انتصارًا لمجد الكتابالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 18:27:45

ياسمين ملحم جابر

لبنان

للعلم محراب لا بد لمن يَؤمُّهُ أن يكون متحليًا بما يليق به، وما يليق بمحراب العلم رغبة، فعزم، ثم استشعار بلذة المعرفة والاكتشاف.

أمـا الرغبة في العلم فهي هذا الشـغف اللامحدود في ارتياد مضمار المـعلومات والاكتـشافات، وفي صقل القـدرات، وإتـقان المهارات. أما العـزم فهو هذا الصبر الذي تمتد حـباله حتى تعانق المستحيل، فيحوله بسحره الساحر إلى ممكن وممكن جدًا. أما استشعار لذة المعرفة فهو هذا السر الكامن في أرقى متع الحياة، حيث الشعور بالامتلاء من رحيق العقول الغابرة، غير أن الاحتساء من هذا الشراب الفريد يولد الإدمان عليه. ونعم الإدمان إدمانه!

في هذا المحراب الجليل لا مراوغة، ولا مماطلة، فإما أن يقبل طالب العلم بكليته عليه، فيـنال شرف السير على دربه، وإما أن يوارب، فيتخلف عن الركب.

   كل ما تقدم من قول ومن فكر هو صدى صوت المدرسة القديمة التي تتلمذنا-نحن المخضرمون- على يدها، والتي حـفرت على جـدران قلوبنا كلـماتها الخالدة، وصنعت مـنا قراء مـعرفة، وناهلي علم، وقابلي تحديات. أما مدرسة اليوم، وأعني بمدرسة اليوم، هذه الحداثة التي استجدت في حياتنا نتيجة الانفتاح على العالم، من خلال شبكة الإنترنت، وما يتبعها من وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها...، وما غزا أسـرنا من تقانة لامحدودة تطورًا ونـتائج أيضًا. وأشـدد على النـتائج، لأن حصيلتها هي ما شكلت صورة مدرسة اليوم، التي استبعدت قـيم الشغـف والعزم ولذة الحصول على المـعرفة، وبالتالي قضـت أو أوشـكت على تـخريج جـيل من القـراء، والمعرفيين شــديدي العـزم، أصلاب العود.  

والواقع يقول بأننا أبناء خيارتنا. وما نحن عليه من واقع تربوي هو نتيجة ما اخترنا من نتاج الحداثة. فليس ابن الكتاب الذي قدسه "الجاحظ"، فرأه: "نعم الجليس والعقدة ...ونعم المعرفة ببلاد الغربـة..."1، وليس ابن الكتاب الورقي الراقي الذي خـلفه "جبران خليل جبران" أو "مــارون عبود"، الذي وجد أن "الكتب هي الأصدقاء الذين يخلصون لنا النصح، ويعطوننا كنوز المعرفة بسخاء لا نظير له..."2، أو "ميخائيل نعيمة" وهو القائل: "عندما تصبح المكتبة كالطاولة والكرسي والمطبخ عندئذ يمكن القول بأننا أصبحنا قومًا متحضرين"، أو "محمد الماغوط" أو "أحمد شوقي" القائل في الكتاب:

 من يطالعه ويستأنس به،        

                         يجد الجد ولا يعدم دعابا"3

أو "طه حسين" القائل: "أمانة العلم ثقيلة جدًا لا ينهض بها إلا الأقوياء"، أو "محمود درويش "الذي وجد في القراءة عالما آخر، وهو القائل: "التهمت كثيرًا من الكتب وأنا في سن مبكرة جدًا دون أن أستوعب ماذا أقرأ، لكن كانت القراءة تنقلني إلى عالم آخر"4، أو "غازي القصيبي" وحياته في الإدارة، أو "نزار قباني"، أو "سلامة موسى"، أو "سليمان العيسى"، أو، أو... إلى لائحة كبار خطوا لـنا الطريق، ليس ابن كتب هؤلاء كابـن نص رقمي يتلقاه عبر شـاشة زرقاء، ترهق منه العـين5،وتسـرق منه متعة التعمق بالمضمون، وقراءة ما بين السطور، والسكر الحلال من نبيذ المعاني، والرقص الخــفيف على إيقاع الحروف.

لذلك، ولما تولد عنه نعاني – نحن معشر المعلمين - لاسيما معلمي اللغة العربية، في البلدان العربية، أزمة تراجع في إقبال طلابنا على مناهل الأدب، وانعدام شغفهم المطلوب في المعرفة الحق، وقلة صبرهم لنيلها، وبالتالي عدم تذوقهم طيب وقعها في النفوس وفي القلوب.

أزمة فرضت نفسها، ليس على عالمنا العربي فحسب، بل على العالم بأكمله. وباتت دول كبرى،

كالسويد وهولندا وروسيا وغيرها6، تلحظ تراجع مهارات القراءة والكتابة عند طلابها، مما حدا بـها إلى تنظيم استـخدام آلة الحداثة من (لابتوب، وهاتف ذكي، وغيرها...)، في التربية، والعودة إلى المعين القديم، إلى الكتاب الورقي والقلم.

من هنا تبدأ رحلة تعلم الحرف: نطقه وكتابته. من هنا يبدأ التعلق بجمال التعبير، فالقول. ويبدأ الشغف في القراءة، سلم رقي العقل والروح.

نعم لإعادة مجد الكتاب والقراءة، يدًا بيد، أسرةً، مدرسةً، ومجتمعًا.

نعم لتعزيز إنشاء المكتبة الأسرية، وحسن التفاعل معها. نعم لتشجيع ثقافة القراءة المنزلية.*7

نعم للتحفيز على القراءة عبر القيام بفعاليات رفيعة المستوى، تنهض ببناء هذا الجيل إلى رتبة أبطال القراءة.*8

نعم لفتح آفاق الإبداع، ولحث طلابنا على تسطير أفكارهم وأحلامهم على قرطاس من نبض، وبريشة من ألق، حتى تقر منا العين، لأننا أدينا الأمانة لمن يستحقها، وبات لازامًا عليه حمل مشعلها، لينير ما تبقى من الطريق.

 

الهوامش:

1 - كتاب الحيوان. للجاحظ

2 - سُبُل ومناهج. مارون عبّود

3 - الشّوقيّات، تقديم حسين هيكل، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان

4 - مَنشور. محمّد شقير،مدير تحرير جريدة أخبار الأدب المصريّة .17/11/2017

5 – الشّرق الأوسط صحيفة العرب الأولى. أضرار على مخ الطّفل العدد 10974

6 – تصريحات وزيرتَي التّربيّة والثّقافة في السّويد حولَ خطّة العودة إلى استعمال الورق والكتب الورقيّة بدلًا من الشّاشة الرّقميّة.2023، فضلاً عن توجّهاتٍ مشابهةٍ لكلٍّ من روسيا والهولندا.

7 – تنيويه بمبادرة "ثقافة بلا حدود"، الشّارقة.

8 - تنويه بمشروع "تَحَدّي القراءة العربيّ"، الِامارات العربيّة المتّحدة.


عدد القراء: 1584

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-