وانغ منغ: الأدب رسالة حب أخطها إلى الحياةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 07:58:20

ميرا أحمد

مترجمة وكاتبة وباحثة في الشؤون الصينية - مصر

حوار

ترجمة: ميرا أحمد

في السابع عشر من سبتمبر عام 2019، قبيل احتفال الصين بمرور سبعين عامًا على تأسيس جمهورية الصين الشعبية. وقع الرئيس الصيني شي جين بينغ مرسومًا رئاسيًا بمنح الكاتب الكبير وانغ منغ وثلاث شخصيات آخرين اللقب الفخري "فنان الشعب". وفي الثالث والعشرين من سبتمبر اختيرت رواية وانغ منغ "يحيا الشباب" كي تنشر من خلال ثماني دور نشر صينية وذلك ضمن "مجموعة الأعمال الأدبية احتفالاً بمرور سبعين عامًا على تأسيس الصين الجديدة". وفي أغسطس 2019 أجرى الكاتب وانغ منغ لقاءً صحفيًا أثناء مشاركته في تصوير سلسلة من الأفلام القصيرة عن "تأثير وقوة الأدب" لشبكة الكتاب الصينيين، وتحدث في اللقاء كونه شاهدًا على تأسيس الصين الجديدة، واستحضر ذكرياته الأدبية القيمة طيلة سبعين عامًا.

"كان ذلك اليوم مشرقًا.. كان ذلك اليوم مجيدًا"

شبكة الكتاب الصينيين: باعتبار سيادتك شاهدًا على تأسيس الصين الجديدة، يمكن أن تحدثنا عن المناخ الاجتماعي آنذاك من وجهة نظرك الخاصة؟

وانغ منغ: ولدت في عام 1934، وفي عام 1937 احتلت القوات اليابانية الصين وعشت ثماني سنوات تحت وطأة الاحتلال الياباني، وأمضيت فترة المرحلة الابتدائية أثناء الحرب الدائرة بين البلدين. وبعد انسحاب القوات اليابانية، تأسست جمهورية الصين الشعبية، فاتصلت بمنظمة الحزب الشيوعي الصيني السرية، وفي أكتوبر عام 1948 وكنت قد بلغت الرابعة عشر من عمري انضممت إلى منظمة الحزب السرية، وكنت عضو حزب مرشحًا. وفي الأول من أكتوبر عام 1949 شاركت في الحفل التأسيسي والعرض الجماعي في ميدان السلام السماوي باعتباري طالبًا في المرحلة الثانية من عصبة الشبيبة الشيوعية. فبالفعل أنا شاهد على تأسيس الصين الجديدة.

فشعوري عميق بذلك اليوم، فقد شهدت التحولات والتغيرات من الانتقال من الصين القديمة إلى الصين الجديدة. كانت الصين القديمة منهكة ويائسة، وقد نخر اليأس أرواح الناس عميقًا وعجزوا عن فعل شىء. في تلك الفترة بات التضخم وأسعار السلع أشبه بمزحة، فكنت تجد في الصباح سعرًا وفي الظهيرة سعرًا وفي المساء سعرًا آخرًا. في ذلك الوقت صار الطحين الأجنبي عملة، فعلى سبيل المثال، إذا رغبت في استئجار منزل ينبغي استخدام الطحين الأجنبي؛ فالمنزل المتوسط يتطلب أربعة أجولة من الطحين، والمنزل الفاخر يتطلب عشرين جوالاً. اكتظت بكين بمكبات النفايات، وملعب دونغدان الرياضي كان مكبًا كبيرًا للنفايات، وفي عشية تأسيس الصين الجديدة كانت الأجواء صاخبة وحية، فتحدد العلم الوطني والنشيد الوطني واسم الجمهورية حتى جاء الأول من أكتوبر المجيد، وفي الحفل أعلن الزعيم ماو بلهجة هونان تأسيس الصين الجديدة. ما زالت ذكريات ذلك اليوم حية في ذهني. احتشد الجماهير وهتفوا للزعيم ماو "يحيا الزعيم! يحيا الزعيم" أيضًا بلهجة هونان، وأذكر أنه رد الهتاف قائلاً: "يحيا الشعب! يحيا الشعب!" وأذيع خطاب الزعيم ماو وقتها مرات ومرات عبر الراديو: "قضيتنا هي تحقيق العدالة وقضية العدالة لا يمكن انتهاكها من قبل أي عدو". لم أكن أجيد لهجة هونان، وقتها كنت صبيا، لكني أحببت أن أتعلم اللهجة عبر الإذاعة، فأحسست أن صوت الزعيم ماو ينبض بالحياة.

كان هناك عرض عسكري، وبلا شك لم يكن يشبه العروض العسكرية في الوقت الحالي، وكان المشهد مهيبا. في أيامنت هذه يختفي سلاح الفرسان من العروض العسكرية، لكن في ذلك اليوم المجيد رأيت الفرسان يمتطون الخيول في ساحة ميدان تيانآنمن، فأحسست بحماسة بالغة.

لم تشهد الصين حكومة على هذا القدر من الكفاءة مثل حكومة جمهورية الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، حتى مكبات النفايات التي تحدثت عنها منذ قليل، لم يمض سوى ثلاثة أيام على مجئ قوات جيش التحرير الشعبي، حتى اختفت هذه المكبات، الأمر كان في منتهى البساطة. كان الحزب الشيوعي الصيني في عجلة من أمره، فأمر بإزالة النفايات وبات يعمل ليلاً ونهارًا دون توقف واستخدم كامل طاقته في تطهير المكان. على أي حال هذا هو ما صادفناه من حسن الطالع في جيلنا، ونشعر بتأثر كبير ونحن نقف على أعتاب التاريخ ونتطلع إلى جمهورية الصين الشعبية وإلى الحزب الشيوعي الصيني. 

شبكة الكتاب الصينين: انتهت الحكومة القديمة وأعلن تأسيس الصين الجديدة. في ذلك الوقت كيف كانت الحالة المعنوية لمن حولك؟ وهل كان الشعب يشعر بالثقة؟

وانغ منغ: نعم، كانت الغالبية العظمى تشعر بالسعادة، فقد أضفى الحزب الشيوعي الصيني روحًا جديدةً وهي الثقة.. وتردد صوت الأغنيات الشعبية.. وصوت الرقصات الشعبية الريفية.. وصوت الإيقاع المتناغم، وخمد صوت حزب الكومينتانغ. ولا شك أن بعض الفئات راحت تشكك في مصداقية الحزب وملأ الخوف قلبها وراحت تهمس بالكلمات، لكني لم أتقرب إلى هؤلاء المشككين، بل كل ما استشعرته وقتها فرحًا يعم الأرجاء.. فرحًا لا متناهي.

شبكة الكتاب الصينيين: بعد تأسيس الصين الشعبية في خمسينيات القرن الماضي، ظهرت مجموعة من الأعمال الأدبية عكست الفترة الاجتماعية آنذاك ومن بينها روايتك "يحيا الشباب". ما هي ذكرياتك عن أدب هذه الفترة؟

وانغ منغ: ازدهرت الأجواء في بداية تأسيس الصين الجديدة بشكل غير مسبوق، وقبل الحديث عن هذه الأجواء أرغب في البداية الحديث عن منشآت تلك الفترة المنقضية. فهل كانت بكين تمتلك دور عرض الأفلام قبل التحرير؟ لم يتم إصلاح أي دار من دور العرض في عهد حزب الكومينتانغ، ولم يكن هناك سوى دور العرض التي كانت موجودة أثناء فترة الاحتلال الياباني. وبعد عام أو عامين من التحرير أصلحت دور العرض القديمة. وقد أولوا اهتمامًا بشىء آخر، فقد تأثرت منذ الصغر بوالدي فكنت أرى أن السباحة رياضة هامة للمرء وإحدى الثقافات الجديدة. لم يكن هناك مسبح في بكين، وعند تأسيس الصين الجديدة شيد ملعب لممارسة الرياضة، ومسبح في شنشاهاي، وعين لهما إدارة رسمية. هذه الأشياء كانت تعني لها الكثير. وعند العودة إلى الحديث عن الأعمال الأدبية في تلك الفترة، فقد ظهرت العديد من الأعمال الأدبية التي لفتت الانتباه مثل "الشمس تشرق على نهر سانغان" للكاتب دينغ لينغ، و"العاصفة والمطر" للكاتب تشو لي بوه، و"تحولات في عائلة لي" للكاتب تشو شو لي، و"أحاديث ليوتساي"، و"استضافة عائلتين" للكاتب كانغ تشوه. ضخت هذه الأعمال دماء جديدة للأدب في تلك الفترة، فلك أن تتخيل كيف كانت ستسنح الفرصة لمعرفة الأعمال التي تعكس ملامح الحياة الواقعية والفكر الجديد والقوى السياسية الجديدة في ظل حكم حزب الكومينتانغ؟ وبعد وقت قصير من تأسيس الصين الجديدة، طرح كتاب بعنوان "الحماية والأمان" وحظى الكتاب بتقييم رائع من قبل النقاد، ولاقى ترحيبًا كبيرًا من قبل القراء في آن. وفي عام 1953، عقدت العزم على كتابة رواية "يحيا الشباب" وكانت الجملة الأولى التي كتبتها "إلى كل الأيام الآتية، اقبلي أيتها الأيام لأنسج الشباب من خيوط الذهب وأنظم من حبات اللؤلؤ السعادة.. اقبلي أيتها الأيام". وقتها كنت أشعر بروعة ومجد الأيام في عهد تأسيس الصين الشعبية وبأن هذه الأيام التي أحياها ثمينة جدًا.

وأظن أن الجميع في ظل تأسيس الوطن الجديد والحياة الجديدة والتاريخ الجديد كان لديهم ذات الإثارة والحماسة، فراحوا ينسجون الأحلام البهيجة. أعني أن هناك خلفية مشرقة ومضيئة لفترة شبابي الذي عشته حتى مع حدوث التحولات والانعطافات. وحينما تستحضر الذاكرة هذه الخلفية المشرقة لا تتغير أفكاري وأمنياتي وتوقعاتي نحو تأسيس جمهورية الصين الشعبية، ولن تتغير إلى الأبد، وأنا على يقين أن تقلبات الزمان لن تستمر إلى الأبد، ولن تدوم صعاب الحياة.

كانت هناك نظرة تفاؤلية حملتها الأعمال الأدبية في تلك الفترة حتى لو كانت تحمل شيئًا من السذاجة وعدم النضج، وبدون هذه النظرة التفاؤلية وبدون هذه السذاجة، فكيف ستصل الثورة إلى ذروتها! وينبغي أن تتراكم الخبرات الإنسانية للبشر ولا يمكن أن تشعر بالرضا نحو هذه السذاجة. إن تكوين مثل هذه الخلفية المضيئة والرؤى المستنيرة هي أغلى الثروات التي حققتها الصين الجديدة.

"كان لدي طريقة أخرى في اكتساب المهارات وهي مواصلة التعلم"

شبكة الكتاب الصينيين: قلت منذ قليل إنك شهدت الكثير من التحولات في حياتك، لكن منذ أن بدأت في كتابة رواية "يحيا الشباب" حتى الآن وقد واصلت الحالة الإبداعية لما يقرب من سبعين عامًا، وعلى ما يبدو أن تلك السنوات التي قاربت السبعين عامًا لم تنقطع؟ فحياتك أشبه برواية "يحيا الشباب".

وانغ منغ: نعم، أنا اشعر بهذا، وقد ذكرت في البداية أن الخلفية المضيئة لتأسيس الصين الجديدة شكلت فترة شبابي منذ العاشرة حتى بلغت الثلاثين من عمري. الشاعر بي داو نظم قصيدة شهيرة بعنوان "أنا أشك"، بينما نحن كتاب هذا الجيل نثق في جمهورية الصين الشعبية ونثق في الحزب الشيوعي الصيني، ونثق في الاشتراكية وفي الخطة الخماسية، نثق في كل شىء. هل ليس هناك نقاط ضعف في كل ما نثق ونؤمن به؟ بالطبع هناك نقاط ضعف، وربما الاستعدادات غير كافية لتقلبات الحياة وتعرجات الدرب، وربما الاستعدادات غير كافية لاستيعاب الفروق بين أبناء الشعب. وقد واجهت بعض الصعوبات حينما ذهبت للعيش في شينجيانغ، لكنها فرصة عظيمة سنحت لي للعيش مع مختلف القوميات، والتعايش مع المزارعين داخل الكومونات الشعبية، وأعتقد أن مثل هذه الفرصة من الصعب أن تتاح لكل الأشخاص.

على سبيل المثال، ليس من السهل على شخص من شينجيانغ أن يأتي ويعيش في بكين، وهل تعتقد أنه من اليسير على شخص من بكين الذهاب والعيش في شينجيانغ حيث الأقليات القومية؟ ومن منظور أدبي، يمكن القول إنني عشت في شينجيانغ تجربة إنسانية ثرية جدًا. ولا شك أنه يستوجب عليّ التعامل مع الناس والاحتكاك بالمناطق المترامية على الحدود، ومعرفتي بمنطقة وانغفوجيانغ وشيدان وبيشينغتشياو وشارع منغدا هل يجعل مني كاتبًا عظيمًا؟ فاتجهت للعيش في شينجيانغ حيث تعرفت طيلة هذه السنوات على أماكن مختلفة. عرفت خنان وقانسو ومنغوليا الداخلية ونينغشيا وتيانشان وصحراء تاكليماكان وتوربان وبحيرة سلبم. كنت في الماضى أشعر أن حديقة بايهاي رائعة، واقتنعت تمام الاقتناع بالروعة حينما رأيت بحيرة كومينغ في القصر الصيفي، لكن حينما رأيت بحيرة سليم فطنت أن العالم رحب، بل رحب جدًا.

وكان لدي طريقة أخرى في اكتساب المهارات وهي مواصلة التعلم. دائمًا ما يسألني الآخرون: ماذا فعلت طيلة ستة عشر عامًا قضيتها في شينجيانغ؟ سأخبرك أنني وصلت إلى مرحلة ما بعد الدكتوراه في شينجيانغ في اللغة الويغورية، أمضيت عامين في الدورة تحضيرية وخمسة أعوام دراسة في الجامعة، وثلاثة أعوام طالب ماجستير وخمسة أعوام في تحضير الدكتوراه، وعامين ما بعد الدكتوراه فيكون إجمالي الأعوام ستة عشر عامًا، لذلك أنا الآن في مرحلة ما بعد الدكتوراه في دراسة اللغة الويغورية. وفي كل مرة أتحدث إلى أحد وأحكي عما حققته، استمع إلى كلمات المديح والإعجاب حتى أنه لا يصدق ما حققته طيلة هذه السنوات. فدعونا نتعلم! فمن خلال التعلم ستهون كل الصعاب التي تعترض دروبنا! وفي أصعب الأوقات وأحلك الأيام يكون التعلم هو أفضل الأشياء؛ لأن في هذا الوقت العصيب لا تملك شيئًا آخرًا تفعله، وكل ما عليك فعله هو اكتساب المعارف الجديدة، بمنتهى التفاني وبمنتهى الإخلاص!

"عندما أشرع في كتابة عمل أدبي أشعر أن كل خلية من خلايا جسدي تنتفض، وكل عصب من أعصابي يرتجف"

شبكة الكتاب الصينيين: قد يتسنى للجميع الذهاب إلى أماكن عدة وتجربة أشياء عدة، لكن لا يتسنى للجميع الكتابة عن هذه الخبرات، ولم يبلغ جميع الكتاب درجة الإبداع التي بلغتها. في بداية عام 2019 نشرت رواية "روعة الحب" ثم توالت بعدها الأعمال.  وقبل "روعة الحب: قلت " الأدب هو رسالة حب أخطها إلى الحياة". فماذا يعني الأدب لك؟

وانغ منغ: كي أجيبك ينبغي العودة بالسنين إلى الوراء.. ماذا يعني الأدب لي؟ الأدب هو كل ما تأثرت به، هو كل غال ونفيس، وكل الأيام التي أحببتها ورحت أسجلها وأبدعها، حتى تشعر وأنت تطالع هذه الأعمال أنك عشت معي ذات الأيام وأنا لم أعش هذه الأيام فحسب، بل وقعت في هواها، ويأخذني الحنين إليها. فقد كتبت عن تفاصيلها ووصفتها وفكرت مرارًا وتكرارًا بها. بهذه الطريقة استطعت أن أحتفظ بهذه الأيام على جدار ذاكرتي، فإذا لم أكن كتبت رواية "يحيا الشباب" من المؤكد أنني ما كنت نسيت تلك الأيام المنقضية، لكن لن أستطيع أن أستحضر كل تفاصيلها أو تكون حية في ذهني. فأنا لا أتحرج أن أقول إنني الآن قد بلغت الخامسة والثمانين من عمري، ورغم هذا ما زلت أحتفظ بحماسة صبي في الخامسة عشرة، وربما هذا يدعو إلى شىء من السخرية!

فمن أكبر مميزات الأدب أنه يحتفظ بتفاصيل الحياة ويرصد خبراتها، يسجل ويبقي على مشاعرك الخاصة، وحبك لتراب وطنك، وحبك لوطنك ولتاريخك ولشعبك.. الأدب يحمل معاني سامية، فإذا لم أكتب رواية "يحيا الشباب" لما صار لدي الآن الكثير من الكلمات عن تلك السنوات التي راحت، وإذا لم أكتب رواية "مشاهد من شينجيانغ"، لما استطعت الحديث عن حياة أبناء شينجيانغ. وفترة الإبداع هي فترة نسبية قد تطول أو تقصر، ولا يمكن مقارنة كاتب بآخر. وبالنسبة لي فلم يقف إبداعي عند السابعة والستين، لأنني ما زلت أقدر على مواصلة الكتابة الإبداعية؛ فالعالم رحب جدًا في عيني، فقد كتبت عن طلاب بكين وعن مزارعي شينجيانغ، ومزارعي بكين وعن كبار المثقفين، حتى أنني كتبت عن الأجانب. أمارس العمل الإبداعي منذ وقت طويل وقد مر على كتابة "يحيا الشباب" ستة وسبعون عامًا.

أخبرني محرر جريدة أدب الشعب "ما شياو تاو" أن القراء لم يصدقوا أنني كتبت قصة "تقويم الجبال" وأن الجريدة جريئة جدًا لأنها وضعت اسم الكاتب وانغ منغ على قصة ونشرتها. فأنا على دراية كبيرة بالمناطق الريفية في بكين وفي شينجيانغ، فبمقدرتي الكتابة عن هذه الأشياء هنا وهناك. أستطيع أن أكتب عن الشؤون السياسية وعن الحياة الطبيعية، أستطيع أن أكتب عن أي شىء حتى ما يدور في ذهنك.

شبكة الكتاب الصينيين: أرغب في سؤال حضرتك، في إطار السياق الاجتماعي في الوقت الراهن ما هي القوة التي يمكن أن يقدمها الأدب للجماهير؟

وانغ منغ: أظن أن قوة الأدب هي القوة التي تؤثر على الحياة الروحية للناس، فالحياة الروحية تتأثر بالأدب ومن خلال الأدب يمكن للفرد أن يشعر بشيء من الراحة وبعض من التنفيس، وتتفتح آفاق عقله وربما تملؤه الحماسة والإثارة التي تثير أفكاره. لقد أحرزنا تقدمًا كبيرًا في الحياة المادية، لكن ما زالت الحياة الروحية في منأى عن هذا التقدم والانفتاح، والأدب يلعب دورًا حيويًا في هذا الصدد، وقد أضحى الأدب قاعدة هامة لقوالب فنية أخرى؛ فالرقص والمسرح والسينما تحتاج إلى صياغات أدبية، في البداية عليك أن تستخدم اللغة الحية في توضيح خططك ونواياك وأهدافك.

وعلى الرغم من أن عدد قراء الأعمال الأدبية ليس هو ما نطمح إليه، حتى أنه لا يضاهي جماهير الأفلام السينمائية أو المسلسلات التليفزيونية، حتى النصوص القصيرة المنشورة على شبكة الإنترنت تلقى ترحيبًا كبيرًا، لكن لا يزال الأدب قاعدة راسخة، فحينما نتحدث عن الفنون دائمًا ما ننطلق من الحديث عن الأدب. ومن ثم، أنا أرى أن الأدب يلعب دورًا على المدى الطويل، فثمة اختلافات بين الأدب وبين مواطن أخرى؛ فالأعمال الأدبية القيمة تبقى وتعيش طويلاً وتصمد أمام اختبارات التاريخ والزمان. الأدب هو الروايات والحكايا التي نرويها لأولادنا وأحفادنا، ومن المؤكد أنه لا يلعب دورًا سريعًا، فعلى سبيل المثال، رواية "حلم المقصورة الحمراء" لم تلعب دورًا كبيرًا حينما صدرت في عهد أسرة تشينغ، لكنها صارت رمزًا أدبيًا خالدًا في ذاكرة الوجود الإنساني، وأضحت كنزًا من كنوز الأدب الصيني.

شبكة الكتاب الصينيين: ذكرت منذ قليل أنك سردت تفاصيل أماكن عديدة وأجناس مختلفة وأشخاص من مختلف الأعمار، وهذه الشخصيات جاءت من فترات زمنية مختلفة عبر تطور العصر، فكيف ترى العلاقة بين الأدب وروح العصر؟

وانغ منغ: نحن الصينيين نعتبر حالة خاصة، ويمكن القول إن هذا القرن قد شهد تطورات سريعة، فعلى سبيل المثال يختلف إحساسك بالتغيير حينما تزور أوروبا، فتشعر أن التاريخ ما زال يحتفظ بعبقه القديم دون أن تطرأ عليه أي تغيرات، فغير مسموح بهدم البنايات القديمة التي يعود تاريخها إلى قرابة المائتي عام، فيمكنك إصلاحها من الداخل لكن محظور هدمها، وفي المملكة المتحدة لا تزال بعض سيارت الأجرة تحتفظ بشكل العربة التي تجرها الخيول.

لكن التطورات سريعة في الصين وبشكل ملحوظ، فبعض أبناء الشعب الصيني حينما يتركون البلد فترة طويلة، ثم يعودون إلى بكين لا يجدون منازلهم. فتغيرات العصر لا تعني التغيرات السياسية والشعارات، أو تغيرات النخب السياسية والشخصيات القيادية، بل في الواقع هي ثمة تغيرات تطرأ على حياة الشعب، فقد كثرت الكلمات الجديدة على شبكة الإنترنت، فالتغيرات في الصين تبدأ من الملابس حتى وصلت إلى الحديث، فقد كثرت الكلمات الدخيلة على ثقافتنا وليست بالضرورة أن تكون كلمات صحيحة. وأظن أن الكاتب يتبع أيضًا هذه التغيرات والتطورات التي تطرأ على المجتمع، فالأمر ضروري للكاتب بأن يحافظ على حساسية التغيرات التي تطرأ، وينبغي له الاهتمام بمثل هذه التغيرات والتطورات. ويجب أن تتوافر مصادر إلهام جديدة، بإيجاز يختلف الأمر حينما تمتلك أو لا تمتلك مصادر إلهام جديدة، فزاوية صغيرة قد تكون على علاقة وثيقة بالعالم الرحب أو بحقب زمنية طويلة، هذه هي خبرتي في هذا الصدد.

"القراءة المتواصلة تعينك على استيعاب تعقيدات العالم"

شبكة الكتاب الصينيين: ما هي الأعمال الأجنبية والكتاب الأجانب الذين أثروا على مسيرتك الإبداعية؟

وانغ منغ: في البداية كان الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، وفي خمسينيات القرن الماضي وصل الأدب الروسي إلى ذروته الأدبية. طالعت أعمال تولستوي وبوشكين وغوغول وتشيخوف عدة مرات حتى أنني أحمل بعضها معي. ثم اقتحمت عالم الأدب الفرنسي وقد تأثرت كثيرًا بأعمال بلزاك وموباسان وهوغو.

وانغ منغ: وشيء هام يجب ذكره وهو وقت المحن والأزمات كنت أقرأ لتشارلز ديكينز فقرأت "قصة مدينتين" ورغم أنها بعيدة كل البعد عما واجهته، لكنها تخبرنا أن الجميع يمرون بمواقف ومحاكمات غير متوقعة خلال التحولات التاريخية. وقد كتب ديكنز هذا وعبر عنه ببراعة قائلاً: "هذا هو أفضل عصر وهذا هو أسوأ عصر". فضلاً عن شغفي بالأعمال السوفيتية، فعلى سبيل المثال ألكسندر فادييف يحمل مفاهيم عميقة نحو أهداف الاشتراكية والفكر الشيوعي، حتى لو واجهته بضع التعقيدات التي أثقلته، لكن رسالته نحو الأدب لم تتغير. ومثال آخر الكاتب إليا إهرنبورغ تحمل روايته "العاصفة": مشاهد مختلفة وتحمل تعقيدات العالم بصور متنوعة.  فعندما شرعت في كتابة "يحيا الشباب" لم أكف عن قراءة "الحراس الشباب". وعند التغني بخصال شباب الاتحاد السوفيتي، لا يضاهي أحد الكاتب الروسي فادييف في سرد هذه التفاصيل، ثم قرأت أعمال الكاتب الأمريكي جون شيفر وسنكلير وشعراء آسيا الوسطي أمثال علي شير النوائي وعمر الخيام قد ألهمتني أعمالهم بصورة كبيرة.

شبكة الكتاب الصينيين: وفي الوقت الراهن ما هي كتبك المفضلة؟ وهل تغير ذوق القراء عما مضى؟

وانغ منغ: في العامين الماضيين قرأت بعض الأعمال ذات الصلة بالثقافة الصينية التقليدية لأنها تتعلق بما كتبه من قبل. فعلى سبيل المثال على غرار "مختارات كونفوشيوس" كتبت "العودة إلى الخير"، وعلى غرار "منشيوس" كتبت "املك قلوب الناس تمتلك العالم"، وعلى غرار "لاو تسي" كتبت "مساعدات لاو تسي" "ومحاورات لاو تسي" وعلى غرار "تشوانغ تسي" كتبت "الرقص مع تشوانغ تسي" والآن ما أكتبه يدور حول كتاب "الأمثلة"، وهذه الكتب أحب مطالعتها.

وهناك بعض الأعمال الأدبية التي لم أكن أعرفها من قبل، وأحببتها مثل "اسمي أحمر" للكاتب التركي باموك، ورواية "وقائع الموت في أسطنبول" للكاتب التركي أوميت أعجبت بها كثيرًا عندما طالعتها، وهناك فيلم بعنوان "الحب في بودباست" واسم الرواية الأصلية "الأحد الحزين" ومؤلفها ألماني الجنسية وكانت هذه الرواية آخر ما طالعت.

وكي أكون صريحًا تضاءل معدل القراءة عما كان عليه في سنوات العمر الفائتة؛ لأنه فضلًا على أنني فقدت قدرتي على السمع، لم يعد بصري أيضًا كما كان.

وانغ منغ

 ولد الكاتب وانغ منغ في بكين عام 1934، ذاع صيته بأنه رائد الرواية الواقعية في تاريخ الأدب الصيني المعاصر، تقلد عدة مناصب من أهمها؛ وزير الثقافة الأسبق، والرئيس الفخري لاتحاد الكتاب الصينيين، عكست أعماله رحلة الشعب الصيني على درب الحياة المليء بالأشواك، من أهم أعماله: "مشاهد من شينجيانغ"، "سنوات الشباب"، "الثعلب الأسود"، "حب ممنوع"، "موسم الحب"، وله العديد من المؤلفات الشعرية والنثرية، والفلسفية والتاريخية، وترجمت أعماله إلى ما يقرب من عشرين لغة، من بينها اللغة العربية.


عدد القراء: 570

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-