
عبد الله البردوني: صوت الحكمة والوجع اليمني
عبدالله صالح حسن البَرَدُّوْنِي Abdullah Al-Baradouni، شاعر وناقد أدبي ومؤرخ يمني، ويعد واحدًا من أبرز الأدباء والمفكرين العرب. لُقب بمعرّي اليمن نسبة إلى الشاعر الأعمى أبي العلاء المعري.
يُعد البردوني حالة خاصة في المشهد الشعري العربي، على مستويات متعدّدة؛ إنسانية وأدبية وسياسية. كان صاحب مجموعة «من أرض بلقيس» الصوت اليمني لجيل من الشعراء العرب الذي رفعوا أصواتهم عاليًا في صراعات الحرية والعدالة.
لم يمنعه هذا العمى من التقدم في الحياة والنيل منها بعيون قلبه وعقله ليتحول إلى حالة شعرية وفكرية قلّ نظيرها في المساحة العربية، لقد أبدَلهُ الله، بصيرةً نافذة عابرة للزمن، وشاعرية فذة جعلت منه واحدًا من أروع الشعراء العرب، واستحق عنها لقب «مستبصر العرب»، وهو ما دفع عباس بيضون أن يكتب عنه قائلًا: «عبدالله البردوني بمعنى ما معجزة الشعر كما كان المعري من قبل وطه حسين من بعد معجزة النثر». كما أطلقوا عليه بعد وفاة الشاعر محمد مهدي الجواهري لقب آخر شعراء الكلاسيكية العربية الكبار.
الحياة المبكرة
ولد البردوني عام 1929 في قرية البرَدُّون من أعمال مديرية الحدا محافظة (ذمار) جنوب شرقي صنعاء ومن بردون حمل اسمها، وهي قرية عادية من آلاف القرى اليمانية، التي تشكلت بمرور الزمن، وأخذت مكانها إما في سفح جبل، وإما على مرتفع بالقرب من أحد الوديان الزراعية. وقرية البردوني من النوع الأخير، فقد قامت على مرتفع صخري بالقرب من وادٍ دائم الاخضرار، تعيش عليه «البردّون» وقرى أخرى. وفي أحضان هذه القرية وفي ظل والده الفلاح ووالدته قضى الشاعر طفولته، حتى جاء موسم الجدري، وهو من المواسم الدائمة التي لم تكن لتتأخر عن اليمن، كأنه فصل ثابت من فصول العام التي تتبدل ولا تتخلف عن مواعيدها. وفي طريقه (أي: موسم الجدري) أخذ من كل قرية ومن كل مدينة ما استطاع حمله من الكبار والصغار، ليلقي بهم في المقابر، بعد أن ترك بصماته على بعض الوجوه، وبعض الوجوه انتزع منها أغلى ما فيها: العينين. وكانت عينا الطفل عبدالله من نصيب ذلك الموسم المتوحش!! وهو ما بين الرابعة والسادسة من العمر.
يقول الشاعر عبد العزيز المقالح: «فلا أحد يدري أيضًا متى كان ذلك، وهل حدث عندما كان في الرابعة أم الخامسة من عمره، أو قبل ذلك أو بعده؛ فالزمن الحقيقي لتحديد وقوع ذلك المصاب الأليم مجهول أكثر من تحديد زمن ميلاده»، وذهب ذلك «الجدري» لاحقًا لكن آثاره بقت على وجه شاعر اليمن كبثور صغيرة تشير تُذكِّر بالوباء القديم. وكان عندما يسأله أحدهم عن اليمن، يجيب بسخرية فريدة عُرف بها «إذا أردت رؤية صورة اليمن فانظر إلى وجهي».
وفي نهاية السابعة من العمر بدأ تلقي تعليمه الأولي في قريته (البردّون)؛ حیث استهلها بتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن وهو في السابعة من العمر، وبعد عامين انتقل إلى قرية (المحلة) وهي من قرى (عئس)، ثم انتقل إلى مدينة ذمار وهناك التحق بالمدرسة الشمسية فتلقى علوم الدين واللغة وعلم الكلام والأدب العربي والتاريخ، وحين بلغ الثالثة عشرة من عمرة بدأ يغرم بالشعر وأخذ من كل الفنون إذ لا يمر مقدار يومين ولا يتعهد الشعر قراءة أو تأليفًا، قرأ ما وقعت عليه يده من الدواوين القديمة، ثم انتقل إلى صنعاء قبل أن يتم العقد الثاني من عمره حيث درس في جامعها الكبير.
وفي صنعاء العاصمة التقى عددًا من الشخصيات المستنيرة المتطلعة إلى حياة أفضل. عمد إلى التثقيف الذاتي فنهل من المكتبات الخاصة والعامة ولاسيما ما يتعلق منها بالفكر والأدب قديمه وحديثه مدفوعًا كغيره من معاصريه برياح التغيير التي دخلت اليمن بعد الحربين العالميتين مدركًا أن الذي أسقط الحركات الوطنية هو التخلف الاجتماعي للشعب، فتعاطى السياسة في شعره ونثره فانتقلت القصيدة في شعره من التقليدية إلى الرومنسية فالرمزية فالواقعية، والمقالة إلى البحث والدراسة. ويظهر هذا عند مقارنة دواوينه وكتبه القديمة بالجديدة التي تناول فيها مختلف القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية والأدبية معتمدًا على التداعيات ومبدأ الفكرة تجر الفكرة وشجون الأحاديث ويتعمد أحيانًا في سبيل ذلك افتعال المواقف على نحو لا يجرؤ عليه غيره ليحرك الماء الآسن وفق تعبيره.
استطاع البردوني أن يتواصل مع ما يصدر في العواصم العربية المضاءة من دواوين شعرية لرواد القصيدة العمودية أمثال أبو القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وبشارة الخوري، وسليمان العيسى، وغيرهم. وبذلك تزوّد بمعين جديد ابتعد به عن محاكاة الموروث الشعري ونجح في كسر حاجز العزلة الثقافية ووصل – رغم أنف الليل والتخلف – إلى ما لم يصل إليه ملايين المبصرين في بلاده. معلوماته الدينية تزداد، خبراته في علوم العربية تتسع… ثم هذا الشيء الذي يسمى «الشعر» بدأ يلين له ويعطيه من بواكير فاكهته، ما لم يكن متوقعًا. ويحتفي الشاب الضرير بهذا الزائر الذي يسلّيه في وحدته ويعزف على أنغامه ألحان طموحه وآلامه.
اتُّهِم بالزندقة فدخل سجن ذمار ومنه نقل إلى سجن صنعاء، فقضى فيه مدة قصيرة. انتقل إلى دار العلوم في مطلع الأربعينيات وتعلم كل ما أحاط به منهجها حتى حصل على إجازة من الدار في (العلوم الشرعية والتفوق اللغوي) وحصل على ليسانس في اللغة العربية والفقه، ثم عين مدرسًا للأدب العربي في عام 1953، وقدّم للإذاعة اليمنية برنامجًا أسبوعيًا بعنوان (مجلة الفكر والأدب) استمر ثلاثين عامًا.
دواوينه ومؤلفاته
أصدر اثني عشر ديوانًا، وحملت دواوينه الاثنا عشر العنوانات التالية: «من أرض بلقيس» (1961) و«في طريق الفجر» (1968)
و«مدينة الغد» و«لعيني بلقيس» (1975) و«السفر إلى الأيام الخضر» و«وجوه دخانية في مرايا الليل» و«زمان بلا نوعية» و«ترجمة رملية لأعراس الغبار» و«كائنات الشرق الآخر» و«رواغ المصابيح» و«جواب العصور» و«رجعة الحكيم بن زائد».
ومن كتبه «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه» و«قضايا يمنية» و«فنون الأدب الشعبي في اليمن» و«الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية» و«من أول قصيدة إلى آخر طلقة» وهو دراسة في شعر الزبيدي وحياته.
وله مخطوطات لم تطبع: (رحلة ابن من شاب قرناها) ديوان شعر، و(العشق على مرافئ القمر) ديوان شعر، و(العم ميمون) رواية، و(الجمهورية اليمنية).
شعره
يُعد الردوني من الشعراء القليلين في اليمن الذي ما يزالون يحافظون على سمات الشعر والفن في القصيدة العمودية. وهو من القراء المواظبين على قراءة الشعر الجديد، يفيد من صوره الجديدة وتحرره في استخدام المفردات والتراكيب الشعرية الحديثة.
بدأ البردوني كلاسكيًا يقلد القدماء ويقف طويلاً عند أبي تمام ثم تأثر بالرومانسيين.
وتميز البردوني عن غيره اللغة الشعرية التي تمكّن من انتزاعها من البيئة المحلية اليمنية وإدراجها في سياق النص الشعري الفصيح، وتخصيب نصّه بالرموز الإنسانية التي تمنح النص ثراء دلاليًا وتوسع أفقه الثقافي، واشتغال نصّه الشعري على أسلوب المفارقة، الأمر الذي منحه طاقة جديدة، وفتح أمام المتلقي مفاجآت من شأنها أن تكسر أفق التلقي، واستلهام المعطيات السردية في النص، والشغف بالتجريب الذي لا ينبت عن الأفق الرؤيوي للشاعر.
البردوني علامة فارقة في مسيرة الشعر العربي الحديث، لأنه تمكن من تطويع القصيدة لمقتضيات حركة الحداثة الشعرية من زاويتي الرؤية والبنية، مع الحفاظ على الشكل الخليلي الذي ظل وفيًّا له دون سائر شعراء العربية الذين جايلوه.
امتاز المنجز الشعري للبردوني بقربه من هموم بلاده وآلامها وإنسانيتها، حيث استطاع انتزاع المعاني من البيئة المحلّية اليمنية وتطويعها في النص الفصيح، وقد عُرف عنه كثرة استخدامه للمفارقات اللغوية، إضافة إلى قدرته على صياغة القصص شعرًا.
كان البردوني، حداثيًا، ولم يكن قبليًا. غلبت على «قصائده» الرومانسية القومية، وتميز أسلوبه بالسخرية والرثاء، وهو ما أودى به إلى السجن في عهد الإمام أحمد حميد الدين.
مرّ شعره بمحاولات للتغيير السياسي. أولى تلك المحاولات تمثلت في الثورة الدستورية، وزمانها فبراير 1948، ولكنها انتهت
بالفشل، فقد ساق الطغيان المنتصر قادتها إلى المشانق، وذهب إلى تعليق رؤوسهم في مداخل بعض المدن للتخويف والإرهاب. وتأتي المحاولة الثانية في شكل انقلاب أبريل 1955، الذي انتهى بقطع رؤوس القائمين به، وكانت دماؤهم الزكية -كدماء أسلافهم- وقودًا للتغيير الكبير والشامل الذي تجسد في ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، وهي الثورة التي نجحت بعد أن تكالب عليها أعداء كثيرون وفازت بمساندة مصر العربية بقيادة جمال عبدالناصر، وكانت بمنزلة إعلان حاسم بتحرير جنوب البلاد من الاحتلال البريطاني وخلاص اليمن بشطريه: المحتل والمعتل، من الحكم الأجنبي والحكم الملكي المتخلف معًا.
وفي غضون هذه المحاولات التغييرية دخل الشاعر السجن في أوائل الخمسينيات، مع عدد من طلاب المدرسة العلمية المقاومين للنظام الملكي الإمامي المتخلف، والذين كانوا قد بدأوا في كتابة المنشورات وتوزيعها لتعرية المسكوت عنه ولإيقاظ الشعب من السبات, وإعادة الثقة إلى نفسه بقدرته على التصدي للظلم والفساد، ووضع حد لما كانت تعانيه البلاد على أيدي أولئك الحاكمين الذين أغلقوا أبواب اليمن وعزلوا مواطنيه عن بقية أشقائهم في الأقطار العربية، وعن العالم، تحت دعاوى الحفاظ على الاستقلال والخوف من الأجانب الذين كانوا قد استقروا في جنوب البلاد وتمدد نفوذهم إلى مناطق كانت بعد خروج العثمانيين تعد ضمن المناطق «المستقلة». وفي السجن كتب البردوني قصيدة بالغة الحزن من أبياتها:
هدَّني السجنُ وأدمى القيدُ ساقي
فـتعـاييت بجـرحـي ووثـاقــي
وأضعتُ الخطوَ في شوكِ الدُجَى
والعمى والقيد ُ والجرحُ رفـاقي
ومـللــتَ الـجــرحَ حـتى مـلَّـني
جرحي الدامي ومكثْي وانْطلاقي
وتلاشـيتُ فـلـم يبـقَ ســـوى
ذكـريات الدمْعِ في وهْم المآقي
وفي أثناء تلك المرحلة من تاريخ اليمن وحياة الشاعر كان الخلاف قد بلغ أشده على ولاية العهد ومن يخلف الإمام أحمد حميد الدين على العرش بعد وفاته. ولم يقف الانقسام في نطاق الأسرة الحاكمة والموالين لها إلى حسنيين وبدريين، بل وصل إلى حركة المعارضة نفسها، التي انقسمت إلى جمهوريين و«بدريين»، نسبة إلى ولي العهد محمد البدر بن الإمام أحمد الذي وجد له أنصارًا في صفوف المعارضة، على اعتبار أنه أهون من عمه الحسن بن يحيى المطالب بالعرش من بعد أخيه. وقد أوجز البردوني وجهة نظر الجمهوريين في الأبيات التالية:
لن يستكينَ ولن يستسلمَ الوطـنُ
توثب الروح فيه وانحنى الوطـنُ
أما تُرى كيف أعلا رأسَه ومضَى
يدوسُ أصـنامَـه البلـهـا ويمتـهنُ
وهبَّ كالماردِ الغضبانِ مُتّـشحًا
بالنارِ يجـتذبُ العليا ويحـتـضـنُ
فزعزعتْ مـعقلّ الطغيانِ ضربتُه
حتى هوى وتساوى التاجُ والكفنُ
وأذَّنَ الفجرُ من نيـرانِ موقعـه
والمـعـجـزات شـفـاهُ والدَّنا أذُنُ
لا البدر لا الحسن السجّان يحكمنا
الحُكْم للشعبِ لا «بدرٌ» ولا «حسنُ»
ظل البردوني عالمًا قائمًا بذاته يرفض كل ما هو مسلَّم به ومقدس، ويأخذ من كل فن بطرف باحثًا عن الجمال والكمال في
المجهول الغائب الذي كان يرسمه في مخيلته كما يشاء فالزمان والمكان ليسا التاريخ، وإنما هما وعاء له يكتسبان صفاتهما منه، والتاريخ ليس التعاقب للسنين والأحداث وإنما هو مجمل الأعمال الإنسانية، والذي يدون وسيدون في الكتب ليس كل شيء عن الإنسان والحياة وإن كتب التاريخ الرسمية لا تفي بالحقيقة المجتمعية ولا تعبر عنها. لذلك انغمس في الموروث الشفاهي والشعبي في العادات والتقاليد والأمثال والأهازيج سعيًا وراء هدم العوائق التي تحـول دون اكتشاف الحقيقة ولمواجهة الوعي الزائف الذي كان سائدًا.
كان يستدعي الرموز التاريخية والوطنية ليحاكمها كما يريد، ويطرح إسقاطاته عليها خارج زمانها ومكانها.
تحولت الشخوص عند البردوني وجوهًا دخانية كما في ديوانه (وجوه دخانية في مرايا الليل) تلك المرايا التي رأى فيها الأشياء معكوسة كما في قصيدته (وجه الوجوه المقلوبة) وقد حاول فيها إثبات علاقة المتوازي بين الأضداد وبصورة متكررة كقوله:
سـيّانِ الـقـاتـلُ والمقـتول سـيّانِ الشامـتُ والجـاني
سـيّانِ الموطـنُ والمنـفى سـيّانِ الظـافـرُ والعــاني
سـيّانِ المُـعْـطي والمُرْدي سـيّانِ المَــرّئي والــرائي
وتتبادل الأبعاد مواقعها:
فالفـوق سـقـوطٌ صخـريٌّ والتحـتُ سـقـوطٌ إنسانيّ
نفـسُ النوعِ الأعلى الأدنى وجـهُ الأول وجـه الثـاني
اغترب منجذبًا إلى اللانهائي ليندمج في الحضور الكلي والفاعل فنراه يسترجع ذاكرته متسائلًا:
رُدّي يا ضـوضـاءُ المـوتى صَـوتي وبقـيـةَ أحـزاني
يا وَهْجَ الزّيف أعِدْ بصري يَبِسَـت عـيناك بأجـفـاني
ثم يفتح بصيرته ليقودنا معه إلى الحقيقة التي ظل يبحث عنها:
جلدي من لندن من رومة وقـوامـي (كـوزٌ جَهْرَاني)
يمـنيٌ أمــيٌّ لــكـــــن حـدسي أقـرأُ من يوناني
القات الغـربـة والـذكـرى والـهـم الـداني هـمـداني
كالـورد أمـوتُ لكي تدري (أروى) أن العِـشـق يماني
الأعمال التي شغلها البردوني
رأس البردوني لجنة النصوص في إذاعة صنعاء، ثم عين مديرًا للبرامج في الإذاعة إلى عام 1980، واستمر في إعداد أغنى
برنامج إذاعي ثقافي في إذاعة صنعاء (مجلة الفكر والأدب) بصورة أسبوعية طيلة الفترة من عام 1964 حتى وفاته.
عمل مشرفًا ثقافيًا على مجلة الجيش من 1969 إلى 1975، كما كان له مقال أسبوعي في صحيفة 26 سبتمبر بعنوان «قضايا الفكر والأدب» ومقال أسبوعي في صحيفة الثورة بعنوان «شؤون ثقافية».
ويُعد البردوني من أوائل من سعوا لتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وقد انتخب رئيسًا للاتحاد في المؤتمر الأول.
نصير المرأة
وأدى تعاطفه مع حقوق المرأة الشرعية إلى أن يصبح أبرز المدافعين عن النساء في المحاكم وبالذات المطلقات، واللواتي يتعرضن لاغتصاب الإرث من أخوتهن، حتى عرف حينها بمحامي المطلقات.
الجوائز
نال البردوني جائزة أبي تمام بالموصل عام 1971، جائزة شوقي للشعر بالقاهرة عام 1981، جائزة الأمم المتحدة «اليونسكو»
والتي أصدرت عملة فضية عليها صورته في عام 1982 تكريمًا له كمعوق تجاوز العجز، حصل على وسام الآداب والفنون من عدن 1982، وجائزة صنعاء 1984، وجائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن عام 1984، جائزة سلطان العويس بالإمارات 1993.
في عام 1984 حصد جائزة مهرجان «جرش» الرابع بالأردن.
اكتُشف عبد الله البردوني عربيًا قبل أن يُكتشف يمنيًا، وقد كانت قصيدته (أبو تمام وعروبة اليوم) هي بوابة العبور إلى عالم الشهرة، حين ألقاها في مهرجان الشعر العربي في الموصل بالعراق عام 1971، ويُروى أنه كان ضيف الموصل في مهرجان أبي تمام، وقيل إنه دُعي إلى المنصة، وكان بسيط الثياب، فلم يعره الجمهور ــ أول الأمر ــ أي شيء، لكنه ما إن صعد المنصة، وقرأ قصيدته الشهيرة التي خاطب فيها أبا تمام ناسجًا فيها يهدي قصيدة أبي تمام الشهيرة في فتح عمورية، التي جاء في مطلعها الشهير:
السـيف أصدق إنباء من الكتبِ
في حــدِه الحـدُ بين الجــد واللعبِ
ويُقال ــ والعهدة على القائل ــ أن الجواهري الكبير لحظة سماعه هذه القصيدة، قام من مجلسه، وقال إن هذه القصيدة لا تُسمع إلا وقوفًا.
ومن هذا التاريخ أصبح للبردوني حضور وإشهار، ولا أقول «شعرية»، فهو شاعر كبير قبل مهرجان أبي تمام وبعده، ولكن الدعاية والإشهار، حصلا له بعد هذا المهرجان المهم.
فيما جاءت قصيدة البردوني على نسجها ولكن بمزاج آخر ومطلعها:
مـا أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب
وأكـذب السيف إن لم يصدق الغضب
بـيض الـصفائح أهـدى حين تحملها
أيـد إذا غلـبت يـعلـو بــهـا الغلب
وأقـبح الـنصر… نصـر الأقـوياء بلا
فهم سوى فهم كم باعوا وكم كسبوا
أدهـى مـن الـجـهـل علم يطمئن إلى
أنـصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا
قـالوا: هــم الـبشـر الأرقى وما أكلوا
شيئًا.. كـما أكلوا الإنسان أو شربوا
مـاذا جــرى… يـا أبا تمام تـسـألـنـي؟
عفوًا سـأروي ولا تسأل وما السبب
يـدمي الـسـؤال حـياءً حـين نــسـألــه
كـيف احتفت بالعدى حيفا أو النقب
مـن ذا يـلبي؟ أمـا إصـرار معتصم؟
كلا وأخزى من الأفشين مـا صلبوا
الـيوم عـادت عــلـوج (الروم) فاتحة
ومـوطنُ الــعَــرَبِ الـمسلوب والسلب
مـاذا فــعـلـنا؟ غـضبنا كـالرجال ولم
نـصدُق.. وقـد صدق التنجيم والكتب
وفي بعض أبياتها يقول الشاعر الراحل:
حبيبُ وافـيتُ من صـنـعــاءَ يحـمـلـني
نسرٌ وخـلـف ضلوعي تلهثُ الـعـربُ
مـاذا أحـدثُ عـن صـنـعــاءَ يـا أبـتـي
مليحةٌ عـاشـقـاهـا الـسلُّ والـجــربُ
مـاتت بـصـندوق (وضـاح) بـلا ثـمـنٍ
ولم يمت في حشاها العشق والطرب
ويقول كذلك في القصيدة نفسها:
حبيب مازال في عينيك أسـئلة
بدو .. وتنسى حكاياهــا فتـنتـقـب
وما تزال بحـلقـي ألف مبكية
من رهـبـة أبوح تستحيي وتضـطـرب
يكفيك أن عدانا أهدروا دمنا
ونحن من دمنا نحـسـوا ونحتلب
سحائب الغزو تـشـوينا وتحجبنا
يومًا ستحبل من أرعادنا السحب؟
ألا ترى يا (أبا تمـام) بـارقـنا
(إن الـسماء ترجى حين تحتجب)
تنبأ الشاعر اليمني بأحداث عدة في شعره، بما يكشف عن رؤى واضحة بعيدة المدى.. ففي قصيدته (أبو تمام وعروبة اليوم)، يتحدث عن حال العرب، كما تناول «ضياع صنعاء» بقصيدة، ينادي فيها صنعاء بالثورة والانتفاضة مثلما هي الآن.. يقول فيها:
صنعاء يا أخـت الـقبور ثوري فـإنكِ لم تثوري
صنعاء من أين الطريق إلى الرجوع أو العـبور
ما زال يخذلكِ الزمـان فـتـبزغين لكي تـغوري
يا شمس صنعاء الكسول أمـا بـدا لكِ أن تدوري
أما قصيدة «سفاح العمران»، ففي كلماتها وصف للواقع اليمني الحالي، ويهجو فيها البردوني، شخصية القاتل والمدمر للعمران والمباني والمنازل، بأنه ورث عن فأر سد مأرب خطة الهدم اللعينة، وأنه سارق اللقمات، وناهب الغفوات من أجفان «صنعاء» السجينة، تشبيهًا دقيقًا لما تشهده العاصمة اليمنية صنعاء اليوم.
بل إن قارئ القصيدة، سيشعر، ومن عبارات هجو القاتل الهدام، بالأحداث التي مر بها اليمن حتى اليوم من هدمٍ وتفجير، وكأنه ورثها عن فأر سد مأرب.. وها هي بعض أبياتها:
يا قاتـل العمران .. أخـجـلـت المـعـاول.. والمكـينة
مضـيت من هـدم إلى.. هـدم، كعاصـفـة هجــينة
أخرجـتـهـم كاللاجـئـين.. بلا معـين، أو معـيـنة
فمشوا بلا هدف، بلا.. زاد، سـوى الذكرى المهينة
يستصرخون الله والإنسان.. والشمـس الحزينة
حتى المساجد، رعت فيها الطّهر، أقلقت السّكـينة
يا ســارق اللّقمات من .. أفـواه أطـفـال المديـنة
يا ناهـب الغفوات، من.. أجفان «صنعاء» السّجينة
من ذا يكفّ يديك، عن عصـر الجــراحـات الثخـينة
وفي قصيدته «صنعاء الموت والميلاد»، التي تنبأت بانتفاضة الشعب اليمني، وانتصاره لنفسه والتي كتبها البردوني عام 1970، أي قبل 50 عامًا.. بدت، وكأنها كتبت بالأمس، وفي مواضع منها يقول:
ولدت صنعاء بسبتمبر.. كي تلـقى المـوت بنوفمبر
لكن كي تـولد ثانية.. في مايو.. أو في أكـتوبر
في أول كانون الثاني.. أو في الثاني من ديسمبر
مـادامت هجعتـها حبلى.. فولادتها لن تـتأخـر
رغم الغثيان تحن إلى.. أوجاع الطلق ولا تضجر
أشلاء تخفق كالـذكرى.. وتنام لتحلم بالمحشر
ورمــاد نهار صيفي.. ودخان كالحلم الأسـمـر
ونداء خلف نداءات.. لا تنسى عبلـة يا عـنتر
وتـموت بـيوم مشهور .. كـي تولد فـي يوم أشهر
وتـظل تموت لكي تحيا.. وتموت لكي تحـيا أكـثر
الرحيل
توقف قلب البردوني النابض بالحیاة في الساعة الحادیة عشرة صباحًا، من یوم الاثنين، 30 أغسطس 1999. الموافق 18/ 5 / 1420 هـ. مات البردوني من غير أن يعقب، ولكنه أنجب الكثير من بنات أفكاره.
عاش البردوني فیها حیاة فكر وأدب، وكان بحق شمعة أضاءت في دیاجیر الیمن في عصوره السوداویة، وكان رمزًا للأدیب المكافح، والشاعر المناضل، الذي قدم نفسه فداء لوطنه.



