العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

تكنولوجيا التّعليم وبناء اقتصاد المعرفة

فَرَضَ القرن الواحد والعشرون على أبناء العصر جملة تحدّياتٍ لم تكن لتوجد من قبل. فنحن اليوم نعيش العولمة بكلّ أبعادها، ونحيا جميعًا في قريةٍ كونيّةٍ واحدةٍ، يربط فيما بينها رباطٌ متينٌ من التّكنولوجيا، يتّخذ له روحًا الشّبكة العنكبوتيّة.

وإنسان اليوم غير إنسان الأمس، فهو منغمسٌ بتكنولوجيا العصر، وعليه أن يُعَلّمَ ويَتَعَلّمَ بلغتها.

فهل من الجائز القول اليوم بأنّ التّكنولوجيا هي صوت العالم؟

وبناءً عليه نسأل: ما أهمّيّة اعتماد تكنولوجيا التّعليم، ولا سيّما تعليم اللّغة العربيّة، في منظومتنا التّعليميّة؟

للإجابة عن هذا السّؤال، نحدّد أوّلًا مفهوم التّكنولوجيا، ومن ثمّ تكنولوجيا التّعليم:

إنّ كلمة «تكنولوجيا» هي من أصلٍ يونانيّ، وهي تنقسم إلى قسمين «تكنو» وتعني الفنّ أو الحرفة، و«لوجيا» وتعني الدّراسة أو العلم. وبالمحصّلة إنّ التّكنولوجيا هي علم المقدرة على الأداء. وهي فعليّاً تطبيقٌ للمعرفة الحديثة بطريقةٍ علميّةٍ.(1) أمَا مفهوم تكنولوجيا التّعليم فهو يتمظهر بالدّمج بين التّعليم والتّكنولوجيا لعصرنة عمليّتَي التّعلّم والتّعليم، باعتماد الوسائل الحديثة من أجهزةٍ رقميّةٍ متطوّرةٍ، وحواسيب، وذكاءٍ اصطناعيّ، تطويرًا لطرائق التّعليم، وإغناءً للخبرة المعرفيّة عند المتعلّم، وجعله قادرًا على امتلاك مهارات القرن الحادي والعشرين. إنّ تكنولوجيا التّعليم تهدف إلى «تعليم أبناء العصر كيفيّة الحصول على المعلومة وليس على المعلومة نفسها».(2)

ونسأل ثانيًا: لماذا ضرورة اعتماد تكنولوجيا تعليم اللّغة العربيّة في منظومتنا التّعليميّة؟

إنّ اعتماد التّكنولوجيا في تعليم اللّغة العربيّة لم يعد مسألةً شكليّةً، بل بات ضرورةً استراتيجيّةً لتعزيز مكانة اللّغة العربيّة في عقول ونفوس الأجيال الجديدة، ولكسر النّمطيّة التّقليديّة في التّعاطي مع تعليم هذه اللّغة.

يقول د- رضوان الدّبسي «إنّ التّعلّم الجيّد يعتمد على مدى ارتباط ما يتعلّمه الفرد بحاجاته ومطالب نموّه ودوافعه»(3) والمتعلّم العربيّ يمتلك ثقافةً عاليةً في استخدام آلة العصر، وفي ميدان المعلوماتيّة، وعلى عاتقنا أن نجعله يوظّف هذه الثّقافة تربويًّا في تعلّم لغته الأمّ، وفي إقحامها في الميادين الرّقميّة، العصريّة، وبذلك «تتضاعف عنده المقدرة على التّواصل والفكر والإبداع».(4)

إنّ دمج دروس اللّغة العربيّة بالوسائط الرّقميّة يبدو عاملًا أساسيًّا في إكساب المتعلّم العربيّ الجديد الثّقة بلغته واعتزازه بها. وهنا نتحدّث عن البيئة الجديدة الّتي أفرزتها مستحدثات العصر، وهي بالطّبع تتطلّب معلّمًا عصريًا، ومنهجيّةً حاضنةً للتّكنولوجيا.

إنّ معلّم اللّغة العربيّة اليوم، مدعوٌّ للاضطلاع بتكنولوجيا التّعليم، مدعوٌّ لإنشاء النّصوص التّفاعليّة، والكتب الإلكترونيّة، ومقاطع الفيديو، والتّسجيلات، والبرامج التّعليميّة الذّكيّة، وغيرها… وهو مدعوٌّ أيضًا لهدم الصّورة النّمطيّة لأساليب التّعليم التّقليديّة، وفتح نوافذ الحداثة أمام عقول المتعلّمين، باعتماد تكنولوجيا التّعليم، الّتي تشكّل العمود الفقريّ لحضارة العصر.

وعلى عاتق معلّم اللّغة العربيّة تقع مسؤوليّة الموازنة بين محافظته على أصالة التّراث، وفصاحة اللّغة، وبين تحديثه للوسيلة.

نحن، بتعزيزنا استخدام التّكنولوجيا في تعليم اللّغة العربيّة، ننتقل بلغتنا إلى العالميّة والانتشار الرّقميّ، وذلك مبتغى جليلٌ، شريطة صون فصاحة هذه اللّغة وجماليّتها، وتطويعها مواكبةً لروح العصر.

وعلى المنظومة التّعليميّة تكريس جهودها في دمج تكنولوجيا المعلومات والاتّصال في العمل المدرسيّ اليوميّ، وفي نظم التّعليم كافّةً، لتصبح قادرةً على تخريج متعلّمين متمرّسين في التّعامل مع التّكنولوجيا، وإشراكها في مجالات حياتهم المختلفة، وبالتّالي المساهمة في تطوير اقتصاد المعرفة.

وهنا نتحدّث عن واحدةٍ من أولويّات القطاعات الاقتصاديّة الحديثة، حيث الاستثمار قائمٌ على القدرات العقليّة لإنسان العصر، وعلى إنتاجه للمعرفة ونشرها والاستفادة منها. لم يعد كلٌّ من النّفط والذّهب العنصرين الوحيدين المسيطرين على الاقتصاد العالميّ، بل ظهر نوعٌ جديدٌ من الاقتصاد يتّخذ تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، والمعرفة الرّقميّة قاعدةً أساسيّةً له.

ونحن، باعتمادنا تكنولوجيا التّعليم، نفتح بوابة استثمارٍ ناجحٍ في دربَي المعرفة والاقتصاد على السّواء.

هذا هو سبيلنا نحو محتوى عربيّ رقميّ لائقٍ، يرقى إلى رتبة المساهمة في بناء اقتصاد المعرفة.

 

الهوامش:

(1) تعريف التّكنولوجيا. محمد جوارنه 28 مارس 2022.

(2) تربويّات الحاسوب وتحدّيات القرن الحادي والعشرين. إبراهيم عبدالوكيل الفار (2004).

(3) دور وسائل التّقنيّة وآثارها في تطوير اللّغة العربيّة. د. رضوان الدّبسي.

(4) تكنولوجيا تعليم اللّغة العربيّة. ضحى الأسعد.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى