مراسلات ألبير كامو وماريا كازاريس (1944/1959) رسائل حب غير شرعيّةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-05-29 07:30:26

عبدالغاني بومعزة

كاتب من الجزائر

"رسائلهم تجعل العالم أكبر، الفضاء أكثر إشراقًا، الهواء أخف، لمجرد وجودهم".

                                                                                                كاترين كامو

يقول الفيلسوف بليز باسكال بأنّ للقلب أسباب يتجاهلها العقل، ولاكتشاف المغزى الحقيقي لهذه الجملة ربّما لا شيء أفضل من استكشاف الأسرار التّي تحتوي على رسائل حب العشّاق التّي كتبت بخط يدّ مفكّرين وكتّاب وفلاسفة أجبروا على إخفاء مشاعرهم، عاشوا تجربة حب تتجاوز العلاقات العاطفيّة العاديّة والتّي تكون في العادة على حساب آخرين، هؤلاء الآخرين هم أقرب المقرّبين منهم، زوجة، عائلة، أبناء، ما يهمّنا هي المراسلات والخطابات المتبادلة بين هؤلاء العشّاق والتّي تعطينا صورة واضحة عن شكل وجوهر ونوع هذه العلاقات الجامحة، الأمثلة كثيرة، ربّما من باب الذكر نتذكر المراسلات العاطفيّة التّي تبادلها كلّ من جبران خليل جبران ومي زيّادة، غادة السمّان وغسان كنفاني والتّي تعتبر من أبرز كتب أدب الرّسائل في الوطن العربي، ليس لأنّ المراسلات جرت بين كاتب وكاتبة، بل لأنّها كُتبت بيد وقلب غسان كنفاني، وقد كشفت عنها غادة ونشرتها في تسعينيات القرن الماضي، نعثر في هذه الرّسائل على لغة صريحة وجارحة كحد السّكين، هناك أيضًا مراسلات هنري ميلر إلى حبّ حياته اناييس نين بين سنتي 1932 – 1953، رسائل فلاديمير نابوكوف إلى فييرا، رسائل عبر الأطلسي لسيمون دو بوفوار إلى حبيبها الكاتب الأمريكي نيلسون ألغرين بين سنتي 1947 و1964، رسائل كافكا وميلينا، لكن سيبقى أشهرهم رسائل ألبير كامو وماريا كازاريس، لمدّة خمسة عشر سنة تبادل خلالها العاشقان عشرات الرّسائل والخطابات التّي تنبع فيها شدّة حبّهما وصدق مشاعرهم، تكشف هذه الرّسائل المتبادلة عن تفاصيل مثيرة ولغة متلألئة بحيث نكتشف أنّ علاقتهما كانت في بعض الأحيان معقّدة، تعرّضت للكثير من المحن والتمزّقات وألم الشّوق والفراق، من خلال هذه الرّسائل ذات القيمة الفنيّة والتّاريخيّة نكتشف تفاصيل وأسرار وظروف نشوء العلاقة بين صاحب روايّة "الغريب" و"الطاعون" وماريا كازاريس، تسلّط هذه الخطابات الضّوء على العلاقة الحميمة بين اثنين من مشاهير فترتهم الزمنيّة وهم في ذروة فنّهم ونجاحهم، كتب ألبير كامو ما يقارب من 865 رسالة وبرقيات، تمّ العثور على الرّسالة الأخيرة بتاريخ 30 ديسمبر 1959 في حقيبته الخاصة، لقد تمّ الحفاظ على هذا الكنز وتقديمه للجمهور بعد خمسة وخمسين عامًا من قبل ابنته كاترين كامو مع مقدّمة عطوفة وجيّاشة بالمشاعر: "تمد أحرفها أطراف الأرض وتجعل العالم أكبر والفضاء أكثر إشراقًا ودقة في الهواء لمجرّد وجودها"، في الوقت نفسه تسامحه على الألم الذّي سببته هذه العلاقة لامّها فرانسين فور، بعد سنوات، بدأت كاترين صداقة مع ماريا كازاريس، وقد ساعدتها على استعادة الرّسائل المفقودة التّي تخص والدها لإنجاز مشروع كتابها، كانت ماريا كازاريس قد اعتزلت الوسط الفني منذ عقود ورفضت التطرّق لعلاقتها بألبير كامو رغم إغراءات دور النشر برغبتها في انجاز كتاب عن هذه العلاقة موثقًا بالرّسائل المتبادلة.

* * *

  في صباح يوم 6 يونيو 1944، نزل الحلفاء على شواطئ نورماندي، في تلك الليلة نفسها هبط العاشقان في ... معًا، إذا لم يكن هذا الحدث الأخير يمثل شيئًا كبيرًا مقارنة بتلك التّي حدثت على السّاحل الفرنسي، فلن يكون كامو وكازاريس كما كان عليهما مرّة أخرى، أولئك الذين يقرؤون مراسلاتهم لن يكونوا هم أنفسهم مرّة أخرى (أكثر من 1000 صفحة، تتراوح من صيف عام 1944 إلى شتاء عام 1960)، فلقد كان ألبير كامو اسمًا مألوفًا في فرنسا، شخصيّة عامة، فقبل ذلك بعامين، كان قد حفّز المشهد الأدبي الفرنسي بنشر روايّة "الغريب"، في عام 1943 انضم إلى جريدة المقاومة (combat) وسرعان ما أصبح رئيس تحريرها، وفيًّا لشعار الصّحيفة (من المقاومة إلى الثورة) أعلن بلغة نارية أنّ المقاومة ليست سوى خطوة أولى، لم يكن الهدف تحرير الأمّة فحسب، بل إعادة اختراعها أيضًا وأعلن في 24 أغسطس أنّ الرّجال والنساء الذين قاتلوا لتحرير فرنسا "لن يقبلوا عودة قوى الخضوع والاستسلام والظلم بأيّ شكل من الأشكال"، كان يردّد جملة كان قد كتبها قبل بضعة أسابيع "لقد رفضت الاستقالة طوال حياتي، و اختيار ما أعتقد أنه ضروري والتمسك به بحزم"، يمكن القول أنّ هذا الخطاب كان موجّها لجمهوره ومتابعيه وقرّاءه، وكذلك هي رسالة لحبيبته ماريا كازاريس التّي أصبحت اسمًا مألوفًا في باريس، في سنّ المراهقة درست المسرح والفلسفة في باريس، هي نفسها الموضوعات التّي تناولها كامو عندما كان طالبًا في الجزائر المحتلة، كتبت كاترين كامو في توطئة كتابها عن الرّسائل (correspondance 1944 - 1959): "التقت ماريا كازاريس ألبير كامو في باريس في 6 جوان 1944، يوم إنزال الحلفاء قواتهم على النورماندي، هي في عامها الواحد والعشرين، بينما هو في عامه الثلاثين، ماريا التّي ولدت في لاكورونيا في إسبانيا، كانت قد وصلت إلى باريس في سنّ الرّابعة عشر في عام 1936 كمعظم الجمهوريين الأسبان، أُكرهت على المنفى مع والدها، ستصرح بأنَّها ولدت في نوفمبر 1942 في مسرح ماتوران، تضيف كاترين كامو أنّ وجود أباها في فرنسا باعد بينه وبين زوجته فرانسين فور، لكنّها استطاعت الالتحاق به فيما بعد ممّا عجّل بانفصال الحبيبين، لكن في 6 يونيو 1948، بينما كان يعبران جادة سان جيرمان التقيا ولم يتركا بعضهما بعضًا مرة أخرى"، هذه المرّة وعلى الرّغم من وجودهما في ظروف استحالت أن يعيشا معًا بسبب الواجبات المهنيّة والأسريّة فلقد ظلت مساراتهم موحّدة حتى وفاة كامو، يقودنا هذا المسار إلى رجل اعتقدنا أننا نعرفه و لكننا لم نعرفه، وامرأة لم يعرفها معظمنا أبدًا وهي أكثر ثراءً من قبل، تتدفق رسائل كامو الأولى من الشعر الغنائي مخبرًا ماريا أنه تمنى أمنيّة أثناء مشاهدة شهاب يربط سماء اللّيل "إذا نظرت إلى السّماء اللّيلة، فهل تسقط مثل المطر على وجهك الجميل لتذكّرك بحبّي"، من جانبها وجدت صعوبة في التعامل مع جريان مشاعره، قلبها لا ينكر أنّه يميل إليه لكنّها تخاف من قوّة شخصيته، لدى كامو شخصيّة آسرة ومسيطرة من خلال لغته وكلماته وقصصه، فالرّجل الذي كسب قلوب الملايين من القرّاء في أرجاء العالم ليس بمقدور أحد مجاراته، تجيب في أحد رسائلها: "كنت صغيرة جدًا عندما التقيت بك لأوّل مرّة لأفهم تمامًا معنى كلمة نحن، ربّما اضطررت إلى ضرب رأسي في الحياة لأعود بعطش لا يشبع لك"، في سنة 1944، اعترف لها برغبته السّخيفة في البقاء إلى جانبها دائمًا، حتى لو بقيت فرانسين زوجته، بعد أربع سنوات من عودتهما لبعضهما تعترف له بأنّ هذه العبثيّة التّي وصفت بها فكرة بقاءهما معًا على حساب زوجته بأنّها أكثر الكلمات وجوديّة، يمكن القول أنّ علاقتهما "غبيّة" كما وصفها في أحد اعترافاته، لماذا؟، لأنّه لم يبق متزوّجًا بفرانسين، لكن أيضًا أبًا لتوأم صغيرين، وما في ذلك؟: "كلّ شيء غبي، إذا كنت تفضّلين قول ذلك، بما أنّ الأمور تسير بهذا الشّكل ولا يمكننا تغييرها، دعينا نحاول التعايش معها بقدر الإمكان ولا نخاطر بتدمير كلّ شيء بالمطالبة بالكثير من الحياة السّخيفة"، تأتي السّخافة بأشكال وأحجام مختلفة، في عام 1951، جاءت القطيعة الدراماتيكيّة بين سارتر وكامو بعدما نشر هذا الأخير رواية "الإنسان المتمرّد"، في هذا التحليل اللاّمع والناقد وإن كان غامضًا في بعض الأحيان للشيوعيّة والشّموليّة، أشار إلى الحمقى من اليسار الفرنسي الذين غضّوا الطرف عن جرائم ستالين، وقد أثار هذا حفيظة الشّيوعيين وخاصة سارتر، وقام هذا الأخير بنشر في مجلته "الأزمنة المعاصرة" مراجعة لاذعة وشديدة النقد لكامو، فأجابه هذا الأخير برسالة طويلة وحادة وأحيانًا مشفقة، الردّ اللاّذع والشخصي لسارتر دمّر العلاقة التّي جمعتهما لسنوات، شعر كامو بالحزن والغضب للطريقة التّي عومل بها، واعترف لكازاريس بأنّه لم يعد "لديه الرّغبة في العيش"، لكن سرعان ما استعاد رغبته في هذا العيش مرّة أخرى، لكنّها كانت حياة محاصرة بشكل متزايد من النّضالات الخاصة والعامة، كانت أكثر مخاوفه هي شغفه للكتابة، شعور بالشك، كتب لها: "أحتاج إلى العمل، لكن لا يمكنني، حقًّا، لا أستطيع"، في تلك الفترة كان يعاني من حالة نفسيّة سيّئة، بسبب سارتر والشّيوعيين، وأيضًا لشعوره بالذنب بسبب حالة زوجته النفسيّة التّي كانت تعيش وحيدة، في عام 1953، بدا أنّها كانت تعاني من انهيار عصبي وهو الانهيار الذي عجلته "خيانة" كامو، في خطاب مؤلم أخبر ماريا عن محاولة انتحار زوجته، حيث هرعت إلى نافذة الشّرفة على ما يبدو لإلقاء نفسها وكادت تنجح لولا يقظته: "لو لم أكن سريعًا بما فيه الكفاية"، على الرّغم من إصراره على أنّه لم "يفهم تمامًا" حالتها المتدهورة، وجد نفسه في موقف سخيف كان هو جزء منه، يعيدنا هذا إلى فكرة الاستقالة التّي كثيرًا ما ردّدها، فعندما أخبرها أنه يرفض الاستقالة طوال حياته، لم يقصد مقاومة الاحتلال، لكن مقاومة إغراء تطليق زوجته فرانسين فور: "أعلم جيدًا أن كلّ ما علي فعله هو قول كلمات معيّنة وأدير ظهري لهذا الجزء من حياتي، لكن منذ أن أعطيت كلمتي، لن أقول هذه الكلمات وهناك التزامات لا يمكنني كسرها"، كان يعرف أنّ كلّ ما يجمعه بزوجته ملزم بالوفاء به حتّى ولو على حساب متعه العاطفيّة، في رسالة كتبها بعد أيّام قليلة أخبر ماريا "سأحاول إسعاد فرانسين".

* * *

تتغذّى الرّسائل من الرّغبة والشّوق، من ذكريات مركّزة قضاها معًا، من اللحظات المشبّعة بالتفاصيل، تصبح هذه اللحظات أكثر مرونة، أكثر أسطوريّة من أيّ وقت آخر، في الرّسائل اللاّحقة، لم تعد تطلب منه أن يكتب، بل أن يعيش حياته كما يريد، أن لا يحرم نفسه من تلك اللحظات الجميلة التّي تصنع الفرق في الحياة، لقد كان يعاني في صمت، يعاني من الالتزام، الاكراهات، يشكو الحرمان، عدم التفهم، الخصوصيّة المنتهكة، كتبت له ناصحة: "عش كما تريد دائمًا، إذا كنت لا ترغب في الكتابة، فلا تفعل ذلك، أنت تعرف ما يكفي الآن أنّه لا يسعنا إلا أن نكرّر أنفسنا"، تطلب منه أن يرسل لها رسالة تشير إلى أنّ كسله على ما يرام ولو بكلمة واحدة: "سأعرف بالضبط ما أحتاج إلى معرفته، ومن جانبي، سأفعل الشّيء نفسه"، كرّرت في رسائل لاحقة أنّها قد أخبرته بالفعل بكلّ شيء، وأنّها لا تستطيع تخيّل الحياة بدونه، تُظهر هذه المراسلات التّي لم تنقطع لمدّة اثني عشر عامًا، طابع حبّهما الجامح بوضوح، كتبت في 4 يونيو 1950: "التقينا، تعرفنا على بعضنا بعضًا، استسلم كلّ منا إلى الآخر، فزنا بحب متأجج شديد من البلور الخالص، أتدرك سعادتنا وذاك الذّي منحنا إيّاه؟"(4 يونيو 1950)، وفي 23 فبراير 1950 كتب: "واضحان ويقظان بالقدر ذاته، وقادران على فهم كلّ شيء ومِن ثَمَّ قادران على التغلب على كلّ شيء، قويّان بما يكفي للعيش دون أوهام، ويرتبطان بعضهما ببعض، بروابط الأرض، الذكاء والقلب والجسد، لا شيء يمكنه، وأنا أعلم ذلك، أن يباغتنا أو يباعد بيننا"، يدرك أنّ زواجه يشكل عقبة، كانت فرانسين تعرف بأمر العلاقة بالقدر الذّي سبّب لها الكثير من الألم والاكتئاب، وهذا ما يزيد من عجزه وعدم اليقين: "هذا الحبّ التعيس ليس ما تستحقه"، كتب مرّة أخرى: "وجدت معك قوّة حياة اعتقدت أنّني فقدتها .. أنت الكائن الوحيد الذّي أعطاني الدّموع"، إنه على درايّة بكلماته وأحيانًا يعيد قراءة الملاحظات قبل إرسالها: "أنا متعب وأخشى الاستمرار على هذه النغمة، هذا فقط لأخبرك لون اليوم وأفكاري، ثقيل وساخن، يوم صمت، عُري، غرف مظللة، هجران، أفكاري كلون شعرك، الاثنين وبعد أيّام قليلة، سيكون كلون عينيك"، لاحقًا كتب متفائلاً: "اكتب اسمك في الليل يا عزيزتي ماريا"، كان يشغل عقله ليتجاوز الفوضى التّي ترتّب حياته، يتحدّث عن أيّام الأحد المليئة بالكتابة، حتى عندما يجدها شبه مستحيلة، كانت تشجّعه على المضي قدمًا: "أحبّك، أكتب، أكتب، الأيّام طويلة وصعبة، أحتاج رسائلك للعيش وللنوم"، يشعر من خلال السّطور التيّ يقراها بأنّها هي أيضًا تعاني من الوحدة والبعاد، من الفراغ الذّي تسببت فيه هذه العلاقة، من زحمة الحياة التّي لا تناسب امرأة معطاءة وخجولة، يسألها: "رسالتك، يا جميلتي، كانت حزينة بعض الشّيء، كيف يمكنني أن أقدّم المساعدة؟، رفيقك المخلص موجود هنا، أنت تعرفين ذلك"، ويختم مذكّرًا إيّاها: "تاج القبلات لملكة الأحلام"، لكنّه في السّطور الأخيرة يغيّر النغمة: "نعم، يمكنك أن تكوني سعيدة، أنت رائعة، ممثلة رائعة جدًا".

  نحن أيضًا مبهورون بقراءة هذه الرّسائل، إنها ليست مراسلات بقدر ما هي قصّة حب كبيرة، شارك في كتابتها شخصيتان غير عاديتين، في حالة حب كامل وسريالي مع بعضهما البعض: "بأي معجزة تعرف دائمًا كيف تلبّين توقّعاتي؟"، تساءل كامو في أوّل رسالة، حتى لو كنت أنا نفسي لا أراها أو أفهمها بوضوح؟"، يضيف أنّ الجواب لا يهم "أنت تعطيني أكثر ممّا أستحقه في أي وقت مضى، وأقبل باحترام وامتنان هذا الحب الرّائع الذّي يبقيني على قيد الحياة"، بعد عدّة سنوات اعترفت له: "بالطبع، لم أعد الشّخص الذّي كنت عليه عام 1950، ناهيك عن عام 1944، هذا شيء جيّد أيضًا!"، هذه التغييرات هي نتيجة الرّابطة غير العاديّة التّي جمعت بينهما، قالت لكامو: "لم يعد يهمّني ما صنعته بنفسي، بل ما صنعناه، بمرور الوقت، هناك القليل من القلق، القليل من القلق المكتوب والملموس من أنّ حبّهم قد تلاشى، وأنّ الازدراء المعتاد أو الألفة قد نشأت بيننا، ربّما يكون هذا بسبب الوهم المعلق بالحب من بعيد"، تضيف في رسالة أخرى: "أحتفظ بك كأنك كالمرّة الأولى، أحب قلبك وكلّ ما أنت عليه ... عندما أفكّر فينا، يبدو من السّخف عدم الإيمان بالخلود"، في خطاب آخر ليس بعيدًا عن خطابها هذا كتبت مذكّرة إيّاه بما يجمعهما وإنّها مدينة له بالحبّ الذّي أهداها ايّاها: "لا أحد يستطيع أن يقول إنك تضيع عبقريتك في كتابة رسائل الحب إليّ، نعم فهمت!، بعد اثني عشر عاما كنّا فيها غالبًا ما يتمّ تحويلنا إلى المواعيد النهائيّة لكتابة الرّسائل، تتعب من إيجاد طرق جديدة لإخباري أنّك تحبّني، على الأقل يمكنك مراسلتي ببعض السّطور لإخباري بصحتك ومزاجك"، كان العاشقان يتشاركان آرائهم حول الكتب التّي يقرؤونها دائمًا، "ستندال دائما لامع"، "بلزاك رائع في بعض الأحيان، تلاحظ ماريا كازاريس، من جهته يخبرها بملاحظته، مثل، أرنست همنغواي "مزيّف"، جورج أورويل" ينتمي إلى عدد قليل جدًا من الرّجال الذين أشاركهم شيئًا ما"، وإذا ظلت الكتابة مسالة صراع يومي فانّه يجد نوعًا من الخلاص من خلال إعادة تخيّل طفولته وشبابه، سنة 1957، شرع في انجاز ما كان يعتبره أحد أصعب وأكبر مشاريعه الرّوائيّة ، رواية "premier homme le"، لقد تقاسم معها الألم والوحدة المستوحاة من هذا المشروع على الرّغم من ذلك فلقد جاءت جائزة نوبل لتكون بردًا وسلامًا، في مذكّرة كتبها من ستوكهولم بالسويد، قال إنّه شعر وكأنّه جيمس ستيوارت في السيّد سميث يذهب إلى واشنطن (سنة 1939).

* * *

  كتبت كاترين كامو في مقدّمة الكتاب الذي نشرته عن والدها وعلاقته بماريا كازاريس وعنوانه)( correspondance    1959 / 1944): "تظهر هذه المراسلات التّي لم تنقطع لمدّة اثني عشرة سنة الطبيعة التّي لا تقاوم لحبّهم"، وترى أنه عبر رسائل ماريا كازاريس نكتشف حياة ممثلة عظيمة، كما نتعرّف على مواقفها الشّجاعة وإخفاقاتها وجدول مواعيدها المجنون والتسجيلات الإذاعيّة والبروفات والعروض المسرحيّة بتقلباتها وتصوير أفلامها، كما تكشف لنا عن حياة الممثلين في مسرح الكوميدي فرانسيز والمسرح الشّعبي الذّي مثلت فيه إلى جانب نخبة الممثلين والمسرحيين الفرنسيين، ولأنَّها مولودة في منطقة جاليسيا، كانت تشعر بالمحيط كأحد مكوّناتها: "فهي مثله، تتدفق، تنكسر، تنكفئ على نفسها، وتنطلق ثانيّة بحيويّة مذهلة، تعيش السّعادة والتعاسة بالكثافة نفسها، تستسلم لذلك بعمق، إن نفس هذه الطريقة في الحياة موجودة حتّى في هجائها"، أمّا رسائل ألبير كامو فهي مقتضبة للغايّة حسب رأي ابنته، لكنّها تعكس حبّه وارتباطه بالحياة وشغفه بالمسرح واهتمامه الدّائم بالممثلين وهشاشتهم، كما أنَّها تستحضر المواضيع العزيزة عليه، مهنة الكاتب وشكوكه والعمل الشّاق في الكتابة، على الرَّغم من إصابته بمرض السّل، يتحدّث إلى ماريا عمّا كتبه، نصوصه قبل أن تنشر، مثل، الإنسان المتمرّد، موضوعات راهنة، المنفى والملكوت، السَّقطة، الإنسان الأوّل، مع ذلك لم يشعر أبدًا بأنَّه في مستوى الحبّ الذّي تبادله ماريا، إنَّها تطمئنه بلاّ كلل، تؤمن به، بأعماله، ليس بشكل أعمى لكن لأنَّها كامرأة، تعلم أنَّ الإبداعَ هو الأقوى، وهي تعرف كيف تقول ذلك، بإخلاص واقتناع حقيقي.

تقول كاترين كامو في كتابها:

"كتب في 23 فبراير 1950، ما يفعله كلّ منّا في عمله وحياته، وما إلى ذلك، لا يفعله بمفرده، الوجود الوحيد الذي يشعر به هو الرّفقة، هذا لن يُنكر أبدًا"، وتتساءل: "كيف استطاع هذان الكائنان اجتياز سنوات عديدة، في ظل التوتّر الشّاق الذي تطلبه حياة حرّة يخفّفها احترام الآخرين؟، كان عليه أنْ يتعلم السّير على سلك الحب المشدود الخالي من أيّ كبرياء، دون أن يتخلى أحدهما عن الآخر، ودون أن يتشكك أيٌّ منهما في الآخر، مع مطلب الوضوح نفسه؟"، تقول انّ الإجابة موجودة في هذه المراسلات التّي يتكشف فيها عمق صدق حبّهما، نجد إجابة هذا السّؤال لدى ماريا التّي قالت لكاترين بعد لقاءهما: "يبدو أنَّه تمكن من السّير على هذا السّلك حتى النهاية دون فشل"، في موقف آخر تضيف ماريا: "يبدو أنه من المفيد أن أُلقي النظر على الارتباك البشع لمشهدي الداخلي، ما يزعجني أَنني لن أجد أبدًا وقتَ الفراغ، الفطنة، وقوّة الشخصيّة الضّروريّة لوضع قليل من النظام في هذا الدّاخل وأنا آسفة على اعتقادي أنني سأموت قطعًا كما ولدت، دون ملامح"، يردّ عليها كامو: "كبديل لعدم الملامح، سيكون من الضّروري أنْ تموتي غامضة في نفسك ومشتّتة، لكن ربّما يكون أيضًا الوحدة المتحققة، والوضوح الرّصين للحقيقة، الموت نفسه، لكي يشعر المرء بقلبه، يحتاج إلى الغموض والوجود المبهم، والنداء المتواصل، والنضال ضدّ نفسه والآخرين، سيكون كافيًا عندئذ معرفة ذلك، وعشق الغموض والتناقض بصمت، بشرط وحيد وهو عدم توقف النضال والسّعي"، تختم كاترين توطئتها بتوجيه الشكر لكامو ومارتا: "لقد جعلت رسائلهما الأرض أكثر رحابة والفضاء أكثر إشراقًا، والهواء أكثر خفة، ببساطة؛ لأنهما وُجدا"،(ألبير كامو و ماريا كازاريس حب أجّجت ناره الرّسائل، محمد الحمامصي).

* * *

مراسلات 1944/ 1959

7 أكتوبر 1956.

السّاعة الواحدة صباحًا، يونيو 1944.

ماريا الصّغيرة ..

 لقد وصلت للتو إلى المنزل، ولا أريد أن أنام على الإطلاق، أريد أن أكون بالقرب منك .. إليّ كثيرًا لدرجة أنني يجب أن أجلس على طاولتي لأتحدّث إليك بالطريقة الوحيدة التّي أستطيع، لم أجرؤ على إخبار مارسيل (هيراند) أنني لا أريد أن أشرب شمبانيا، لقد كنت برفقة الكثير من النّاس! ....لكن بعد نصف ساعة، اكتفيت، كنت بحاجة إليك فقط، أحببتك كثيرًا يا ماريا، أريد أن أراك، وأن أسمع صوتك الذي لا يمكن تعويضه بالنسبة لي في طريقي.. 

وجدت نصًا للمسرحيّة، لا أستطيع قراءته بعد الآن دون سماعك، إنها طريقتي لأكون سعيدًا معك، أحاول أن أتخيّل ما تفعلينه وأتساءل لماذا أنت لست هنا، أقول لنفسي أن ما سيكون ملائمًا، قاعدتي الخاصة، قاعدتي الوحيدة التّي اعرفها، وهي قاعدة العاطفة والحياة، هي أن نعود معا إلى المنزل غدًا وأن ننهي معًا أمسيّة كنا سنبدؤها معًا،  لكنني أعلم أيضًا أنه عبث وأن هناك كلّ شيء آخر، لكن على الأقل لا تنسيني عندما تتركني، كذلك لا تنسى ما قلته لك بالتفصيل، يوم ما قبل أن نستعجل كلّ شيء، في ذلك اليوم أخبرتك من صميم قلبي، وأودّ، لذلك، أن نكون مع بعضنا البعض كما أخبرتك أنه ينبغي أن نكون، لا تتركيني، لا يمكنني التفكير في أيّ شيء أسوأ من خسارتك، ماذا أفعل الآن بدون هذا الوجه حيث يهزّني كلّ شيء، هذا الصّوت وكذلك هذا الجسد مضغوط ضدّي؟ ..علاوة على ذلك، هذا ليس ما أردت أن أخبرك به اليوم، لكن فقط وجودك هنا، حاجتي لك، فكرتي لهذه الليلة، أعانقك بكلّ قوتي.

يوليو 1944، الجمعة الحادية عشرة مساء:

أتساءل هذه الليلة، ماذا تفعلين؟، أين تتواجدين، وفيما تفكّرين، أودّ لو امتلكتُ يقين فكركِ وحبّكِ، استطعت ذلك، أحيانًا. لكن ما هو الحب الذي في وسعنا الوثوق به دائمًا؟، إشارة ثمّ يتقوّض كلّ شيء، على الأقل إبان لحظة معيّنة، عمومًا، يكفيك كائن يبتسم في وجهكَ فيدخل البهجة إلى قلبكَ، لكن طيلة أسبوع على الأقل، غاب أيّ حب عن هذا القلب الذي أغار عليه جدًا، ما العمل إزاء ذلك سوى الإقرار والفهم  والتجلد؟، بل من أنا حتى أطالب شخصًا بأشياء عديدة؟، ربّما، لأنّي أعلم مختلف جوانب الضّعف التّي قد يعيشها قلب ما ولو اتصف بالصلابة، هكذا أشعر بالخشيّة جراء الغياب وأمام هذا الفصل الأبله، بحيث يتحتم عليكَ لحظتها تغذية عشق جسد بخيالات وذكريات، هنا خلد الجميع إلى النوم، بينما أنا أسهر معكِ لكنّي أشعر بروحي جافة مثل كلّ الصّحاري، آه! عزيزي، متى يعود لنا التدفق والصّيحة؟! .. أحسّ أني أخرق جدًا وشديد الرّعونة، مع هذا الحب غير المستثمر ثمّ يظل في صدري يحصرني دون إلهامي البهجة، يبدو أني لست صالحًا لأيّ أمر، يلزم أن يكتسيني ما أنا بصدد كتابته، أنغمس في الرّواية وأنصهر ضمن الشّخصيات التّي باشرتُ تشكيلها من جديد، لكني أتطلع إليهم فوقيًا، مادمت أشتغل بذكائي شاردًا، ولا لحظة واحدة صحبة هذا الشغف والانكباب القوي الذي كرسته دائمًا إلى من أحب.

جويلية 1944 ..

السّاعة العاشرة مساء.

لقد قرأت للتو إهداءك عزيزتي، وأشعر في داخلي بشيء يرتعش، أقول مع نفسي إننا نكتب أحيانًا هذه الأشياء وفق حركة، بدون أن نكون في خضمها تمامًا، أقول في الوقت ذاته بأن هناك كلمات لا نكتبها، ولن نشعر بها، أنا في غاية السعادة ماريا، هل ممكن هذا؟ ما يرتجف داخلي يظل نوعًا من السعادة العارمة، لكن في الآن ذاته ينتابني إحساس بالمرارة نتيجة رحيلكِ، وحزن عينيكِ حينما هممتِ بالمغادرة، صحيح أن ما أضمرتُه دائما نحوكِ اتسم على الدوام بطعم يمزج بين الغبطة والقلق، لكن إذا كنتِ تعشقينَنِي مثلما كتبتِ، فيلزمنا الحصول على شيء آخر، إنه حقًا مجالنا الزماني المكرَّس كي يحب أحدنا الثاني ثم يتحتم علينا السعي، غاية ذلك بما يكفي من القوة والديمومة، كي نَعْبر خاصة كل حقيقة. أنتظر غدًا وأنتِ ووجهكِ الغالي، كنتُ هذا المساء في غاية التعب كي أتحدث إليكِ بصوت ذاك الفؤاد الطافح الذي استطعتِ إرساء موضع له داخلي يقوم شيء ما يخصنا فقط، بحيث انضم إليكِ عبره بدون مجهود، إنها ساعات انزوائي إلى الصمت، لحظتها ترتابين في أمري، لكنه سياق لا يعني شيئًا مادام قلبي ممتلئا بكِ، إلى اللقاء عزيزتي وأشكركِ على بعض هذه الكلمات التي أسعدتني كثيرًا، شكرًا على روحكِ التي تحب وأحبها، أقبِّلك بكل ما أوتيت من قوة.

(من رسائل ألبير كامو إلى ماريا كاساريس: لا أتخيل شيئًا أسوأ من فقدكِ /ترجمة سعيد بوخليط).

الرّسالة الأخيرة..

30 ديسمبر 1959.

يكتب ألبير كامو بطريقة استهلاليّة، كان قد استقر في منزله الجديد في (Lourmarin) في مقاطعة (Vaucluse) منذ شهر نوفمبر 1959، وبعد تتويجه بجائزة نوبل للآداب أخبر ماريا كزاريس بأنّه سيعود قريبًا إلى باريس يوم الاثنين 4 يناير: "حسنا، آخر رسالة، فقط لأخبرك أنني سأصل يوم الثلاثاء عن طريق البرّ، وأعود مع آل غاليمار يوم الاثنين (يمرّون هنا يوم الجمعة)، سأتصل بك هاتفيًا لحظة وصولي، ربّما يمكننا بالفعل الترتيب لتناول العشاء معًا يوم الثلاثاء، دعنا نقول، من حيث المبدأ أن نأخذ في عين الاعتبار مخاطر الطريق، لا يهم، سأؤكد لك موعد اللقاء هاتفيًا، أرسل لك بالفعل الكثير من التمنيات العطوفة على أمل أن تتدفق الحياة إليك على مدار السّنة، فتهبكِ الوجه المحبوب الذي عشقته منذ سنوات (لكن أعشقه أيضًا بهوس وبكل الكيفيات)، أطوي تَكتٌّمكِ بين ثنايا غلاف وأبعثه صوب كلّ شموس القلب، إلى اللقاء جميلتي، فرح جدًا بفكرة رؤيتك ثانيّة بحيث أبتسم وأنا أكتب إليك، أغلقت ملفاتي وتوقفت عن الاشتغال (كثير من الأسرة وأصدقاء الأسرة!)، بالتالي، لم يعد من مبرر لأحرم نفسي من ابتسامتك ولا أماسينا، ولا وطني، أقبِّلك، وأحتضنك غاية يوم الثلاثاء، كي نستأنف كلّ شيء.

لم يصل الكاتب إلى باريس أبدًا، ففي الرّابع من يناير عام 1960 بعد الظهيرة، كان ميشيل غاليمار يقود سيّارته الجديدة عائدًا إلى باريس ويجلس بجواره كامو، وفي المَقعد الخلفي زوجة غاليمار وابنتيهما، فجأة فقد السّيطرة على سيّارته قرب بلدة "فيلبيلفين" الصّغيرة الواقعة على بعد أكثر من 65 كلم من باريس، انحرفت واصطدمت بشجرة على جانب الطريق، أصيب غاليمار بجروح خطيرة ومات بعد خمسة أيّام، أمّا زوجته وابنتيهما فلم يصيبا بجروح خطيرة، الموت السّريع كان من نصيب كامو الذي تلقى الصّدمة كاملة، وكان يبلغ وقتها ستّة وأربعين عامًا، بالنسبة لعشاقه بدا أنّ نهايّة بطلهم معقولة وشاعريّة للغايّة، عثرت الشُرطة في السيّارة المُدمّرة على مخطوط لروايّة غير كاملة بعنوان (le premier homme)، وهي شبه سيرة ذاتيّة ترتكز وقائعها على طفولة كامو في الجزائر، عادت فرانسين والتّوأم إلى باريس بالقِطار، من الواضح أنّه كان يُخطط للعودة مع أسرته بالقِطار، لكن غاليمار أقنعه بالعودة معه في السيّارة، ليفقد الحياة والتّي هي أعزّ ما يملك، كتب المحرّر الأدبي لصحيفة نيويورك تايمز في نعي ألبير كامو: "هناك مفارقة فلسفيّة قاتمة في حقيقة أن ألبير كامو كان يجب أن يموت في حادث سيّارة لا معنى له".

بقيت ماريا كازاريس محافظة على ذكراها مع كامو باحتفاظها بأسرارها معه بما فيها كنز الرّسائل، وعاشت ماريا كازاريس سنوات طويلة إلى أن توفيت عام 1996 عن عمر يناهز 74 عامًا.

 

* ملاحظة: الرّسائل من ترجمة الكاتب.


عدد القراء: 1233

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-