العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

الشعر.. من الإلهام إلى التقنية

مقدمة:

في هذه السلسة سنلقي الضوء على جوانب عدة للأعمال الشعرية، بعضها معروفة والبعض الآخر دقائق فرعية لم ينتبه إليها الكثيرون، تتعمق في لحظات الإبداع الشعري ولربما يتفق معها البعض وقد يعارضها الآخرين، والأجدر بنا أن نخلق جوًا حميميًا من الأخذ والعطاء في سبيل خدمة الإبداع والكلمة الصادقة من خلال الترحاب بالآراء المتنوعة والمتفاوتة في هذا الصدد.

1

قيمة الشعر

كما تعلمون، فإن الشعر، إلى جانب كونه الروح والمذوب في بوتقة التجربة، هو أيضًا فن صناعة الكلمة والابتكار، وبصمة لكل البنى النفسية والاجتماعية والفكرية للشاعر نفسه.

وهنا مثال لتوضيح غرض هذه الموضوع؛ لو جعلنا المواد الخامة متاحة لعدة نساء وحررناهن لاستخدامها في صنع ما يردن، فسنرى في النهاية أن بعضهن يخيطن أشياء جميلة وملونة، وبعضهن لا يفعلن شيئًا والبعض الآخر ترتبك وتخلط الخيوط دون فائدة تذكر، لأن إن استخدام هذه المواد الخامة يتطلب المهارة، والذوق، والتفكير، والتخطيط.

وهكذا فإن اللغة بكل مصطلحاتها وبنياتها وفنونها متاحة لنا جميعًا دون تمييز، ولكن ليس كل شخص، على سبيل المثال، يستطيع أن يؤلف قصيدة جيدة وقيمة من هذه الكلمات، لأن الجانب الآخر من استخدام هذه الكلمات يتطلب الذوق والأفكار والمعرفة… ومع هذا يا للأسف، لا يتم تقدير الشعر بالدرجة المطلوبة في وقتنا الحالي لأن الإنسان نفسه في أزمة، ودومًا ليس بمقدور كل شاعر النص الجيد دون توافر الشروط اللازمة لذلك.

على سبيل المثال، قام جميع الشعراء المشهورين في العالم باستخدام نفس الكلمات التي نعرفها ونستخدمها كل يوم، لكنهم تمكنوا من استثمار قطعة أدبية مثيرة للاهتمام من حيث الشكل والمضمون، مثل النجار قد يكون لديه بضعة ألواح ومسامير. يصنع منها كرسيًا فريدًا جدًا، أو عكازة نادرة!… لكن الآخرون لا يعرفون سوى استخدام نفس العكازة لضرب الآخرين، أو قد يضع بعض الأشخاص الاطارات الخشبية التي صنعتها النجار تحت الثلاجة والأدوات المنزلية الأخرى. وهذا على الرغم من أن اللغة هي المجال الأغنى والأوسع للتفاعل، مقارنة بكل مجالات الحياة الأخرى.

فالموهبة والإبداع في المهن أمر جدير بالإعجاب، وما هو في قدرة شخص ما قد يكون في قدرة شخص آخر بطريقة مختلفة وفي مجال آخر.

لكن تجاهل الأعمال الفكرية للإنسان هو دائمًا علامة أكثر خطورة على التقليل من قيمة كيانه وروحه وذات الإنسان نفسه… وهذا لا يعني أنه لا ينبغي لنا انتقاد الشعر، ولكن التقليل من شأن أي شعر هو التقليل من شأن مشاعره ومعاناته، وأفكاره، ومنتجاته، وثقافته. بغض النظر، سواء أكان شعرًا رديئًا أم شعرًا جيدًا.

2

الشعر وروح العصر

هناك دائمًا شعر جيد وشعر سيء، وبالتالي فإن مشكلة تهميش الشعر ليست عاملاً داخليًا بقدر ما هي عامل خارجي. على سبيل المثال، ترك روبوتات العصر بصماتها على الكتب، والترفيه، والعلاقات الاجتماعية، والأدب، والفن، والعاطفة، والرغبات وأساليب الحياة…

كما نرى في خلفية الحياة، أرجل عديدة تمشي في ليلة لامعة، وعالم شظي أمامها. وهذا يمكن أن يعبر عن حالة المشاعر في هذا الوقت الذي تغير فيه كل شيء بسرعة خافتة، مقارنة بالعقود السابقة كما نلاحظ. ولكن في مثل هذه الحالة تتميز الثقافة الحقيقية بعدم التنازل عن مبادئها. وهذا ليس رفضًا للتقدم ولا دفاعًا عن الشعر، بل هو تعبير عن نتائج حالة الحياة الحديثة، حيث لا يعتبر البعض الشعر ضرورة، ناهيك عن قضاء الوقت في قراءة واقتناء كتب الشعر! من ناحية أخرى، فإن معظم الشعراء معزولون عن التفاعل الحقيقي ومحرومون من آراء وتعليقات القراء، بل يكتبون باستمرار في عالمهم الخاص.

لربما قد يحتاج المنتحرون إلى شعراء ليقولوا لهم: هناك دائمًا شيء من الأمل والسعادة بانتظار.

3

 تقنيات كتابة الشعر

لنفترض أن الشاعر سين بدأ العمل كصحفي بعد ديوانه الأول مثلاً، مما أثر على أسلوبه في التعبير الشعري، وهو يريد طرح أفكار في مقال صحفي وبالشعر، والفكرتان تدوران في نفس الدائرة وتحتويان على نفس الفكرة، ولكن بتعبيرات وأشكال مختلفة، لكن كلتيهما تتأثر على الآخر شئنا أم أبينا، فهل نستطيع أن نسمي ذلك شعرًا مبدعًا؟ وهل انتاج العمل الشعري يعتبر مختلفًا أم يسمى السائد؟

الثيمة والأفكار مهمة جدًا للارتقاء بالشعر – جنبًا إلى جنب مع التقنيات الأخرى، لأنه إذا لم يتم تجديد هاتين النقطتين، فسيرى القراء جميع النصوص لهذا الشاعر على أنها نفس النص في البنية، وبالتالي لن يروا أي اختلافات أو تجديدات. وجود الشعر دون البلاغة كالجناس والطباق والاستعارة… لا يمكن أن ينهي طور نمائه بنجاح.

نعم إن أغلب الشعراء طيبوا القلوب و رقيقو الاحاسيس يحبون الاستماع إلى مشاعرهم بدلًاً من مناقشة تفاصيل قصائدهم، ولكنني أتمنى ألا يعتقد أحد أن هذه  من ناحية أخرى إذا تحدثنا عن ميتافيزيقا الشعر فهي تشمل عالم بلا نهاية و يكمن سرًا خلف ظلال الكلمات، وكما يقول المثل، إذا خرجت الكلمة من القلب، فإنها تقع في القلب، كمثال شخصين يتحدثان عن الشفافية أحدهما صادق والآخر فاسد، طبعا كلام الشخص الثاني يولد ميتًا، أو كشخص يتصنع في  ضحكه دون تحريك لسبب، ففي هذه الحالة نشعر أن الضحك ليس طبيعيًا بل مصطنعًا، وهكذا مع الفكرة والموضوع فإن عامل صدق الشاعر مهم جدًا لكي تعيش القصيدة (الصدق يعني العيش مع القصيدة(.

4

أسلوب الشعر

مثل بصمات الأصابع البشرية، لكل شاعر أسلوبه الخاص، بمعنى أن الشعر هو مصدر حياته وخبرته ووعيه ومشاعره ثم لغته، تارة مثل الرعد وبعضهم مثل الريح، يهز أشجار الخيال. بعض الصور تطير في مخيلته، بعضها تمشي على الأرض، بعضها تركز على الحبيب وبعضها أحزان الوطن، بعضها تطرق باب عقل القارئ بشكل واقعي وملموس للغاية، بعضها تحرك أوتار العاطفة.

يرى بعض الشعراء أن الشعر هو إرسال الرسائل، فيحبون مخاطبة أغلبية الجمهور، والأغلبية تفهم لغته البسيطة والهدف من ورائه، بينما يهتم الآخرون بالجوانب الجمالية للغة ويخاطبون نخبة الشعر، ويرى البعض أن الشعر هو فقط في الوزن والقافية، في حين أن البعض الآخر لا يتوقف عن الخروج من عالم الرمزية والسريالية وخلط فائض من التجارب الممتعة.

رغم أن أحدًا من الشعراء يستطيع أن يأخذ صور شعرية شاعر ما وأبيات شعره، إلا أنه لا أحد يستطيع أن ينسخ أسلوب شاعر آخر، لأن الأسلوب يعني حياة الشاعر ومشاعره وبصماته، وهويته الخاصة، ومعرفته، ورؤاه..

5

الشاعر وتحديثات مستمرة

لا شك أن (الكلمة) هي أساس الشعر، سواء أرادت بها ابقاءها كجوهر القصيدة ومركزها واستخدامها كشفرة غير مفكوكة، أم أداة مساعدة لجمال القصيدة واكتمال جوانبها الجمالية.

على سبيل المثال، حاول الكثير من الشعراء تكرار واستخدام مصطلح «يوسف وإخوته» أو رمز «القمر» لنقل أغراضهم الشعرية، لكن الشاعر نفسه المستخدم لهذه المفردات ربما كان على دراية بالعديد من الأمثلة الأخرى من الفولكلور والثقافة المحلية والامثال وكان أجدر به صقل القصيدة بها ومن الحصافة إدخال مصطلحات جديدة بدلًا من كل التكرارات الموروثة (وهذا لا يعني التقليل من شأن قصة يوسف وإخوته أو جمال وتأثير القمر). لكننا أتينا بهما كأمثلة.

ومن المهم أيضًا أن يكون الشاعر واسع الاطلاع وكمراقب ومتابع لعصره عليه أن يقرأ يوميًا ويتابع الأخبار والتغيرات والتطورات والاكتشافات والمنشورات ويعود أحيانًا إلى الماضي والتاريخ المنسي، ويسبح في محيط الكون فلربما يصبح اسم نجم جديد، وخصائصه، ومداره، وشكله، وبعده، مشاركًا في تأسيس قصيدة جديدة ووضعها كصورة محوري في عمل شعري.

ومن هنا تتجلى يقظة الشاعر وحيويته وتجدده. وهكذا نتعرف على رؤية الشاعر، نعم التجديد والابتكار ليسا بالأمر السهل، ولكنهما ليسا مستحيلين.

6

موهبة الشعر وفكرته

في بداية كتابة الشعر، يستلهم الشعراء الافكار والمصطلحات مثل المطر ويكتبونه مرة تلو الأخرى، مستسلمين لأمواج المشاعر، ووجود الإيقاع فقط كجانب شكلي كافٍ بالنسبة لهم لتسمية الشعر شعرًا، لكن لاحقًا عليهم العمل على هذه الافكار البدائية وجعلها نصا رصينا، والذي بمقدورنا أن نسميه (البذرة) فهي بحاجة إلى عمل دؤوب لجعله شجرًا مثمرًا. على سبيل المثال، بمجرد أن ترى التجاعيد على أيدي ووجه رجل أو امرأة عجوزة تبادرك مشاعر الأحزان وقد تتحول التي لديك إلى فكرة لصياغة ورسم صورة شعرية المستوحاة من هذه الصورة الواقعية وقد تتحول وتأخذ منحنى آخر لتتحول إلى رمز للتعبير عن تفاهة الحياة وتولد على شكل قصيدة ثرية، حينها ستتفرع من المادة إلى الروح أي من الواقع الى الخيال وتأخذنا إلى أماكن أخرى لبلورة الفكرة في بوتقة اللغة وتعطي القصيدة قيمة حقيقية.

7

هندسة الشعر… التصميم والهندسة

هناك أوجه تشابه كثيرة بين الهندسة المعمارية وهندسة الشعر، إحداهما في عالم المادة والأخرى في عالم الروح، والكلمات، والفكر، والأدب.

أما بالنسبة لأي أبنية أولًا، إذا بدأنا بالخريطة، نرى أن كل مبنى هو نتيجة تصميم خاص. وكلما كانت خريطة المباني فريدة وعلمية كانت أقوى وأنجح، وهكذا الشعر سيكون أكثر نجاحًا إذا كان مفعمة بالمواد البلاغية والثيمة الجذابة والنادرة، ثم تأتي الأفكار والصور والإلهام والعواطف… ثم يتخذ الشاعر الخطوة الأولى بنجاح ولا يتوقف أبدا في منتصف النص بحثا عن مدد.

كلما كان أساس البناء أقوى، كان أكثر مقاومة للانهيار، وكلما كان بناء الشعر أقوى، أصبح أجمل وأهم، فبما إن تصميم وتنفيذ الهندسة المعمارية يحتاج إلى الخبرة والتجربة والتنظيم وأخذ القياسات التفصيلية، كما أن مراحل كتابة القصائد تحتاج إلى التنظيم والتسلسل والذوق واللعب اللغوي المناسب حتى يسمى شعرًا ويبقى خالدًا.

ثم وضع الحجر والطوب الأصليين بنفس الحجم والشكل في الجدران ثم الأرضيات معًا ويعطي الأبنية ثباتًا وجمالًاً، فكلما ارتفع البناء كلما كان أكثر وضوحًا ومبهرًا، كما في الشعر إذا لم تتطابق المصطلحات ولم ترتبط الأبيات مع البعض، ولم تستخدم الأدوات الشعرية، ولم توجد فنون البلاغة والمعرفة والاستفادة من العلوم الإنسانية، وكانت اللغة لغة السوق، فإنه سينهار بسرعة ولن يستقر في قلب أي قارئ ولا يبقى مفتوحًا إلى أمد بعيد.

كتابة الشعر الأصيل أصعب بكثير من بناء منزل، لأن ولادة الشعر الجيد يحتاج إلى قوة روحية وفكرية وتجارب حياتية، بينما تنفيذ تصميم المنزل يحتاج إلى حرفي ماهر لتجسيد الخريطة على الأرض بسواعد قوة العمال.

أعتقد أن كتابة الشعر الفريد والجيد أكثر تكلفة من أي نوع أدبي آخر لأنه يتطلب التفاصيل، والكثافة، والتنوع والاختزال.

8

ثورة الشعر

ولسوء الحظ، فإن معظم الصحف والمجلات والمنشورات والمواقع الإلكترونية تنظر إلى الشعر كرقم لملء الفجوة أو حتى لا ينشرونه بالمرة.

ولِمَ هذا الاجحاف في حق الشعر؟ أليس الشعر في علاقة عضوية مع الحياة وكل مجالات النشاط الإنساني الأخرى؟ فلننظم ثورة شعرية.

هذا هو طريق الوعي والوحدة والمقاومة.

قد يتساءل البعض: كيف يمكن النهوض والمقاومة بالشعر؟

فنجيب: حين أصبح الشعر هو اللغة العليا بين الناس.

9

التوحد في الشعر

لا أدري ما هو الفارق والتجديد في الأعداد الشعرية يحدثه الشاعر الذي يكتب عدة قصائد يوميًا أو أسبوعيًا؟ دون انتظار تعبئة زاده الشعري الذي يقوي به ويعتمد عليه أو ملء خزانه الذي يأخذ منه ويمده بمفرداته وصوره وأفكاره الشعرية.

وهنا أرى تشابهًا بين هذه الحالة ومرض التوحد، حيث إن مريض التوحد نشط للغاية، لكن هذا النشاط العفو غير مخطط له وبالنتيجة غير منتج.

10

الجانب الخفي للشعر

بالإضافة إلى كافة جوانب اللغويات والفنون والعلوم النفسية والرٶيا والنظر للعالم والموضوع والصور الشعرية والأساليب والتقنيات وغيرها التي تلعب دورًا هامًا في الشعر وتعزز القيمة الشعرية للنص، هناك أحيانًا سر في الشعر وهو غير متاح أو قابل للتعبير ويشعر القارئ بالتأثير واتصال مع عقله الباطن، سواء كان في الماضي أو الحاضر أو على روحه بخيط غير مرئي المستقبل، فبعض القصائد كالروح تتجاوز حدود الزمن ولا تعرف أي حدود.

على سبيل المثال، قد يحدث أن ترى شيئًا للمرة الأولى أو تذهب إلى مكان تشعر أنك رأيته أو ذهبت إليه من قبل! ربما كان ذلك من خلال حلم رأيته منذ 10 سنوات ونسيته، أو قد يكون مرتبطًا بعالم الملكوت كما يسميه (ت. اس. اليوت) بالشعر الميتافيزيكي، فالشعر أحيانًا يركب أجنحة الروح التي لا نراها بعين المجردة لكننا نشعر بوجودها وتأثيرها في حياتنا، ولكن غير ملموسة مثل القوة المغناطيسية وطاقة الكهرباء والهواء وما إلى ذلك…

لذلك يقال إن الشعر لغة الروح، لا يهم إن كان صاحب تلك الروح شخص سوداء، أو بيضاء، أو بني أو حمراء، هذا يشبه الجو السحري لكلمات التي تجذب انتباهنا وتضعنا في تفكير عميق دون أن ندري، لا نعلم لماذا؟ قد يكون لدينا نفس الشعور مع بعض القصائد أو نشعر وكأننا كتبناها. لا أعرف عزيزي القارئ ما هي تجربتك حول هذا الموضوع وماذا تقول. لكنني أعتقد أن السبب قد يكون لأن هناك شيئًا ما من روح الشاعر بقيت في قصيدته وتركها تعيش.

11

الشعر والنقد

صحيح أن عالم الشعر لا حدود له ولا يمكن تعريفه أو الاحاطة به، أبدًا لأنه يتفاعل مع العالمين المادي والميتافيزيقي، ولكن من المؤكد أن النقد الموضوعي هو الوجه الآخر لتقدم الشعر حتى لا نفقد الخطوط العامة والعريضة لهذا الفن الانساني القديم.

صحيح أن الناقد غير ظاهر على المسرح وفي النصوص، إلا أنه كالماء هو الذي يبقي شجرة الإبداع رطبة، وفي النهاية فإن الناقد الحفيص كمكتمل لعملية الانتاج الشعري كما ذهب اليه رولان بارث، هو الذي يحدد المكان الحقيقي للنصوص وحسب معايير أكاديمية ومدارس نقدية، هنا ينتهي دور الشاعر.

12

الشعر والعلاج النفسي

الشعر وثيق الصلة بكل إنسان، لأنه يعمل بدرجة أو بأخرى على المشاعر والأفكار. فبحسب اتساع الحياة ووجود الأحزان والمآسي، وتعقيد الجانب الداخلي للإنسان نفسه، يستفيد الشاعر من كل المكونات المختلفة للحياة. لذلك يكتب الشعراء الشعر لأغراض عديدة؛ ومنها: التعبير عن حالات الذات، حيث يتنهد الشاعر ويجد منفذًا للتعبير ويشعر بالسكينة نتيجة لهذه العملية الكتابية، وبما ان الأطباء النفسيين يطلبون أحيانًا من المرضى عدم ابقاء المشاكل في قلوبهم، لما لذلك من تأثير سلبي على الحالة النفسية للإنسان، لذا نجدهم ينصحون و يقترحون على المرضى الذين يحبون الأدب بالاستماع إلى بعض أنواع الشعر أو قراءتها لفتح بعض المشكلات النفسية التي يعانون منها أو تعليقها على جدران المستشفيات في الدول المتقدمة، فتفتح لهم مفاتيح قلوبهم وأرواحهم و إعادة تعريفهم بأنفسهم، أو حتى يطلبون منهم كتابة الشعر أو رسم صورة ما من وحي مخيلتهم والتحدث عنها.

فالشعر إذن ليس بلا دور، وإن كان من جهة أخرى فنًا رفيعًا وخيالًاً لاذعًا ذا لغة، إلا أنه مفتاح لفتح أبواب مسدودة في الحياة وإنه الأقرب إلى النفس البشرية من الأنواع الأدبية الأخرى.

ووجه آخر له. ملاحظة: أنا لا أقول يجب أن يكون الشعر كذلك، ولكننا نتحدث عن نوع من الشعر.

13

الشعر العالمي

إنه أمر غريب، لقد ملأت القصيدة بالألقاب والأسماء، السنوات، الأماكن، الاهتمامات الشخصية، الأحداث، الشعارات وأمور شخصية غير معنية للقراء ومع كل هذا تريد أن تسمي قصيدتك نصًا عالميًا ومن المهم أن نسأل أنفسنا:

ما هو طبيعة وخصائص النص العابر للحدود؟ الذي يحمل هموم الناس في كل مكان وفي جميع الأوقات؟

أعتقد أن نظرة الشاعر للعالم تجيب على ذلك.

ملاحظة: هذا موضوع مهم جدًا في عالم الشعر، أتمنى أن نكسر الجموح والعادات العامة ولا نختار الصمت، من لديه رأي فليكتب عنه، صحيح؛ قليلاً ما كتب عن هذا الموضوع، لكن الموضوع يليق بالاهتمام وإلقاء الضوء الكافي عليه، فلتبقى المسافات المكانية بعيدة.

14

الحب في الشعر والواقع

في بلادنا يتجه أغلب من يقعون في الحب إلى كتابة الشعر، ولا أدري إن كان هذا ينطبق على الشعر فقط، أم أن هذه الحالة طالت أغلب المجالات الأخرى. في حين ان الاهتمام بجوهر الإنسان وذاته وكينونته يجعله رصينًا أمام المواجهات كي يواجه الصعوبات بشكل أكثر عقلانية.

ورغم أن أكثر من ثلاثة أرباع الشعر المنشور اليوم يدور حول هذه الدائرة، فإن القدماء كتبوا عن العشق والغزل منذ زمن طويل، لكن مثلا يقول المثل: كل شيء مع الملح، والملح بمقدار.

أعتقد أن الإنسان عندما لا يحس في أي طاقة داخلية أو هم يشغل قلبه، فإنه يلجأ إلى مثل هذه القصائد لملء الثغرات في روحه.

صحيح أن الحب الناجح في الواقع يتجسد في وحدة النفوس، ولكن حين يتراجع هذا المفهوم يلجأ الشاعر إلى قلمه لملء الفراغ الذي يتركه الشخص الآخر من الجنس الآخر في حياته.

مع كامل احترامي لكل الشعراء، هذه حقيقة، ورغم أنها قد تزعج البعض، وخاصة أولئك الذين لا يعرفون إلا كتابة هذا النمط من الشعر، ويكتبونه فقط بالشكل التقليدي، إلا أن قول الحقيقة بالطبع هو الأهم من أي هدف آخر، الغرض من هذه المقالة هو الأصالة الحقيقة. وفي الوقت نفسه، قد يبدو هذا الأمر غريبًا بعض الشيء لأننا لم نسمع الكثير عنه. في حين أن الرؤيا والموضوع يشغلان جزءًا مهمًا من النص، يمكننا أن نسأل ما هو المبتكر في القصيدة لأخبرك أنها فريدة من نوعها أم لاء؟

ملاحظة: أرجو ألا تفهموا المقصد خطئا، فهذا لا ينفي الحياة الرومانسية العملية للأفراد ورغباتهم. الغرض الوحيد هنا هو تجسيد الموضوع في الشعر مملاً وتكرارًا ودون الاتيان بأي جديد. لقد سمعنا أجود القصاد من هذا النوع من الشعراء الكلاسيكيين بما فيه الكفاية.

15

 الشعر والموت

ما هو الموت هل هو تغير نمط حياة الإنسان من العالم المادي إلى العالم الميتافيزيقي؟ أم أنها ثنائية الوجود؟ لقد اشغلت أهمية الموضوع ليس فقط الفلاسفة، بل جزءًا من فضاء مشاعر وأفكار الشعراء في العصور القديمة والحديثة وانعكست في قصائدهم.

تقول الشاعرة جمانة حداد في كتابها «سيأتي الموت وستكون له عيناك»: 150 شاعرًا انتحروا في القرن العشرين.

وهناك شعراء تقتلهم قصائدهم في حين تنبأ بعض الشعراء بموتهم، مثل بدر شاكر السياب، وأمل دنقل وغيرهما، فإن قصائدهم خلدت أسماءهم. نعم، ان الكلمة واللغة ستبقى خالدة إذا كانت تستحق البقاء، كما كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدة: وأُريد موتًا في الحديقةِ ليس أكثَرَ أو أَقَلّ.

16

الشعر والمراجعة

أعرف أن الشعراء لا يحبون مراجعة نصوصهم ويركزون غالبًا على لحظة تدفق الأفكار والصور، لكن الشاعر المحترف هو دائمًا الناقد الأول لقصائده. كان آرثر رامبو يقرأ الشعر لأصدقائه وأخته وكانوا يعجبون به كثيرًا، لكنه في النهاية وضعه في الموقد وأحرقه لأنه لم يعجبه. وقد ذكر أوكتافيو باث في مقابلة له انه راجع نص له 98 مرة ثم رماه في الأخير.

إذا حاول الشاعر أن يأخذ استراحة من كتابة قصيدته ويقوم بمراجعتها بعد بضعة أيام، مثل إزالة الكلمات الزائدة واستخدام مصطلحات استعارية أكثر فعالية وزخرفة وقوة، أو إضافة أبيات جديدة إلى القصيدة وحذف الضعيف منها، فلن يندم على ذلك أبدًا. لكنه قد يندم حين يدرك القارئ الذكي نقص النص وعيوبه، ورغم أن هناك في هذا الزمن السريع المعروف بزمن المواقع التواصل الاجتماعي شعراء لا يراجعون حتى الأخطاء المطبعية، إلا أن العكس هو الصحيح؛ حتى في كتابة القصيدة، من الأفضل للشاعر أن يكتبها على الأقل في بضعة أيام حتى لا تبقى فكرة أو صورة أو طبيعة لم يستغلها ويستخدمها في سياق نصه.

وكما أن بداية القصيدة مهمة فكذلك النهاية، فلابد أن تكون جديرة بوقت القراء وتكون مختلفة عن قصائد الشاعر السابقة، وإلا فإننا لم نفعل شيئا، لكن حول السؤال عن ماذا وكيف يكتب الشاعر؟ هي مساحة حرية الشاعر في الاختيار ولا يملك الآخرون السيطرة عليه ولا يستطيعون التدخل فيه.

17

الشعر والمعاناة

لقد سعى الإنسان في العصور القديمة والحديثة إلى إيجاد منفذ للتعبير عن نفسه، ومن بين أشكال التعبير هذه ربما كان الشعر هو الأكثر تأثيرًا، والذي يتميز عن الكلام اليومي هي طريقة تعبيرية وفنونه اللغوية وموسيقاه وسحر بلاغته.

إذا كانت القصيدة هي مصدر المعاناة وتنبع من قلب مؤلفها، فإن الشاعر يفهم دائمًا في نبرة القصيدة مدى تعبير القصيدة عن ألم وبؤس الشاعر نفسه وصدق ما عاشه وعاناه الشاعر. وهذا بالطبع   يعطي للقصيدة حياة وتأثير مضاعف.

على سبيل المثال، لنعد إلى قصيدة (خديجة كولاوي) للشاعر ماردين إبراهيم ولنفترض أنه بعد فراق طويل، يجتمع الشاعر مع نفس الأم التي كانت مصدر المحبة التي هي نفسها ولم تتغير، وقد لا يكون هذا اللقاء الهاما لقصيدة مؤثرة بقدر ما هو لحظة عابرة، ولكن كيف يقارن هذا بلقاء الأم التي تغيرت 180 درجة وتبدو قاسية القلب لدرجة أنها لا تتكلم ولا تتعرف على كبده الذي لم تراه منذ فترة طويلة وفراق طويل؟ سيكون هذا مثل القول بأن لون الماء أسود، لكنه في الحقيقة ليس الامر كذلك. فلربما مثل يعقوب، فراق فلذة الكبد كان سببًا في محو ذاكرة هذه الأم الحنونة والطيبة.

18

الشعراء والوحدة

لقد حقق عدد قليل من الشعراء يوتوبيا شعرية في الحياة الواقعية على نحو يرضيهم من حيث الأحلام والعواطف والاحترام والفهم والتعايش، إلا أن نسبة أخرى لم يتسن لهم ذلك.

قد يفترض الشاعر أن روحه المطلقة لا تتناسب مع نظام جبري مليء بالعادات الخاطئة والأعراف القاتلة، حتى ير بعضهم ان الزواج العرفي قد يشعرهم بأن هذه هي نقطة الصفر نحو نهاية الابتكار وتجديد الأحلام، في حين كان كل حبهم مكترثا للشعر مسبقًا؛ ثم إن الجمع بين الواجبات والمسؤوليات الإضافية، التي يخافون من عدم القدرة على الوفاء بها، والإتيان بجيل بائس إلى حياة مؤلمة، يصبح بحد ذاته ألم نص مأساوي لا نهاية له. في حين أنه يجب أن يكون هناك دائمًا حزن، دافع، وحرق للإبداع، والحياة بحد ذاتها لها نبرة حزينة مع اشارات النهايات.

ان هناك شعراء حافظوا على وجودهم المعنوي بالرغم من دخولهم في العلاقات الحميمية مثل الآخرين؛ لقد نجح البعض، ولم ينجح البعض الآخر، ولم يجربه البعض الآخر لحد الآن. وفي كل الأحوال، فإن الشاعر هو الذي يعاني باستمرار وكأنه يعاني من حزن وجودي كبير. كأنه باندماجه مع الكتابة الأولى للشعر قد عقد عهدًا مع المستحيل بأن لا ينام حتى الموت، و لا يظل هادئًا ما دام هناك ظلم، فهنالك مجال للتمرد دوما داخل الكلمات.

هذا غريب بعض الشيء ومثير للاهتمام، قد يغضب البعض ويفتح باب موضوع حيوي لآخرين، ولكن في النهاية هذا مجرد رأي ولا يقصد أحدًا بعينه، وإلا فكم هم جميلون الشعراء النادرون الذين يتألقون في نصوصهم وفي حياتهم الخاصة كذلك.

19

الغيرة قاتلة للروح الإبداعية

– هل يغار الشخص المبدع؟

– لا

– لماذا؟

– لأنه في وضعية لا يحتاج فيها إلى تعويض عدم كفاءته بالغيرة والحسد وخداع نفسه بكسر الآخرين.

دائمًا هو شخص صاحب التمييز بفضل عظمة وجمال الأعمال التي ينتجها، هو مشغول بأمور أعظم من الحسد، إذ أنه يكتب ليبدع كل جديد ومختلف عن السائد، هو في دوامة يكتشف فيها جوانب أخرى من الجمالية، إذا يتوقف فهو في يتفكر ويتأمل وإذا كتب يأتي بالجديد، ومن المؤكد أن (الغيرة) والحسد هي سمة مرضية قاتلة في الأفراد والمجتمعات المتخلفة.

20

أبراهام لينكولن وحلمه الغريب!

نحن نتحدث عن حلم الأخير لأبراهام لينكولن الرئيس السادس عشر ومحرر العبيد في الولايات المتحدة (1809-1865).

فهو كتب: لأنني كنت متعبًا جدًا من قبل وكنت أقرأ البرقيات من ساحات القتال. رأيت في حلمي، كان الجو صامتًا، سمعت صرخات منخفضة. بدا الأمر وكأن مجموعة من الناس كانوا يبكون، وفي بعض الأحيان كان الصمت يقطعه بكاء الجمهور، لكن هؤلاء الباكين لم يكونوا مرئيين. فتشت كل الغرف ولم أجد أحدًا، لكن صوت البكاء ارتفع أكثر، وفي كل غرفة رأيت الأضواء مشتعلة، وبدا مظهرها غير طبيعيًا. لقد تفاجأت وخفت وأردت أن أعرف سبب هذا الأمر الغريب: أمامي جثة ملفوفة بالكفن، وكان هناك حراس حول الجثة، وكان الناس هناك ملثمين وينظرون إلى الجثة بحزن، وكان بعضهم يبكي. سألت أحد الجنود: من مات في البيت الأبيض؟

فأجاب: يا سيدي، الرئيس.. لقد قتله قاتل.

لقد انفجر الحضور بالبكاء واستيقظت على أصواتهم. لم أستطع النوم تلك الليلة وهذا المشهد جعلني منزعجًا للغاية..

نعم، كان الأمر كذلك، فبعد أيام قليلة تم اغتيال الرئيس ومحرر العبيد (أبراهام لينكولن) من الخلف أثناء حضوره مسرحية من قبل جاسوس يميني يدعى جون ويلكس بوث.

21

شفرة الأحلام والشعر

أنا لا أتحدث عن السعادة والحزن في الأحلام وتأويلها، ولكن هناك أنواع كثيرة من الأحلام، بعضها تتضمن مشاهد، وأماكن مألوفة أو غير معروفة، وموضوعات لم تكن في ذهنك من قبل، وأحيانًا وجوه وعيون جديدة، وأحيانا مختلطة… أنا أرى أن الأحلام، مثل العديد من الألغاز الأخرى في هذا الكون والعالم الروحي، لم يتم تفسيرها بشكل صحيح وإعطائها حقوقها حتى الآن، لأنها أوسع وأعمق وأكثر تنوعًا، من بينها تقسيم سيغموند فرويد للعقل والنفس البشري إلى أجزائها الثلاث المعروفة.

فأنت يا شاعر الموهوب يمكنك أن تبدأ بكتابة حلمك فور استيقاظك وقبل أن تنساه، ثم تنظر إليه كنص شعري وترى ما هي الرموز وماذا تفتح لك؟ ما مدى دقة وعمومية هذا الحلم؟ ما هي العلاقة بين حدث أو عدة أحداث في الحلم؟ ما مدى معقولية هذا الأمر وما مدى ارتباطه بالسريالية؟ ما هو تأثير مستوى الوعي أو صفاء نفس الحالم على محتوى الحلم؟ أيهما يتعلق بالماضي، وأيهما يتعلق بالمستقبل، وأيهما يشبه وعد صديق غادر؟

غالبًا ما يُنظر إلى هذا الرأي على أنه أمر مضحك وممتع في آن معا، لكنني أعتقد أن هذا الموضوع نادر و شيق وسيترك بصماتها على الابداع الشعري إذا اشتغلنا عليه.

22

الشعراء والتقليد

قد يبدو هذا غريبًا بعض الشيء بالنسبة للبعض، فكيف يحاكيه الشعراء؟ قد نسأل أنفسنا أحيانًا هل الشاعر يقلد أم لا؟

للدخول في هذا الموضوع، نحتاج إلى إلقاء نظرة سريعة على المصطلحات والصور في القصائد، كم منها مصدرها التقليد والاستنباط من الطبيعة والحيوانات مثل الزهور والفراشات والشمس والقمر والأنهار والليل والشتاء وحتى السلوك البشري ويتم خلط استخدام هذه الأسماء مع الأفكار والخيال والرؤى لإنتاج نص أدبي، وكم منها استخدم فيها أسلوب التناص من الآخرين؟

إذن وعلى سبيل المثال لو تحدثنا عن (زهرة دوار الشمس) هناك علاقة مباشرة بين الشمس وهذه الزهرة، حيث إنها تدير وجهها دائمًا نحو الشمس، لكن الشاعر يشبه نفسه بالوردة وحبيبته بالشمس، أو الناس بالورود والشمس كرمز للحرية. لا أدري لماذا لم تكن الشمس ذات يوم رمزًا للحريق والليل مكانًا لراحة والسلام. لا يهمنا هذا هنا لأن هذا هو مجال حرية الاستخدام والتفسير للشعراء، لكنه مجرد رأي.

وكما أن الشعراء يقلدون الطبيعة فإنهم يقلدون شعراء آخرين دون وعي منهم، فمثلًا نرى شاعرًا يقرأ قصيدة لشاعر آخر فتظل في ذهنه صورة أو رمز يعجب به، ولذلك لا نستطيع أن نقرر بالسرقة بمجرد تشابه شيء ما في قصيدته مع شاعر آخر سبقه ذلك.

ومع ذلك، فإن المصطلح متاح للجميع بالتساوي (على الرغم من أنه في بعض الأحيان قد يكون لدى اثنين أو أكثر من الشاعرين نفس الفكرة عن موضوع هذا الشعر، أو يستخدمون عبارات وصور متشابهة دون أن يروا شعر بعضهم البعض، ولكن في كثير من التفاصيل ليس ذلك ممكنًا).

وفي الختام، يمكننا القول إن الشعراء يقلدون، ولكن لا نستطيع أن نقول إن كل تقليد سلبي. لا أعرف ما رأيكم في ذلك؟

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى