الشراهةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-02-01 07:19:58

مي ممدوح

مترجمة مصرية

مويان

ترجمة عن الصينية: مي ممدوح

حينما كان عقلي في أمس الحاجة للغذاء، كان معظم الصينيين يتضورون من الجوع حد الموت. كنت غالبًا ما أقول لأصدقائي، لولا الجوع، لكنت أكثر ذكاءً مما أنا عليه الآن، وبالطبع قد لا يكون الأمر كذلك. ولأنني عانيت الجوع منذ مولدي، ترتبط ذكرياتي الأولى بالطعام. تألفت عائلتي آنذاك من أكثر من عشرة أشخاص، ومع كل وجبة أكون على موعد مع نوبة من البكاء الشديد. فابنة عمي تكبرني بأربعة أشهر، وفي ذلك الوقت، كنا في الرابعة أو الخامسة من العمر، حيث كانت جدتي تعطيني والأخت الكبرى هذه قطعة من البطاطا الحلوة المجففة والمتعفنة، كنت دائم الاعتقاد بأن جدتي تتحيز، حيث تعطي الأخت الكبرى القطعة الأكبر. لذا، انتزع تلك القطعة من يدها، وألقي لها بقطعتي. اكتشف بعدما انتزعتها، أن قطعتي هي الأكبر، فأعاود انتزاعها مرة أخرى. وهكذا تبكي لتكرار انتزاعها منها. يحتقن وجه زوجة عمي. وبطبيعة الحال، تنهمر دموعي بينما أجلس على مائدة الطعام. تتنهد أمي بلا حيلة، وبالطبع تقف جدتي بصف الأخت الكبرى، دون أن يفوتها توبيخي لما اقترفت. في حين تتفوه زوجة عمي بأكثر ما تمجه الآذان من ألفاظ. اشتكت أمي لجدتي وزوجة عمي مرارًا من نهمي الشديد، قائلة إنها ما كان ينبغي أن تنجب ابنًا بهذا البطن الكبير.

بعدما انتهي من تناول قطعة البطاطا الحلوة المجففة، لا يبقى سوى زلابية الخضروات البرية. تلك الأشياء السوداء، التي تُوخز الفم، فلا يقوى المرء على تناولها، لكن يجب أن تُؤكل. لذا كنت آكلها وأنا أبكي، وابتلع دموعي مع ما ابتلع. لا أعرف حقًا علام اعتمدنا نحن غثاء البشر في غذائنا؟ فكرت حينها، متى يمكنني أن أتناول وجبة من البطاطا الحلوة وأشبع حد الشعور بالرضا.

 ربما كان ربيع عام 1960 ربيعًا مظلمًا من تاريخ البشرية. فقد أكلت كل ما يمكن أن يُؤكل حينها، أكلت جذور النباتات، ولحاء الأشجار والأعشاب أعلى الأفاريز. كان الناس يلقون حتفهم بالقرية كل يوم تقريبًا. وجميعهم يموتون جوعًا. في بادئ الأمر، كان الموتى يُدفنون، ويذهب الأقارب وهم ينتحبون لمعبد الأرض "للإبلاغ عن الوفاة"، حيث يتوجهون لإله الأرض لإلغاء قيد المتوفي، بعد ذلك لم يكن ثمة من يدفن الموتى، ولا من يذهب منتخبًا "لإبلاغ المعبد". بينما ظل بعض الأشخاص حريصين على جر الجثث من داخل القرية لخارجها، حيث تنتظر هناك الكثير من الكلاب المسعورة، والتي احمرت أعينها جراء أكل الجثث، وما أن توضع الجثة، حتى ينقضوا عليها، وسرعان ما يلتهموها. في الماضي، لم أكن أفهم مطلقًا ما تعنيه النصوص المسرحية، بأن الفقراء يستخدمون توابيت من الفراء، والآن فهمت ما تعنيه توابيت الفراء.

كتب البعض في وقت لاحق عن أكل لحوم البشر في ذلك الوقت، أعتقد أن ذلك مجرد ظاهرة جزئية للغاية. يقال إن المدعو "ما سي" من قريتنا قد قطع اللحم من ساق زوجته المتوفاة، وشواه، وأكله، لكن لا دليل على ذلك، لأنه هو أيضًا، سرعان ما مات. إنه الطعام، الطعام، الطعام، أين اختفى الطعام كله؟ من أكل كل الطعام؟ كان الناس بالقرية سُذج بلا حول، يموتون جوعًا دون أن يجترؤوا على التجول بحثًا عن لقمة العيش، فجميعهم يقبعون في بيوتهم، يطهوهم الموت جوعًا. قيل في وقت لاحق أن التربة البيضاء في نانوا يمكن أن تُؤكل، فذهبت لاستخراجها وأكلها، تسبب أكلها في اصابتي بالإمساك، علاوة على موت البعض مختنقًا، لذا امتنعت عن أكلها.

كنت قد التحقت بالمدرسة آنذاك، وفي الشتاء، جاءت سيارة الفحم إلى المدرسة، بدا الفحم لامعًا براقًا، فقد كان ذو جودة عالية. أخبرنا زميل لنا مريض بالسل أن ذلك الفحم شهي جدًا، ويصير أشهى مع استمرار مضغه. لذا فقد ذهبنا جميعًا لتناوله، وقد اتضح أنه كلما مضغناه، صار أكثر لذة. وأثناء الحصة، كانت المعلمة تكتب على السبورة، بينما نأكل الفحم في الأسفل، فصار ثمة دوي لعاصفة المضغ. سألتنا المعلمة عن ماذا نأكل، قال الجميع في صوت واحد، نأكل الفحم. قالت المعلمة، كيف يمكن أن يؤكل الفحم؟ فتحنا أفواهنا السوداء وقلنا، أيتها المعلمة، الفحم أشهى طعام بالعالم، إنه لذيذ للغاية، فلتجربي تذوق قطعة. كان لقب المعلمة "يوي"، وهي أيضًا تعاني الجوع، فوجهها شاحب، بدا وكأن لحيتها قد نمت، حيث صيرها الجوعُ رجلًا. قالت بتشكك، كيف يمكن أن يُؤكل الفحم؟ كيف يمكن أن يُؤكل الفحم؟ قام طالب وقدم إليها بتودد قطعة من الفحم اللامع، وقال لتجربيها أيتها المعلمة، وإن لم يعجبك طعمها، يمكنك بصقها. جربت المعلمة "يوي" في البداية بأخذ قضمة صغيرة، وأخذت تلوكها بفمها، انعقد حاجبيها، بدا وكأنما تتذوق الطعم، ثم أكلتها ملء شدقيها. قالت بحبور: "أوه، إنه لذيذ حقًا!"

يبدو هذا الأمر خرافي بعض الشيء، أشعر الآن أنه لا يبدو حقيقيًا، بينما هو حقيقي دون شك. عندما زرت منزلنا العام الماضي، التقيت بالعم وانغ، والذي كان بوابًا للمدرسة آنذاك، ولما تكلمنا في أمر تناول الفحم، قال العم وانغ، أن ذلك حدث بالفعل، كيف يمكن أن يكون غير حقيقي؟ فقد كان تغوطكم عبارة عن كعكات من الفحم، تطقطق حال وضعها بالموقد. وحينما بلغ الجوع أقصى مداه، أرسلت الدولة مواد الإغاثة، والتي كانت عبارة عن كعك فول الصويا، على أن تكون حصة الفرد ربع كيلو منها. أعطتني جدتي قطعة في حجم نواة ثمرة المشمش، وضعتها في فمي، وأخذت ألوكها، لم يكن لمذاقها نظير، حتى أنني لم أحتمل فكرة ابتلاعها، بدا أنها قد ذابت في فمي.

 أكل الجد "سون جيا" جارنا من الجهة الغربية حصة أسرته من كعك فول الصويا والمقدرة بكيلو جرام في طريقه للمنزل، وبعد عودته، بدأ يشعر بالعطش، فشرب الماء البارد، انتفش كعك فول الصويا في معدته، مما تسبب في انفجارها، وأرداه ميتًا. وبعد مضي عشر سنوات، وبينما نتذكر آلام الماضي، قالت أمي أن معدة الناس آنذاك كانت رقيقة كالورق، وخالية من الدهون تمامًا. يصاب الكبار بالاستسقاء، بينما نحن الصغار، عادة ما يكون لدينا بطن كبير، أشبه بالإبريق، حيث تكون البطن شفافة، والأمعاء الخضراء بالداخل نافرة. فالجميع مهيئون لتناول الطعام على نحو خاص، حيث يمكن للأطفال في الخامسة والسادسة من العمر، تناول ثمانية أوعية من حساء الخضروات البرية في المرة الواحدة، وهو وعاء كبير من الخزف السميك، يشبه ذلك الذي استخدمته الشهيدة الثورية السيدة تشاو يي مان.

وفي وقت لاحق، شهدت الحياة تحسنًا تدريجيًا، بالاعتماد في الأساس على تناول النخالة والأعشاب البرية كطعام لمدة نصف عام. اشترى عمي الذي يعمل في جمعية التوريد والتسويق بشكل غير شرعي كيسًا من كعك بذور القطن، ووضعه في جرة. استيقظت بالليل للتبول، دون أن أنسي أن آخذ واحدة منها، وأدسها في غطائي، وأداري رأسي وألتهمها، كانت شهية للغاية.

نفقت حيوانات القرية كلها جوعًا، فوُضعت في مرجل كبير بغرفة تربية المواشي التابعة لفريق الإنتاج لتُطبخ. ركضت حشود من الأطفال المتوحشين بعدما نفذت الرائحة لأنوفهم، وتحلقوا حول المِرجل. كان من بيننا طفل كبير يدعى "يون شو"، قادنا للغناء، فأنشدنا:

 يا ليو بياو، يا ذا الرأس الكبير

أبيك في الخامسة عشرة، وأمك في السادسة عشرة

لم يشبعا بحياتهما قط

بل طقطقا العظام بين أشداقهما.

قام قائد الفريق ممسكًا بعصا غليظة بمطاردتنا، وبعد برهة من الوقت قدِمنا ثانية، بعدما غمرت الرائحة أنوفنا مرة أخرى. كنا في نظر قائد الفريق أكثر إزعاجًا من الذباب. وبينما ذهب قائد الفريق للمرحاض، اندفعنا منقضين كذئاب جوعى. انتزع أخي الثاني حافر حصان، وأطبق عليه كما لو كان كنزًا، وعاد للبيت.  أشعل النيران، وشيط ما يعلوه من شعر، ثم قطّعه، ووضعه في قدر لينضج. ولما نضج شربنا الحساء. كان مذاق الحساء رائعًا للغاية، حتى أنني لم أنس مذاقه لعقود.

 وإبان الثورة الثقافية، لم أكن أتناول ما يكفي من الطعام كما السابق، فكنت أذهب لحقول الذرة بحثًا عن الفطريات التي تنمو على القش، حيث التقطها، وأعود للمنزل لطهيها، فأرش عليها القليل من الملح، وأخلطها بالثوم، وأتناولها، كان طعمها لا يُضاهى، بل كان الألذ بالعالم على الإطلاق. سمعت فيما بعد أن لحم الضفادع أشهى من لحم الضأن، غير أن أمي كانت تتقزز منها، ولا تسمح لنا بالقبض عليها.

 تحسنت الحياة بمرور الوقت، وصار من الممكن أخيرًا أن أتناول البطاطا الحلوة المجففة حتى أشبع. كان ذلك بالفعل في الفترة الأخيرة من "الثورة الثقافية". وفي إحدى السنوات، قُدرت حصة عائلتنا من تسوية نهاية العام بأكثر من 290 يوان، كان ذلك رقمًا مذهلاً في ذلك الوقت. أذكر أن عمتي السادسة قد شجَّت رأس ابنتها لأنها أضاعت "ماو"1  واحدًا عندما ذهبت للسوق. كثر المال، وأخذت مجمعات الجزارة في القرية تبيع لحومًا رخيصًة، قرر والدي أن يقطع اثنين ونصف كيلو جرام، وربما أكثر من اللحم، فقد أراد أن يكافئنا. قُطع اللحم لقطع كبيرة، ثم سُلق، أخذ كل شخص وعاءً، أكلت وعاءً كبيرًا من اللحم الدسم دفعة واحدة، شعرت أنه غير كاف، تنهدت والدتي، وأعطتني ما بوعائها. وبعد الانتهاء من تناول الطعام، كان الجشع لايزال مسيطرًا على فمي، بينما كانت معدتي ممتلئة عن آخرها. حيث يندفع تيار من الدسم المصاحب لقطع اللحم غير الممضوغة مرتجعًا، فيبدو الحلق وكأنما قد قُطع بسكين، ذلك هو شعور تناول اللحم.

نهمي بالطعام معروف في القرية كلها، فطالما ثمة طعام شهي في المنزل، وبغض النظر عن المكان المخبأ به، فأنا دائمًا ما أجد طريقة لسرقة بعض منه. وفي بعض الأحيان لا أستطيع كبح جماح نفسي في مواجهة الطعام، ببساطة لا أتمالك نفسي، بغض النظر عن العواقب، ألتهمه عن بكرة أبيه، دون أن أعبأ بالضرب والسب. كان جدي وجدتي يعيشون في بيت زوجة عمي، وكنت المسئول عن توصيل الطعام إليهما. ودائمًا ما كنت أستغل فرصة توصيل الطعام، حيث أفتح الصندوق وأسرق بعض منه، وقد عانت والدتي من الظلم الكبير جراء ذلك. وما زلت أشعر بالذنب حيال هذا الأمر إلى الآن. لماذا أنا شره هكذا؟ أخشى ألا يكون ذلك بالكامل بسبب الجوع، وأن يكون مرتبطًا بسجيتي. طفل شديد النهم، غالبًا ما يكون ضعيف الإرادة، غير قادر على ضبط نفسه، أنا هو هذا الشخص تمامًا.

 وفي منتصف السبعينيات، عندما ذهبت للعمل بموقع إنشاء أعمال الري، قام فريق الإنتاج بإعداد الكعك الكبير على البخار، تزن الكعكة ربع كيلو جرام، كان بإمكاني أن آكل أربعة منها كل مرة، بينما كان آخرون يأكلون ستة في المرة الواحدة.

وفي عام 1976 صرت جنديًا، ومن حينها ودعت الجوع. فمن مقر التجنيد وحتى التوزيع على الوحدة الجديدة، كانت وجبة الطعام عبارة عن سلة من الكعك الأبيض الصغير المطهي على البخار، أكلت ثمانية منها دفعة واحدة. شعرت بفراغ لم يمتلأ بعد في معدتي، غير أنني شعرت بالحرج من أن أواصل الأكل. قال قائد فرقة الطهي لمسئول الطعام: "يا إلهي، ها قد أقبل الرجل ذو البطن الكبير". قال مسئول الطعام: لا يهم، لن يواصل الأكل هكذا لأكثر من شهر."  وكما توقع، فبعد شهر، ومع وجود ذلك الكعك، صرت آكل كعكتين فقط.  بينما الآن، أكتفي بواحدة فحسب."

ورغم أنني لا أعاني الجوع هذه السنوات، إضافة إلى اكتناز معدتي بالشحوم، إلا أنني لا أطيق الانتظار في وجود مأدبة طعام، حيث يعتريني الاضطراب خشية ألا أحصل على ما يكفيني منه، دون الالتفات لنظرة الآخرين لي. وبعد تناول الطعام أشعر بالندم. لماذا لا آكل ببطء؟ ولماذا لا آكل أقل؟ لأُشعر الآخرين أنني أتمتع بخلفية نبيلة وذوق أنيق فيما يتعلق بآداب المائدة، ذلك أن المجتمعات المتحضرة، تعتبر الإفراط في تناول الطعام دلالة على الافتقار للتهذيب. هاجمني الكثير من الناس لفرط شهيتي، فأنا أتمادى في الأكل دون أن أعبأ بالمخاطر، حيث أنغمس دون مبالاة، فأشعر بأن كرامتي تنجرح جراء ذلك، ومن ثم أقرر أن آكل على نحو أنيق في المرة القادمة، لكن في المرة القادمة، يهاجمني أولئك الاشخاص لإفراطي في الأكل، وسرعة التهامه، مثلما هو الذئب تمامًا، وبالتالي تنجرح كرامتي أكثر. وفي المرة التالية لتناول الطعام، أضع في اعتباري أن آكل أقل، وآكل ببطء، ولا ألتقط الطعام من أمام الآخرين، ولا أصدر صوتًا من فمي عندما آكل، ولا أبدي نظرةً نهمةً، وأن أقبض على عيدان تناول الطعام من أعلى، وعند التقاط الخضار ألتقط جذعًا واحدًا فحسب، أو برعمًا واحدًا من الفاصوليا، مثلما يفعل الطائر والفراشة، وبينما ما زال الآخرون يهاجمون شرهي، وهو ما يغضبني بشدة. وبينما أحاول جاهدًا لأن آكل بأناقة، لاحظت أن أولئك الفتيات والسيدات اللواتي هاجمنني، يأكلن مثل أفراس النهر، وبعدما يشبعن تبدأ لديهن مراسم التأنق.

 لذا استعرت نيران الغضب بصدري، وفي المرة التالية، لتناول الطعام بتلك المأدبة المجانية، اقتربت من طبق خيار البحر، وحملت الطبق، وأفرغت نصفه في وعائي، والتهمته بشراهة، قالوا أنني وحشي فيما يتعلق بآداب المائدة، وتحت وطأة الغضب، أفرغت نصف الطبق الآخر في وعائي، والتهمته كأنني في تحدي. وفي هذه المرة، ابتسموا بود وقالوا: "مويان أنت لطيف حقًا".

وبالنظر لتجربتي في تناول الطعام لأكثر من ثلاثين عامًا، شعرت بأنني لا أختلف كثيرًا عن خنزير أو كلب، دائمًا ما ألهث وأحوم بحثًا عن شيء آكله، لملء تلك الهوة التي لا نهاية لها. ومن أجل تناول الطعام، أهدرت الكثير من الحكمة، والآن حُلت مشكلة الطعام، وبدأ بريق عقلي يخفت شيئًا فشيئًا.

 

1 - يعادل اليوان الصيني عشرة "ماو"

المصدر:

https://mp.weixin.qq.com/s/X-wTup-XQs91FKbxt2CCsg


عدد القراء: 688

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-