مرايا الذّات.. مرايا النّص الشعر النّسوي الفلسطينيّ المعاصر «أنموذجًا» دراسة جماليّةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 11:34:31

ميّادة أنور الصعيدي

ناقدة من فلسطين

ملخّص:

 أبدعت الشّاعرةُ الفلسطينيّة الرموز من خِلالِ مَزْجِ رؤياها بالواقع مزّجًا تخيليًّا عميقًا، إذ عمدت فيه إلى الإيحاء والتّلميح، بدلاً من المباشرة والتّصريح، وبه تَستعيد صورة تلك الأُنثى الموغلة في خندق رغباتِها، موظّفةً لوحاتٍ مرآويّة منلوجيَّة عاكسة لمخزونها العاطفيّ، مستثمرةً الأفضية الرّحبة؛ ممّا قد ولّد تدفقًا جماليًّا للنّص، وتفاعلاً تواصليًّا لسبر أغواره.

 

الرّمز من الأساليب المهمَّة في الشّعر المعاصر، تبتدعه الشّاعرة الفلسطينيّة من خلال مزج رؤياها بالواقع مزجًا تخيليًّا عميقًا، وتعمد الشّاعرة فيه إلى الإيحاء والتّلميح، بدلاً من المباشرة والتصريح، وهو "الدّلالة على ما وراء المعنى الظاهر، مع عودة المعنى الظاهر مقصودًا"2، ونظرًا لدراستي المستفيضة لدواوين الشاعرات الفلسطينيّات المعاصرات، فسيتم الكشف عن الرّمز الخاص بهنّ والذي يكثر توارده في دواوينهنّ؛ إذ شكّل لديهنّ مجالاً رحبًا لحركتهنّ الواسعة عبر فضاء الأحلام، مع العلم أنه سيتم التّركيز على هذا الرّمز وفقًا لتجربة الشّاعرة الخاصة، والبُعد الجماليّ التّأثيريّ من وراء توظيفه، فقد تستخدم الشّاعرة رمزًا متداولاً بين الشّاعرات، ولكنّها تعيد صياغته بابتكار سياقٍ جديدٍ له، يهبه قيمةً جماليَّة، بشرط أن يكون هذا الابتكار يشير إلى قدرة الشّاعرة على الخلق، لا مجرّد الرّغبة في التّجديد3، ويتوقّف التّشابه بين الرّمز والمرموز على الجهد الذّاتي، وقدرة الشّاعرة على اكتشاف أبعاد التّشابه بينهما، ذلك لأنّ الرّمز بعد اقتطاعه من الواقع يغدو فكرةً مجرّدةً4، فيقوم خيال الشّاعرة بتحطيم علاقات الطّبيعة، مبتكرًا ألوانًا من الرموز الغامضة وليس المبهمة؛ ممّا يولّد المُتعةِ الذّهنيّة لدى المُتلقّي؛ لحاجتهِ إلى إعمالِ الفكر؛ وكشف الخبايا الدّلاليَّة؛ فكلّ ممنوعٍ مرغوب.

  لقد أدركت الشاعرة المعاصرة أنّ القصيدة الرّمزيّة تبعثُ على ثراءِ العمليّة التّفاعليَّة، وتزيد خصوبتها، وأنَّ القصيدة ذات الرّموز منجمٌ ثريّ يولّدُ تأويلاتٍ عدّة، تبقى نفوس المتلقّين تهفو إليها، تائهةً بين الشكّ واليقين، ويبدو أنّ شاعرات فلسطين المعاصرات قد أخذنَ بنصيحة الشّاعرة "فدوى طوقان في قصيدة "إلى صورة"، حيث تقول5:

إنّ لِلغُمُوْضِ لسحرًا

آسرًا، يجذِبُ النّفوسَ إليه

حيثُ تبقىْ مشدُوْدَةً فيْ يديْه

ليسَ تقْوَىْ عَلَىْ الفِكاكِ،

فكُوْنِيْ

أنْتِ مثْليْ لديه عُمْقًا وغَوْرًا

هكَذاْ وَلَيَظلَّ نَهْبَ الظُّنُونِ

                            تاْئِهًا بين شكِّهِ والْيَقِيْنِ

لذا فالشّاعرة المعاصرة قد تخلقُ رمزًا يشكّلُ قطبًا محوريًّا، يستوعبُ الدّلالات المتقابلة أو المتناقضة؛ لفهم مزدوجات الحياة، فهي أكثر قربًا لأماكن الطّبيعة الرّحبة، وإلى الطّوف في فضاء الأحلام، وارتداء الأقنعة الأسطوريَّة، والاحتفاء برموز خاصة بهنّ "كالمرايا"، حيثُ إنّ رمز المرايا يتكوّن من نسيج من الثنائيَّات الضّدِّيَّة، وهو "إغلاقٌ لعالم قديم وفتحٌ لعالم جديد"6.

 إنَّ الكتابةَ بلغةِ الحُلم الرّامزة قد يُثري البنية العميقة من الدّلالاتِ الخفيَّة، ذلك لأنّ الشّاعرةُ تسعى إلى تعديلِ المُهشّم في نفسها، ممّا يأخذُكَ إلى البحثِ عن الذّاتِ الحقيقيّةِ التّي تسعى إلى تكوينها، كاشفةً عن نقاطِ الضّعف فيها مِن خيبةٍ وفقدانٍ، فالأمر أشبهُ بتعويضٍ عنِ الواقع المعاش في الحلمِ الإبداعيّ؛ لذا فإنّ التّعبير باللغة الرّامزة، قابلٌ للتماهي مع العوالم الخياليَّة، وقادرٌ لخلقِ توازنًا نفسيًّا للذّاتِ، من خلال اللّجوءِ إلى مكانٍ أرحب تُحقّقُ فيه رغبتَها الجامحة.

 هنا سيُرفع النّقاب عن ملامح الأنثى التّي تلبس عباءة الرّموز، وترتدي ملاية التّأنّق اللّفظي، والتي تُعْرِيْ ذاكرتها بانتهاك حرمة بياض الورق، فمن الرموز الهامّة والمتكررة في دواوين الشّاعرات "رمز المرآة"، فالمرآة تعدّ – منذُ القِدم - من الأدوات التي تكشفُ هُويَة الأنثى ومن مستلزماتها الحميميّة؛ لذا فقد استثمرت الشّاعرات مزايا المرايا، وخلقت في النّص رموزًا للمرآة حمّلتها دلالاتٍ متنوّعة، قد عكست صورة "الأنا" والمنشق عنها الأنا الأخرى، ولكن المنشق أضحى رقيبًا للأصل7، فكثيرًا ما تلجأُ المرأة إلى "التّمرِّي" على زجاج السيّارات، أو على نوافذ العمل، أو على الزّجاج الخارجي للمباني، أو على أجسامٍ لتماثيل مصقولة تعكسُ أشعة الشّمس، والمرآة الأخيرة قد أوقعت الشّاعرة روز مصلح في هاجسٍ نفسيّ، ذلك لأنّ الالتقاء بين الرّوح والرؤية قد عكس أضدادًا، فالرّوح مرئيّة والمرئي روحًا، وهذا ما يشير إلى المذهب الأفلاطوني، الذي يرى أنَّ "نظريَّة الانعكاس المرآوي وما تتضمنه من ازدواج: المماثلة والمغايرة، الهويَّة والاختلاف، العينيَّة والغيريَّة، الذَّاتيَّة والآخريَّة... وغير ذلك من الثنائيَّات، يتوقف (قطباها) كلّ منهما على الآخر توقفًا جدليًّا متبادلاً "8، تقول روز9: "في الطّريق إلىْ البيْتِ/ أرتبكُ أمَامَ تمثالٍ متجهِّمُ التَّضاريس/ محكومٌ بكيفَ تنظرُ إليْه/ أو بكيفَ ينظرُ إليك/ وما تراه اليَوْمَ/ لا تراهُ غدًا/ وما هو حاضرٌ ليومك/ ما كان حاضرًا لأمسِك/ أيُّ مزيجٍ يجعلُ التّمثالَ/ نابضًا بالحياة في خسوفه/ مشرقًا في الكسوفِ... بكبرياء؟/ هل هو مرآة داخلنا/ مدُّنا والجزرُ؟"، والمرآة هنا ترمز لذاتها، ففي إضافة "داخلنا" ما يوحي بالالتصاق بين الرائي "الشّاعرة" وذاتها؛ إذ لم تقل "دواخلنا"، وفي تعدد الأضداد ما يوحي بوقوع الشّاعرة بين الشكّ واليقين، وبين يومها وغدها، وبين أناها الحاضرة وأناها المستقبليَّة، وتبرز نرجسيّة الشّاعرة في قولها: "بكبرياء"، فقد جعلت التّمثال الصُلب نابضًا بالحياة، حينما انعكسَ وجهها على جسمه المصقول، فهي تؤكدُ على جمالها على أيَّة حال "خسوف وكسوف، مد وجزر"، وفي ذلك إشارة إلى جانب من الأسطورة اليونانيَّة "نرسيس" الذي تأمل صورته في مرآة النّبع، فعشق صورته وهام في نفسه، ولكنّه لم يستطع أن يدرك الصّورة التّي عشقها، فمات حزنًا عليها، ونبتت مكانه زهرة النّرجس10، ولعلّ كثرة التّأمّل في مرآة الرّوح، وإحساس الشّاعرة بالنّرجسيَّة، ما يؤكدُ على وقوعها – حقيقةً- بين الشكّ واليقين، والدّليل على ذلك أنّها قد وظّفت لفظ "مرآة" في العديد من القصائد، ولم توظّف لفظ "مرايا"، فهي تتهرّب من رؤية الواقع وكشف زواياه من حولها، إنّها تريد أن يبقى واقعها مبهمًا بالنسبة لذاتها، فتتعمّد تجاهله، ولا تريد مواجهته أو أن تعكسه على نفسها؛ وكثيرًا ما تلجأ لصيغة النحن المتكلمين، لتوحي بأنّ هناك العديد مثلها يعانون كما تعاني، إذن تريد أن تعكس في مرآتها جميع حالاتها، أو نفوس الآخرين على اختلافها، لكنّها لا تريد قطعًا أن تعكس "مرايا" الواقع من حولها، تكتفي بـ "مرآة" واحدة حتّى وإن كانت ترمز لها بالواقع، تقول11: "المرآة لا تقولُ الحقيقةَ/ وما تعكسه مرتبطٌ بحالتها النّفسيَّة/مسطّحة، محدّبة أو مقعّرة/وفي الحالات الثلاث/هي تقلب الحقيقة/ حين تجعلُ اليمين يسارًا/ واليسار يمينًا/ كيف إذن نصدّق المرآة؟!/ وهي تقلِبُ الأشياء/ وتَحْرِفُهَا كيفما تريد؟!"، والمرآة هنا ترمز للواقع، الذي يقلب كلّ الظنون، ويبدو أنَّ الشّاعرة قد تعلّمت من أسطورة نرسيس، فأخذت نرجسيّتها منه، لكنّها لم تنخدع بمرآته، فقد أودت بحياة بطلها؛ لذا فإنّ التّوظيف الرّمزي للمرآة عند روز كشفَ عن مشاعر متباينة تصل إلى حدّ التّضاد التّام؛ لذا فإنّ القارئ الفَطِن المتأمِّل سيدرك أنّ رمز المرآة عند روز قد كشف عن كبريائها وعن حقيقة نفسها الممزّقة في الآن نفسه.

 إنّ دراسة دلالة رموز المرايا يُوّثِقُ لحظات التوّتر والقَلَق لدى الشّاعرات، ذلك لوقوعهنّ بين زمنين الآني والآتي وهما لحظتان ضدّيتان، وقد ينتابُ الشّاعرات هاجس النّزوع إلى زمنٍ آخر لم يتشكّل بعد12، كاشفةً عن مشكلات استلاب الهويّة "ومآزق التّصدّع والانشراخ في الرؤية إلى الذَّات والعالم والآخر، وانعكاساتها على مرايا النّص13". تقول الشّاعرة هند14:

أنت تعادلُ وجهكَ في مرآة

بعضُكَ للوهمِ

وآخرُ لِصِدقِ الحُضُوْرِ

 المرآة عند هند تعادل الزّمن المؤرِّق لها، إنّها تصدّق حضورها الآني، لكن ذكرياتها ومستقبلها المبهم قد جعلها أقرب للوهم وللقلق المستمر، فما بين ذاتها الآنية وذاتها المستقبليّة مساحة عظيمة، قد تستغرق العمر كلّه، "ما بيني وبيني مساحة حلمٍ تكفي لأنا أُخرى"، إنّها لم تخطو خطوة واحدةً للأمام منذ زمن، "تعرفُ ما مضى كملامح وجهٍ في مرآة"، وكثيرًا ما توحي بأنَّ أحلامها مؤجَّلة، وتشعرُ القارئَ بتلاشي حضورها وشعورها القاتل باللامبالاة: "أعدّ ملامحي فوق مرآة الغياب"، أو قد يكون شعورها باليأس "وحدها المسافة تجعلُ لوجهي مرآةً خارج حدودك"، وتقصدُ حدود حُلُم المستقبل بتحقيق الذَّات؛ لذا فهي حين تحاول الكتابة من أجل حُلُمها تجد نفسها فارغة الإحساس، ففي قولها: "أستيقظُ على مرآةٍ فارغةٍ" ترمز بـ"مرآةٍ" للنّفس أو ورقة الكتابة، وقد يبدو أنّ انعكاسَ الأنا على سطح الورقة يشبه إلى حدٍّ بعيد انعكاسَ الأشياء على المرآة  تبعًا لحجومها أو حالتها محدّبة أو مقعَّرة أو مسطّحة.

 وقد تكون المرآة رمزٌ للسحرِ أو للقدرات الخارقة، التّي تحوّل الشكل الإنسانيّ إلى صورة ممسوخة مشوّهة، تقول الشَّاعرة فاطمة نزَّال15: "أَتَفَقَّدُنِي/أُحَمّلِقُ بِأَطْرَافِيْ/َتَأَمَّلُهِا/نَبَتَتْ لِيَ مَخَالِبٌ !!/أَنْظُرُ فِيْ الْمِرْآةِ أَتَفَحَّصُ/عَيْنَايَ الْحَمْرَاوَيْنِ/طَالَتْ أَنْيَابِيْ/أُلاحِقُ إنْسَانِيَّتِيَ الْهَارِبَةِ/أَنْهَشُهَا وَتَرْتَوِيْ شَرَايِينُ وَحْشِيَّتِي/أَنَاْ الآنَ أَنْتَشِيْ/مِثْلُكُمْ".

إنّ هذه المخالب والعينين الحمراوتين تشير إلى الإلهة "ميدوسا" الأنثى المتوحّشة، التّي تحوّل بعينيها القاتلتين كلّ من ينظر إليها من عالم النّور والحياة إلى عالم الظّلام والموت، وتوحي الشّاعرة من خلال وسم نفسها بهذه الإلهة، بـ"اللا تمايز والعماء، والاختلاط في عالم اللّيل والظّلام"16؛ لتشير بأنّ عالمها يعمّه العماء والظّلام، ومن اختلاطها به أصبحت مثلهم فهي لا تميّز نفسها حين تنظرُ إلى المرآة، إنّها وحشيّة تتميّز باللا إنسانيّة؛ لذا فهي ترى أنّ أيّ إنسان في حياتها قد تجد فيه الحبّ سيصبحُ مثلها؛ لأنّها ستحيله من نظرة عينيها، وقد يكون هذا قناعًا أرادت الشّاعرة التّعبير به عن فقدها للحبيب المثالي الذي تحلم به، وكثيرًا ما تحاول أن تقيم علاقة مع الحبيب بحيث تتكامل معه، فتقول17:

مُتَمَاهِيًا فِيْ الْمُطْلَقِ

سَابِحًا فِيْ الّنُورِ

نَاظِرًا فِيْ مِرْآةِ رُوْحِيْ إِلَيْكَ .. إِلَيّ

اِصْعَدْ إِلَىْ عَلْيَائِكَ، فِـيّ

 والشّاعرة هنا أقرب إلى تجارب الصّوفيّين18 وإلى التكثيف الرّمزيّ الباعث للغموض الشفيف، ممّا يضفي مزيدًا من الدّلالات الموحية، فالإيحاء بالحبّ المطلق والوصول إلى أعلى درجات الشّهوة والشّبق يمنح بلوغ حدّ التّكاملُ والتّطابق، وهذا ما قاله أريستوفانس في بلوغ الأنا والآخر درجة التّوحد في نظريّة الحبّ، إذن ترمز المرآة في المقطوعة السابقة إلى الحبّ الصّوفيّ، أو نظريّة أريستوفانس19 .

ومن هنا يتّضح عدّة أمور أهمها:

1. إنَّ رمز المرآة يقدّم للشّاعرة تعددية في مساقط الرؤية معبرةً عن قضايا الحياة المعاصرة؛ لذلك تلحِقُ الشّاعرة رمز المرآة بالنّعوت، فتكون مرآة مهشّمة لترمز إلى الانقسام، أو مرآة مظلمة لترمز إلى الأسر، أو مرآة مغلقة لترمز إلى معابر غزّة أو حواجز الضّفة، أو المرآة الضائعة لترمز إلى فقدان الهُويَّة أو الاغتراب، أو المرآة الملتهبة؛ لتوحي بحرارة الثّورة، أو مرآة البخار؛ لترمز إلى المدجنين، لكن المرآة السائدة في دواوين الشّاعرات كانت تلتصق بروحها وحاجاتها، وتعكسُ عمْقَ اللّحظةِ الشّعوريّة، وتُحلّقُ في فضاءِ البوْحِ الوجدانيّ.

2. إن تكاثر التّضاد وازدحام الأساطير والوقوع في عالمٍ من الخيال، جعل توظيف المرآة كرمزٍ أشبه بجسرٍ بين عالم الواقع وما يطرحه من أعراف، وعالم الشّاعرة الخيالي الذّي يتغذى على آفاق الحُلُمِ، ونزيف الذَّاكرة المثخنة بجراح الأسئلة التّي تتهاطل "مفتقرة إلى جواب كسيل يتّخذ أودية متعددة... ويبقى الحلم يمثل العين النّسائيَّة في تتبع الرؤيا المستعصية، وإخراجها من غلالاتها الضّبابيَّة... 20"، وهذا ما قرأته عينا المتلقّي عند الشّاعرتين روز شوملي وهند جودة.

3. ومن خلال التّرميز بالمرايا اتّضح أنّ الشّاعرة لا تحب الانغلاق على ذاتها، بل مندمجة مع الآخرين تسمع أصداءهم، ولعلّ الشّاعرة فاطمة نزّال استطاعت أن تتوغّل في مرايا ديوانها؛ لتكون عاكسة لدهاليز ذاتها، تحرّكها رغبة جامحة في التّكامل مع الآخر، ولو تأمل القارئ جيّدًا لوجدَ أنَّ المرآة لفظة مؤنثة، والَّضوء لفظٌ مذكَّر، ولو غاب أحدهما لا يمكن لعملية الانعكاس أن تحدُث، فالنظرة تكامليَّة مئة بالمئة.

4. وقد تكون المرايا رموزًا لشخصيَّات تمتزج بخيال الشّاعرة أو بمخزنها الثّقافيّ، إلَّا أنّه لا يمكن أن تكون – غالبًا – شخصيَّات حقيقيَّة، بل هي كما يقول بارت "كائنات ورقيَّة "21، إذ تقوم الشّاعرة باختراع الشّخصيَّة أو تضخيمها، أو حذف أقوى صفة قد تكشفُ عنها، وعلى القارئ أن يكشف عن ملامح الشخصيّة من خلال مرآتها ووفقًا لسياقاتها، كما في قصيدة "مرايا كاذبة" للشاعرة أمل أبو عاصي، وقصيدة "مرايا النّور" للشاعرة إيمان أبو شيحة، وقصيدة "السندباد" للشاعرة صباح القلازين فقد رمزت للأهل في الغربة في سياق القصيدة بالمرايا.

5. ولو اُعْتُبِرَ أنّ النّصَّ مرآةٌ فمن الضّروري أن يُكشفُ من خلالها ذات الشاعرة، فإنّ كانت المرآة صافية لا عُتمة فيها أو ضباب، فهذا يشيرُ إلى ذات شاعريّة مجلوّة صافية، وعلى النّقيض تمامًا فلو بدت مرآة النّص معتمة، لبدت ذاتها أكثر تشظيًا وانكسارًا، وعليه يمكن القول أنّ النّص مرآة عاكسة ليس لذات الشّاعرة فحسب، بل لمجريات حياتها التّي قد تتشابه ومحطَّات حياته، فقد تعكسُ صورتك الحقيقيَّة، وترى نتوءات ملامحك، وتجاعيد الزّمن المرتسمة على محيَّاك، وقد تنقلك من زمنٍ إلى آخر، فتعكس تفاصيل تناسيتها أنت وقد شيّدتها أحداثُ الزّمن، فالمرآة أداة تقارن بينك وبينك في الأزمنة، وبينك والآخرين في الملامح والطّبائع، ولا تنسَ أنَّ واثق الخطى يمشي مَلِكًا .

6. إنَّ التّقاطع بين تقنيّة المرآة وتقنيّة القناع، غير أنّ المرآة أشدّ حياديَّة وأكثر موضوعيَّة، وهي أوسع مجالاً من القناع إذ تعكسُ الماضي والحاضر، بينما يعكسُ القناع الماضي22، والقناع غالبًا كان أسطوريًّا، كأسطورة نرسيس والإلهة ميدوسا، ولكن لو تساءل أحدهم: هل كانت المرايا كرمزٍ أكثر حضورًا من القناع؟ والجواب: أنّ المرايا برمزيتها كانت أكثر حضورًا وألصق بتجربة الشّاعرة الفلسطينيّة المعاصرة، ذلك لأنّها من خلال الرّمز تستطيع التّعبير عن معانيها المتزاحمة في صدرها، وبه تختصر المسافات الطّويلة من الحديث، وقد تختصر تجربة شعوريّة واحدة23، فقد تكون أقوى على بثّ إحساساتها من خلال عاكس المرآة، وتكون أكثر جرأة من استخدامها لتقنيّة القناع التّي تُخفي مشاعرها وقد تلصقها بمَنْ تقنَّعت بردائه، علاوة على أنّ القناع – غالبًا – ما يحتاجُ إلى بناء دراميّ كامل في حين يتقاطعُ الرّمزُ معه في جزءٍ من البناء.

ويُلْحَظُ أنّ الشّاعرة مريم الصّيفيّ لم تذكر لفظ "مرآة" نهائيًّا في ديوانها "ويبوحُ الصَّمتُ"، وحين لجأت الباحثة إلى عمليَّة إحصاءٍ للألفاظ، وجدت أنّ ألفاظ العُتمة والظّلام هي السائدة، وعليه لا يمكن للمرآة أن تقوم بوظيفتها، فقد أقنعت الشّاعرة الصّيفيّ متلقيها بأنّها لا تريد من أيّ مرآة مهما كانت قدرتها، أن تعكسَ رؤيتها للوطن وغربتها عنه، في دلالة قاطعة أنّ الوجع والآهات التّي تعتلجُ صدرها هي أشدّ ظُلمةً، بحيث إنّ أيّ  مرآة أو أيّة محاولة قد تخرجها من غربتها للوطن قد باءت بالفشل، في إشارةٍ واضحةٍ على يأسِها من تحقيق الوعد المنشود، وعليه فقد جاء لفظ "ظَلَمَ" ومشتقّاته مثل: "ظُلْم، ظَلَمَ، ظِلّ، ظَلام، ظُلُمات" ما يعادل 64 مرةً، ولفظ "ظِلّ وظِلال" 14مرةً، ولفظ "ليل" نكرة 39 مرةً، أمّا "ليالي" جمعًا فقد جاءت مرتين، ونفسُ العدد مضافة إلى جماعة المتكلّمين "ليلنا"، في حين أنّها لم تصرّح بلفظ "ليليّ" مضافة إلى ياء المتكلّم؛ ممّا يؤكدُ على اتّساعِ رقعةِ الألم (الغربة)، بجانب استنكارها لطول أمده (ها)، ولفظ "غاب" 27 مرةً، ولفظ "سواد" ثلاثَ مرّاتٍ، في حين أنّ لفظ "الدُّجى" جاء مرةً واحدة، وكلّ هذه الألفاظ ترمزُ للشتاتِ وعدم التفاؤل بمستقبل العودة، فتقول24:

              يلـوحُ  لنا  الـسـرابُ  ولاتَ  نـــورُ

              وتمتدُّ  الرمـالُ   كما   الــبـحـــورُ

               بهِ  تستعـذِبُ  الخطواتِ   ســـيرًا

              كــمـا يسـتـعــذِبُ الــظـــلَّ الهـجـيرُ

               ويغفو  الحــزنُ في عـتمـاتِ دربٍ

               فــــــلا ضــــوءٌ  يلوحُ  ولا بـشـيرُ

              تعثّرت  الخطى والـــدربُ تاهــتْ

               ونـجـمُ الــتــيــهِ أوهـــنــهُ المـسـيرُ

               يدبُّ  الوهــنُ  ملءَ  الخـطــوِ  لمَّا

              مـنـاراتُ  الـهـدى  وهـمـــًا  تصـيرُ

              يترجمُنَا  الضياعُ  خـطًـى  تلاشتْ

               وأرهــقَــهــا  على  الـتّــيـهِ العبورُ

فقد رمزت للعودة بالسّراب والظّلّ، ولامتداد الزّمن بالرّمال والعبور، وللوطن بالهجير، وللأمل بالضّوء والنّجم والمنارات، وللشتات بالضياع والتيه، ويبدو مقدار الألم واليأس من حلّ قضيّة اللّجوء والعودة للوطن، عندما تعرف أنّها وظفت لفظ "ضوء" 17 مرةً، ولكنّها قد وظَّفت اللفظَ بتركيبٍ يوحي بانطفائه، كقولها "اللا ضوء" ثلاثَ مراتٍ، أمّا "أغوى الضّوء"، و"ضوءًا يغيب"، و"يبدّد ضوءًا" كلّ منهم جاء مرّة واحدة وكلّها ترمزُ لأمل العودة، أمّا لفظ "النّهار" فجاء 8 مراتٍ، منها ثلاثُ مرَّاتٍ تجاورُ الظّلام، تقول: "ويبقى النهارُ يعانقُ ليلاً/ غاب النهارُ/ وهذا النهارُ تثقِلُهُ غيومُ همٍّ و جرحٌ غيرُ ملتئمِ."

إنّ عواملَ الحياة الفلسطينيَّة والعربيَّة مجتمعةً هِيَ التّي دفعت الشّاعرة المعاصرة للانزياح عن دائرة المألوف، والتّمرّد على قيم الثَّبات والجمود؛ لذا لجأت إلى التَّرميز؛ للتّعبير عن واقعها المتردّي المهزوم، هربًا من بطش المحتلّ اللّعين، ومحاولة تصدير فكرها الحرّ الذي طالما سعت إليه في قصائدها، وتفاديًا لإدراك مقاصدها من قِبَلِ الجهات الحزبيَّة، علاوةً على  إضفاء مزيدٍ من النَّواحي الْجَماليَّة، من خلال الابتعاد عن الرّتابة والسّطحيَّة، التّي تأباها النّفس الذّوَّاقة التّوّاقة للتّجديد، وإعطاء نفسها مزيدًا من الحريَّة التّعبيريَّة في البوح الكتوم. فالشّاعرة المعاصرة إذْ تلجأُ إلى الرّمزِ الأسطوري أو الطّبيعيّ خاصةً، تكشفُ عن محاولاتٍ للتعويض لفقدها معاني الحرِّية، والسّلام، فقد وظّفت رمز "المرآة"؛ لتَستعيدَ صورة تلك الأُنثى الموغلة في خندق رغباتِها، موظّفةً لوحاتٍ منلوجيَّةٍ عاكسةٍ لمخزونها العاطفيّ، عن طريقِ التّداعي، والحُلُمِ، وتربطُ بين مرآتها وقناعها؛ كي تستثمرَ الأفضية الرّحبة، وتستعيدَ أُنموذجها الأُسطوريّ، فتعوّضَ إحساسها بفقدها الحُلُم أيًّا كان، وفي كلّ حال يُعتقدُ أنّ هذه الخسارة والمشاعر المُضْطَرِبَةِ، قد ولّدت تدفقًا جماليًّا، وتفاعلاً تواصليًّا، أدركت الشّاعرة من خلاله مدى تذوّق المتلقّي ذي البصيرة الثّاقبة، والكشْفَ عن دلالةِ تلكَ الرّموزِ وسبْرِ أغوارِها؛ يَختلفُ مِن متلقٍ إلى آخَرَ؛ فكونُك قارئًا للرّمزِ تحتاجُ إلى طاقةٍ ثقافيّةٍ متموُّجة ومنْفتحةٍ، تتطلبُ منك مُعاوَدةِ النّظر، فكلُّ قراءةٍ جديدةٍ قد تُقَرِّبُكَ من فكّ رموزِ عالم الشّاعرة المَليءِ بالأسرارِ، وإن كان هذا العالَمُ قادرًا على اسْتفزازِ كلّ حواسكَ، فيجب أن "تتسلَّحَ بكلِّ ما يُمَكِّنُكَ مِن نفاذِ البصيرة، وحِدّةِ الإدراكِ ومَلكاتِ التّذوّق، فالقصيدةُ أشبهُ بمُهرةٍ بَرِّيَّةٍ جامحةٍ لا يَقدرُ على ترويضِها واعتلاءِ صهوَتِها، غيرُ خَيّالٍ أصيلٍ متمرِّسٍ بالخيْلِ والشِّعْرِ معًا25.

 

الهوامش:

1 - الناقدة: ميّادة أنور الصعيدي، باحثة فلسطينيّة حاصلة على الماستر في الأدب والنقد بمعدل امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ولها العديد من الدراسات النقديّة الجادة المنشورة، ومنها قيد النشر.

2 - إحسان، عبّاس: فنّ الشّعر، دار صادر – بيروت، ط1، 1996م، ص200.

3 - ينظر: اليافي، نعيم: تطوّر الصّورة في الشّعر العربيّ الحديث، اتّحاد الكتّاب العرب– سوريّا، 1983م، ص280.

4 - ينظر: أحمد، محمّد فتوح: الرّمز والرّمزيَّة في الشّعر العربيّ، دار المعارف–القاهرة، 1977م، ط1، ص39.

5 - عوض، إبراهيم: فن الشّعر العربيّ الحديث " تحليلٌ وتذوُّق"، دار المنارة للطّباعة – القاهرة، 2006م، ص156.

6 - أبو ديب، كمال، جدليَّة الخفاء والتَّجلّي "دراسة بنيويَّة في الشّعر"، دار العلم للملايين - بيروت، ط3، 1984م، ص266.

7 - ينظر: عبيد، كريم: آليَّة المرآة في الشّعر الفلسطينيّ، مج قراءات – جامعة بسكرة،ع 5، 2013م ، ص240.

8 - ينظر: رجب، محمود: فلسفة المرآة، دار المعارف – القاهرة، ط1، 1994م، يجب التّنبّه إلى أنّ ورود الكلمة (قطباها) على هذا الشكل خاطئ؛ ذلك لأنّه لا يجوز إضافة الضمير المتّصل إلى الاسم، ثمّ إلحاقها بـ " كلّ "، فإمّا أن يكون القول: يتوقف قطب كلّ منهما على الآخر، أو يتوقف قطباها على الآخر، ووفقًا للسياق فالتّعبير الأوّل أصح، ص118.

9 - مصلح، روز شوملي: طبيعة غير صامتة، كان يا مكان للنشر والتوزيع- فلسطين، ط1، 2015م، ص20.

10 - ينظر: الصَّكر، حاتم: مرايا نرسيس، المؤسسة الجامعيَّة للدراسات والنّشر والتّوزيع، ط1، 1999م، ص24.

11 - مصلح، روز شوملي: طبيعة غير صامتة، قصيدة "وهم"، ص41.

12 - ينظر: أبو ديب، كمال، جدليَّة الخفاء والتَّجلّي، دار العلم للملايين - بيروت، ط3، 1984م، ص263.

13 - الوهيبي، فاطمة عبدالله: المكان والجسد والقصيدة، المركز الثَّقافيّ العربيّ، الدار البيضاء –المغرب، أو بيروت – لبنان، ط1، يونيه 2005م، ص142.

14 - جودة، هند: ديوان "دائمًا يرحلُ أحد"، قصيدة " دائمًا يرحلُ أحد"، ص42.

15 - نزَّال، فاطمة: ديوان "اصعد في عليائكَ فيَّ "، مكتبة كل شيء_ حيفا، ط1، 2017م، ص 116.

16 - رجب، محمود: فلسفة المرآة، مرآة السّحر، دار المعارف - القاهرة، 1994م، ص79-82.

17 - بن السايح، الأخضر: سرد الجسد، وغواية اللّغة، عالم الكتب الجديد – الأردن، ط1، 2011، ص202.

18 - نزَّال، فاطمة، ديوان "اصعد في عليائكَ فيَّ "، ص82-83.

19 - ينظر: مرسلي، بولعشار: الشعر الصوفي، كلية الآداب والفنون، جامعة وهران -الجزائر، 2015م، ص111.

20 - رجب، محمود: فلسفة المرآة -مرآة الإنسان، ص72-77.

21 - بارت، رولان: مدخل إلى التّحليل البنيويّ للقصص، تر. منذر عيَّاشي، مركز الإنماء الحضاريّ للدّراسة والتّرجمة والنّشر، ط1، 1986م، ص72-73.

22 - ينظر: عبَّاس، إحسان: اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر، عالم المعرفة للنشر والتوزيع، وإصدار المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب – الكويت، 1398هـ - 1978م، ص125.

23 - ينظر: عبيَّات، عاطي، مطوري، علي: ظاهرة الرّمز والعنونة الرّمزيَّة في الشّعر الفلسطينيّ المعاصر، جامعة الشهيد جمران – إيران ،49-50، الرّابط:

 https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=97117

24 - الصيفي، مريم: ديوان " ويبوح الصمت"، دار الإسراء- عمّان، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، 2016م، ص 42.

25 - سعد الدين، إبراهيم: عُصْفُورَةُ النَّارْ ومُهْرَةُ الشِّعْرِ الأصِيلَة: إطْلالة نقديّةٌ على قصيدةِ النثرِ عندَ الشاعرة آمال رضوان، 14/آب/2006م،  https://www.diwanalarab.com


عدد القراء: 580

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-