربي وبعضها غير عربي.
وفي هذا لا نستطيع أن نتجاهل التأثير الإقليمي الضيق على تكوين الصحوة بحيث تكون ذات طابع إقليمي تختلف فيه عنها في إقليم آخر، بمعنى أن الصحوة في القصيم تختلف عن الصحوة في المنطقة الشرقية، وتختلف عنها في الحجاز أو في الجنوب، فـ«تسلف» الصحوة -كما يقول صاحب الكتاب- يظهر في القصيم أكثر مما يظهر في المنطقة الشرقية التي يغلب على أهلها الانفتاح وقبول التمدن، وقد يدفعنا هذا إلى القول: إنها تطور عن المكونات الدينية الأصلية الموجودة في البيئة، وأنها ورثت كل ما كانت تحمله من صفات تتسم بها أقاليمها.
ومن هنا فإن الحراك في القصيم هو ألصق بطبيعته وبمصدره بالحراك في القصيم منه إلى حراك خاص متصل بالثورة الإسلامية في إيران -مثلًا- أو الجهاد الأفغاني، وما اتصف به هذا الحرك من صلف إن هو إلا صورة للطبيعة التي قامت عليها العلاقة بين المجتمع والمؤسسة الرسمية في بريدة.
وأذكر أن الدكتور إبراهيم الفوزان يحدثني عما كان يدور في بريدة في الثمانينيات الهجرية من القرن المنصرم، فيقول: إنه حين كان طالبًا في المعهد العلمي مع مجموعة من الشباب المتمدن (الليبراليين) (المصطلحات غير دقيقة وإنما هي تقريبية لبيان الحال)، يخرجون بعد العشاء إلى شارع الخبيب (أظنه قال للقراءة أو ربما يطلبون شيئًا من الخضار)، وكانت الإمارة قد منعت الخروج بعد العشاء إلا لحاجة، وأمرت بحبس المخالف، وربما يكون ذلك إبان المد الناصري. وحين اجتمع الشباب في الشارع جاءهم العسس ينفذون أمر الإمارة، ففر الأولاد إلى بيوتهم، وقرر المسئولون أن يلقوا القبض عليهم من الغد في المعهد العلمي، وقد علموا أنهم من أصحاب «الغتر البيضاء»، وكان في ذلك الزمن لا يرتدي الغترة البيضاء إلا من طلب الجديد ومال إليه. وعندما جاء مندوبو الإمارة من الغد يبحثون عن الذين رفضوا الانصياع لمنع الخروج بعد العشاء، وجدوا طلاب المعهد جميعًا قد لبسوا «الغتر البيضاء» في موقف تضامني من الأهالي (المجتمع) مع أولئك الفتية الذين كانوا في شارع الخبيب.
وعلى الرغم أنهم لم يكونوا متدينين، فإن الأهالي وهم من المتدينين، وربما يعمل بعضهم بالإمارة، هم الذين طلبوا من أبنائهم «المحافظين» أن يلبسوا «الغتر البيضاء» لينصهروا في الآخرين، ويشكلوا كتلة واحدة في مواجهة المؤسسة الرسمية، وموقفها من الخارجين عن أمر الانصراف إلى البيوت بعد العشاء.
ومع أن هذا قد يعطي مؤشرًا بينًا في العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة، وموقفها من المحافظة والانفتاح، أو بصورة أخرى تشجيع أبنائهم على «العصيان المدني» دون الاتفاق في وجهة النظر، في تطابق بين مع المقولة القديمة المنسوبة إلى «فولتير»، فإنه أيضًا يعطي مؤشرًا آخر في العلاقة بين قيم المحافظة والانفتاح والمتمثل بالموقف من أمر الإمارة، حيث وقف المؤيدون له موقفًا صريحًا مع الخارجين عليه، وبغض النظر عن المقولة الآنفة الذكر، فإن هذا التشجيع لا يمنح المقترفين للفعل الإذن بممارسة الفعل وحسب، وإنما أيضًا يمنح «المدافعين» عنهم فرصة مراجعة النفس، والفسحة في الانتقال من جانب إلى آخر، في إيحاء ظاهر إلى أن العلاقة بينهما (المحافظة والانفتاح) في المنطقة الرمادية، وأن الفارق بينهما ليس كبيرًا، وهو ما يعني القول: بالرغم أننا لا نؤيده، إلا أن من قام به لا يستحق العقاب، وبغض النظر عما هو الأمرالذي يستحق العقاب في هذه الحكاية، فإنه يدل دلالة واضحة على أن المجتمع (الأهالي) يتخذون موقفهم وآراءهم بمعزل عن شهوات المؤسسة الرسمية (الإمارة) وآرائها، وهو ما يعني ليس مطلق التمرد وإنما الاستقلال.
وقبل أن أختم القول عن الكتاب أود العودة إلى ما افتتحت به الحديث، وهو القول في مصادر الكتاب، أو ما خطر في بالي عند البداية بقراءته، وذلك أن هذه الأفكار والآراء التي ما فتئ ينثرها الكاتب في كتابه إن هي إلا آراء منتشرة في الأوساط الثقافية والصحفية المحيطة به، قد قام الكاتب من خلال عمله الصحفي ولقاءاته مع الكتاب وحواراته بتجميعها وتنضيدها ثم رصفها في الكتاب، فهي تمثل -على طريقة عبد العزيز الزير- جماع الآراء والمواقف المنتشرة حول هذه القضايا في بيئته، وليست شيئًا جديدًا خاصًا طرحه الكاتب أو وضع يده عليه بما أوتي من قدرة على الملاحظة ومعرفة بطرائق البحث والتحليل.
وهذا يحيلنا إلى السؤال عن قيمة هذه الأفكار والملاحظات بالنسبة للأصول المعرفية التي ينبغي أن تنطلق منها، أي عن قيمتها خارج البيئة التي انطلقت منها. الأمر الذي يبعث على الموازنة بين قيمة هذه الملاحظات وأصحابها في تكوين الخطاب الثقافي المعرفي السعودي، بمعنى إذا كانت «الملاحظات والأفكار» التي اعتمدها الكاتب في بناء كتابه ليست ذات بال، وليست من القضايا التي تستحق كثير بحث، أفلا يعني ذلك أن أصحابها ليسوا ذا معرفة وخبرة في قضايا الفكر والثقافة وأنهم لا يستحقون هذه القيمة التي نالوها، ما يدل بدوره على ضعف الأصول التي قام عليها الكتاب!.
يبدو أنني سأعود هذه المرة إلى حواراتي مع عبد العزيز الزير، إذ يرى الدكتور الزير أن هذا السؤال غير مطروح في ذهن أولئك القوم الذين عالجوا هذه المسائل، وتولوا الشأن فيها، فالذي يهمهم أن يكونوا المسئولين عن الحراك الثقافي والفكري في هذه الحقبة، وأن التاريخ الأدبي سيسجل لهم هذا بغض النظر عن أهمية ما يقدمونه في ميزان الإبداع، وسيكونون حلقة في سلسلة تاريخ الأدب بغض النظر عن القيمة الحقيقية لهم، وهذا هو ما يعنيهم بالدرجة الأولى.
ومع أن وجهة النظر هذه تستحق نوعًا من التأمل، إلا أنها تكشف تصورهم للعلاقة بين الثقافة والسلطة، فالثقافة من هذه الرؤية لا تملك سلطة قائمة بذاتها تستطيع أن تفرضها على القائمين بها، وإنما هي تبع للسلطة الاجتماعية، فالسلطة هي التي تصنع الثقافة، تلك الثقافة التي لا تملك حق الوجود إلا من خلال السلطة، بمعنى أنها تفرض الثقافة التي تريدها، وتجعلها أمرًا واقعًا، وهذا الفرض يتم من خلال انعدام البديل سواء كان ذلك بسبب ضعف الأصوات الثقافية الموجودة، أو من خلال تهميش الأصوات الأصيلة، وإبعادها عن المشهد الثقافي لصالح المتمكنين من السلطة الاجتماعية.
على أن الإلغاء للثقافة بما هي منظومة معرفية وفلسلفية ذات معايير موضوعية، تستطيع أن تفرض نفسها لصالح السلطة الاجتماعية، يعيدنا إلى المربع الأول في العلاقة بين المدنية والبداوة، وبين العنجهية والحضارة؛ المدنية والحضارة اللتان تؤطران الأشياء بأطرها الصحيحة، أو تسعيان لذلك، وتضعان الحدود وتبينان الواجبات والمسئوليات والحقوق، وتستجيبان لمآخذ العقل، والمنطق، والكياسة وفق القواعد المعتبرة، والبداوة التي عمادها العنجهية والتوحش، وتقوم على إلغاء الحدود، وخلط الواجبات بالمسئوليات بالحقوق لصالح الذات القاهرة وفق قانون الغاب حيث الغلبة والقهر، والتسلط، ووحشية الأنا.



