العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

سيمون دي بوفوار والفكر النسوي الطرح والرؤية المضادة

هل الأنوثة مركب عقلي، وهل تُربَّى المرأة لأن تكون مجرد أنثى ضعيفة مسلية للرجل، مسلوبة الإرادة خفيفة العقل؟

كان هذا السؤال منطلقًا للنظرية التي طورتها بعد ذلك الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (9 يناير 1908 – 14 أبريل 1986)، التي تُعَدُّ واحدة من أهم المفكرات والداعيات والناشطات في مجال النسوية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث نفت سيمون أن تكون البيولوجيا (التكوين العضوي والفسيولوجي) أساسًا، مع إقرارها أن فهم جسد المرأة بيولوجيا يمكن أن يكون مفتاحًا لفهم عالمها، ولكنها ترفض الفكرة القائلة إن المعطيات البيولوجية هي التي تقرر مصير المرأة نهائيًا، فهذه المعطيات لا تكفي لتحديد التمايز بين الجنسين، ولا تفسّر لماذا تعدّ المرأة الجنس الآخر، كما لا تحكم عليها بأن تحافظ إلى الأبد على هذا الدور الثانوي. وتتبنى من أجل هذا مقولة الفيلسوف ميرلو بونتي: ليس الإنسان نوعًا طبيعيًا، بل هو فكرة تاريخية. وتؤكد أن المرأة ليست واقعًا لازبًا (ثابتًا)، بل هي صيرورة، وينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها، لا أن تقتصر المرأة على ما هو عليه الآن، أو كانت عليه من قبل. وترفض أن تخضع المرأة لأعراف المجتمع، وأن البيولوجيا لا تنتج القيم، ولابد أن نبحث عن مكانة مختلفة للمرأة، بدلًا من أن تكون الجنس الآخر(1).

فطروحات سيمون دي بوفوار تستهدف إعادة صياغة وضع المرأة في المجتمع، وتغيير النظرة إليها، فيُنظَر إليها بوصفه إنسانًا مساويًا للرجل، وليست في مرتبة أدنى بحكم أن تكوينها العضوي، يفرض عليها وظائف بعينها، تقتصر على إمتاع الرجل، وإنجاب الأطفال، وانتظار النفقة من الرجل، وأيضًا الحماية منه، أما بقية المهن والأعمال التي يقوم بها الرجل، فتظل حكرًا عليه، محرومة منها المرأة. وتفترض دي بوفوار أنه في حالة تغيير الفكر السائد عن المرأة، فإن القوانين والقيم والأعراف الاجتماعية ذاتها ستتغير، وستصبح المرأة في مكانة عالية، بوصفها توأمًا للرجل، وليست في المرتبة الأدنى منه، فالتكوين العضوي واحد، وإن اختلفت أعضاء التناسل، وهذا لا شك فيه.

فلا عجب أن ترفض بوفوار أن يكون الهدف من تربية الفتاة هو إعدادها للزواج، بل لابد أن يكون الهدف تربيتها من أجل ذاتها، تقول ما نصّه: «ولا يزال الأهل يربون ابنتهم في سبيل الزواج، أكثر من أن يشجعوا تطويرها الشخصي، والفتاة ترى في ذلك من المزايا حتى أنها تتمناه لنفسها، وينجم عن ذلك أنها تكون غالبًا أقل اختصاصًا من إخوتها، وأقل اهتمامًا بمهنتها، لذلك تبقى أقصر باعًا فيها. حينئذ تصبح الحلقة الفاسدة مغلقة، فيقوى فيها نقصها بالرغبة في إيجاد زوج. إن العصر الحالي يقتضي من النساء العمل، بل يضطرهن إليه، وفي الوقت نفسه يغررهن بالبطالة واللذائذ. والنساء لا يزلن إلى الآن في حالة التبعية، وينجم عن ذلك أن المرأة تعرف نفسها وتختار لنفسها، لا على أنها موجودة بذاتها، بل كما يحددها الرجل. إن كونها للرجل عنصرًا جوهريًا من عناصر وضعها القانوني»(2). فنظرة دي بوفوار للمرأة تنتصر لشخصيتها كما يبدو للوهلة الأولى، وترى أهمية أن تطور المرأة ذاتها، لا أن تكون مهمتها الأساسية والتي تتم تربيتها عليها؛ هي الزواج، ورعاية الرجل والأولاد، وهذا كلام في ظاهره مقنع، ولكن باطنه يرى الرجل وحشًا ينظر لأية امرأة على أنها متاع له، يحق له التحكم فيها، يظلمها ويهينها ويجعلها تابعة له، بل إن كينونتها ووجودها يأتي من كينونة الرجل ووجوده، وتلك فرضية تتجاهل التكوين العضوي للمرأة بأن من وظائفها في الحياة أن تكون زوجة، وأمًا، ومربية للأطفال، ومسؤولة عن شؤون الأسرة وداخل البيت وهي أعمال لا تعني أبدًا أنها تظل المرأة مقتصرة على ذلك، بل نرى أن هذه المسؤولية الأولى لها، مثلما أن الرجل هو الآخر سيكون زوجًا، وأبًا، مساهمًا في تربية الأسرة، ومسؤولًا عن الإنفاق على أولاده وزوجته، بحكم امتلاكه القوة العضلية، والقدرة على مشقة العمل. وبعبارة أخرى، لا ينبغي تغييب عنصر الأسرة في منظورنا إلى الرجل والمرأة، بوصفهما نوعين مختلفين، ومتكاملين في آن؛ بمعنى أن سيمون دي بوفوار نظرت إلى المرأة بوصفها فردًا، ونحن ننظر إلى المرأة والرجل بوصفهما كائنين بشريين يكمل كلٌ منهما دور الآخر، فنحن ننتصر للأسرة أولًا. ثم ننظر إلى مفهوم فردية المرأة، الذي تلحّ عليه بوفوار وكل دعاة النسوية، بأن تطور المرأة قدراتها، وتعمل لتنفق على ذاتها، وهذا أمر لا خلاف عليه، فمن حق المرأة، أي امرأة، أن تتعلم، وتنمي مهاراتها، وقدراتها، وأن تعمل وتحصل على أجر، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، ولكن لا يكون هدفها هو الندية مع الرجل، ولا أن يتم دعم الفردية ضد الأسرة، فالنتيجة كما نراها الآن في الغرب، وأيضًا في الشرق: تفككًا أسريًا، وظهور أمهات بلا أزواج، وأطفال بلا آباء (شرعيين)، وتعاظم الفردانية على مستوى الرجال والنساء، وإماتة القيم الأسرية، ودفء العائلة، ناهيك عن المشكلات النفسية الناتجة عن الإغراق في الفردية، وحياة الوحدة، والتصورات المادية، والفوضوية المجتمعية، وتعظيم اللذائذ الجسدية، وسيادة النرجسية، فيصبح الإنسان الفرد هو الحكم على كل شيء، وهو المرجعية لكل قيمة، وتصبح المرأة الفرد– لا المرأة والرجل معًا، ولا الأسرة والأولاد- هي الأساس في الفلسفات النسوية، التي جعلتها حكرًا على المرأة الفرد.

وهو ما رفضه الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي (1912 – 2012م)، وذكر أن الرؤية المثالية الفردانية تسجن الفيلسوف (المفكر، أو الفرد) داخل نطاق وعيه الخاص، ضمن إحساسه وفكره وفعله، كدودة القز في شرنقتها التي نسجتها بنفسها، وللخروج من هذا النطاق، يجب اكتشاف شيء آخر، ما وراء الإحساس، والفكرـ، والفعل، فإن لم يكن هذا الشيء الآخر هو المادة؛ إذن هو الله(3). ذلك تنبيه على أن الفردانية في الفكر الغربي الحديث، تعني تخلي الإنسان عن المرجعية الدينية (الإيمان بالله وأخلاق الدين وأوامره)، وأيضًا المرجعية المجتمعية (الأعراف والقيم)، وأصبح منطلق الفرد ذاته، وأمله هو أيضًا ذاته، يحكم برغباته وحواسه، ويتخذ من نفسه إلهًا، لذا، فإن جارودي يعود ليؤكد، ومن منطلق فلسفي، وبعد تطواف في مقولات الفلاسفة، بأن كل ما هو خارج المادية هو المثالية الذاتية (مرجعية الفرد)، أو الدين (مرجعية الله)(4)، أي كل ما هو بعيد عن المادية في الحياة والواقع والمجتمع يعني أمرين: إما اللجوء إلى الله، واستلهام قيم الدين ومرجعيته، وإما ترك النفس إلى هواها ورغائبها وتقلباتها، وهو ما فعلته النسوية مستندة إلى الإرث العلماني الغربي، بإقصاء مرجعية الدين عن مفاهيمها، والاكتفاء بالمرجعية الفردية، أو بالأدق النسوية، دون أدنى نظر إلى الإرث المجتمعي والقيمي عن دور المرأة والأسرة.

 

الهوامش:

1) الجنس الآخر، سيمون دي بوفوار، ترجمة: ندى حداد، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن، د ت، ص18- 20.

2) الجنس الآخر، ص53.

3) ما هي المادية؟، روجيه جارودي، ترجمة: محمد عيتاني، دار المعجم العربي، بيروت، 2005، ص12.

4) االمرجع السابق، ص49.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. مصطفى عطية جمعة

أكاديمي، وناقد أدبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى