هل الاكتئاب مرض ثقافي؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 11:11:03

سهام الوادودي

أستاذة باحثة مختصة في اللغات العربية والفرنسية والانجليزية – المغرب

ترجمة: سهام الوادودي

يشكل الاكتئاب أكثر الأمراض العقلية انتشارًا بين سكان المعمور. ومن مؤشراته الإحساس بالحزن وفقدان القدرة على الاهتمام بالأشياء أو الاستمتاع بها وازدياد الإحساس بتأنيب النفس وانخفاض مستوى التقدير الذاتي والإصابة بالأرق وفقدان الشهية والتعب المزمن ومواجهة صعوبات كبيرة في التركيز. وقد تطور هذا الاضطراب مؤخرًا ليصبح ممتدًا في الزمن وليتضخم تأثيره على حياة من يصابون به. وحسب إحصاءات صادرة عن جهاز "الصحة العمومية بفرنسا" فإن 50 بالمائة من سكان هذا البلد يعانون من مرض الاكتئاب.

تباين في مقاييس التشخيص

هناك عوامل عديدة يمكن أن تؤثر في ارتفاع الإحصائيات المرتبطة بهذا المرض: منها حدوث تغيير في كيفية ممارسة الطب النفسي (التي أصبحت تتجه نحو المزيد من الوقاية وإعطاء علاجات في وقت مبكر) ومنها ازدهار صناعة الأدوية وتطور استراتيجياتها في التوصل مع الأطباء المعالجين ومنها أيضًا الولوج إلى كم هائل من المعلومات حول الصحة العقلية مع سهولة الولوج إلى الإنترنت: فقد لاحظ الباحثون ارتفاعًا كبيرًا في الحالات المشخصة بمرض الاكتئاب بين سنتي 2004 و 2014 ويرون في ذلك دليلاً على أن الوصول إلى المعلومات يحدث تغييرًا كبيرًا على مستوى الإحصائيات: فكلما تطورت معلوماتنا حول المرض كلما ازداد لدينا الاعتقاد بأننا مصابون.

وبحسب "دليل تشخيص وإحصاء الأمراض العقلية" DSM الذي يعتبر مرجعًا في مجال الصحة العقلية، لا يمكن الحديث عن حالة اكتئاب حقيقية دون وجود أعراض تستمر لمدة أسبوعين على الأقل وتتسبب للمصاب بألم ومعاناة كبيرين ولا تكون مرتبطة بتعاطي أية مواد أو بظروف طبية أخرى. وبعيدًا عن هذا التعريف تتشكل مجموعة من التفرعات التي تجعل من الاكتئاب توليفا بين عدد من الحالات التي تكون شديدة التباين في بعض الأحيان. فيمكن بشكل طبيعي جدًا أن نحس بالحزن والوحدة والانزعاج وأن نشعر أننا بلا قيمة... دون أن يكون ما نحس به اكتئابًا. وهنا يطرح السؤال حول الحد الفاصل بين الاكتئاب وما دونه. هذا الحد لا يتجسد في حقيقة الأمر إلا من خلال معايير مرجعية دائمة التغير. ويتضح ذلك من خلال ما يسمى "اكتئاب دون سريري" Dépression sous-clinique وهي عبارة تصف الشخص الذي تظهر عليه أعراض اكتئاب دون أن تلتقي هذه الأعراض مع الشروط المنصوص عليها في دليل تشخيص وإحصاء الأمراض العقلية. ولما كان الشخص الذي تظهر عليه هذه الأعراض يتعرض للمتاعب في حياته اليومية ولما كان أيضًا "يحتاج لعناية سريرية" فإن حالته توصف بأنها "اكتئاب دون سريري". ينضاف إلى ذلك "الديستيميا Dysthymie" وهو شكل مخفف يتميز بنوبات اكتئاب حادة إلا أنها ليست مزمنة. وهذه التصنيفات المعجمية ليست قليلة الأهمية لأنها تؤثر كثيرًا في الإحصائيات المتعلقة بالمرض.

خاصة إذا ما أضفنا إلى ذلك حالات الاكتئاب التي يمكن ان نصفها ب "السياقية". فمثلاً ليس من السهل التفريق بين الاكتئاب والإجهاد أو الاستنزاف النفسي في العمل "Burn out". لأننا إذا راجعنا على سبيل المثال المؤلف المرجعي الذي أسس لمصطلح Burn out والذي كتبه عالم النفس هربرت فرودنبرجر Herbert freudenberger وجدناه يتحدث عن "أشخاص يبدون أو يتصرفون كما لو كانوا مكتئبين".

والحال أن أعراض المرضين وإن لم تكن متطابقة مع بعضها البعض، إلا أنها تثير مع ذلك بعض التساؤلات: ألا يكون الاستنزاف النفسي شكلا من أشكال الاكتئاب؟ ألا يأخذ الدخول في الاكتئاب وفي الاستنزاف النفسي نفس السيرورة؟

وفي بعض الأحيان تكون مرحلة الشخص العمرية سببًا مباشرًا في إصابته بالاكتئاب، نتحدث هنا عن نوع من الاكتئاب تظهر أعراضه على المسنين فقط "gériatrique" وهذا النوع يبقى غير معروف ولا يعالج إلا قليلاً وذلك لأسباب من بينها انتشار الاعتقاد بأن الإحساس بالحزن يعتبر شيئًا طبيعيًا مع التقدم في السن... وهو اعتقاد يتأسس على تجاهل حقيقة مفادها أن للمسنين، مثلهم مثل جميع الناس، الحق في الحصول على مستوى مقبول من جودة الحياة.

تحويل صعوبات الحياة اليومية إلى مرض

بيد أن مع إرادة بعض المعالجين التدخل بشكل مبكر لمواكبة المرض منذ بدايته ومنح المريض فرص متابعة أفضل تظهر مجموعة من الأمور المعقدة وتطرح مجموعة من التساؤلات: لماذا و(لصالح من) هناك رغبة في تشخيص مرض الاكتئاب بأي ثمن؟ بطبيعة الحال يمكن الحديث هنا عن التخوف مثلاً من أن يتحول اضطراب "دون سريري" إلى نوبة أو نوبات اكتئاب حاد. إلا أن المعطيات التي نتوفر عليها في هذا الباب تتسم بقدر كبير من عدم الانسجام: فعلى خلاف فئة المختصين التي تسارع إلى التكفل بالمرض منذ لحظات ظهوره الأولى هناك فئة ثانية لا تخفي قلقها من تحول المجتمع إلى الحالة التي تصبح في ظلها المشاعر السلبية ببساطة أمرًا غير مقبول رغم أن ذات المشاعر تشكل جزءًا لا يتجزأ من التوازن النفسي للفرد. فأمام الارتفاع الكبير لحالات التشخيص التي تشهد بها إحصائيات دليل تشخيص وإحصاء الأمراض العقلية، بدأ عدد متزايد من الأبحاث يتخذ منحى معاكسًا لمفهوم الاكتئاب كمرض عقلي من الأساس. هل هو موجود بالفعل؟ أم أنه فقط سلوكنا الذي يتبلور حول البحث المطلق عن السعادة هو الذي لم يعد يطيق أي انزياح عن هذا الحلم الزائف؟ ففيما يخص الاكتئاب، الحديث عن الأرقام هو قبل كل شيء حديث عن وجهة نظر معينة.

تاريخ الدموع

على غرار دموع الطفل التي أثارت الكثير من الاهتمام وقدمت بشأنها تفسيرات متباينة عبر مختلف الحقب الزمنية، فإن دموع الفرد البالغ أثارت هي الأخرى ردود فعل تراوحت ما بين القبول والرفض. فإذا كان بكاء الفرد أمام الملأ شيئًا غير مقبول في الوقت الراهن فإن الأمر لم يكن دائمًا بهذه الصورة. ففي كتابها Histoire des larmes الصادر سنة 2001 تحلل الباحثة آن فانسان بوفو Anne Vincent-Buffaut الإشارات التي وردت حول الدموع في الفن والمراسلات أو في المقررات المدرسية مابين القرن 18 والقرن 21 بفرنسا. إذ تفيد بوفو بأن المجتمع كان يثمن البكاء ويشجع عليه في القرن 18: إذ أن الغاية من الإبداع الفني هي استدرار الدموع. وكان الناس يبكون مع أفراد عائلتهم أو خلال لحظات الفرح الجماعي، لقد كانت الدموع إذن لغة كونية متقاسمة ووسيلة تعبير يفضلها الجميع. وكان ينظر للأشخاص الذين لا يبكون نظرة ارتياب وكأنهم يخفون نوايا سيئة. ولولا تعاقب بعض الأحداث التاريخية و تغير الأنظمة السياسية والدينية لما انحسرت الدموع في نطاق حميمية الأفراد وذلك انسجاما مع فكرة أن أي وسيلة تعبير سطحية وتقليدية لا يمكن أن تترجم مشاعر الإنسان العميقة (خاصة عندما يتعلق الأمر بالرجال) دون أن تقوم بتشويهها. ولهذا فقد أصبح إظهار العواطف يقتصر على الطبقات الشعبية الغير المثقفة والساذجة. ومع ذلك فقد بقي المجتمع يتقبل إظهار الشخص لدموعه على الملأ في مناسبات قليلة جدًا منها وفاة شخص قريب على سبيل المثال. ولا شك أن المجتمع يتأثر هنا بتقليد قديم جدا وهو تقليد النادبات أو النائحات المحترفات اللواتي كن يشغلن مكانا مهمًا في الطقوس الجنائزية خلال عصور ما قبل التاريخ. ومع ذلك فإن البكاء، إذا ما كان مشتركًا، ما زال يحتفظ بقدرته على الانتقال من شخص إلى آخر كنوع من العدوى التي عجز القرن الواحد والعشرين نفسه عن إخفائها كليا: إذ تنهمر الدموع مدرارًا في أعقاب فوز فريق في مباراة لكرة القدم أو في أثناء الموكب الجنائزي لأميرة توفيت في ريعان شبابها.

 

المصدر:

مجلة Sciences Humaines الفرنسية في عددها رقم 320 الصادر شهر ديسمبر 2019

عنوانه: هل الاكتئاب مرض ثقافي؟

عنوان المقال الأصلي:

 La dépression, une maladie Culturelle?


عدد القراء: 672

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-