ابن الصفّار (5هـ/11م) الفلكي الأندلسي الذي سُمي باسمه «كوكب الصفّار»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-02-01 07:43:03

د. أبو بكر خالد سعد الله

قسم الرياضيات/ المدرسة العليا للأساتذة، القبة، الجزائر العاصمة

هناك من علماء الحضارة العربية الإسلامية من لازالوا مغمورين، لم ينفض عليهم الغبار لحد الساعة. وقد عرف تاريخ العلوم العربية الإسلامية قفزة كبيرة خلال الربع الأخير من القرن العشرين بفضل اهتمام عدة مدارس غربية بهذا التاريخ وبخاصة في اسبانيا. نريد في هذا المقام تقديم عالم الفلك الأندلسي ابن الصفّار، الذي توفي عام 426هـ/1034م، كعالم لم ينل ما يستحقه من اهتمام في عالمنا العربي.

حياته

هو أحمد بن عبد الله بن عمر الغافقي بن الصفّار، المكنّى بـأبي القاسم، والملقب بالأندلسي. ولد بمدينة قرطبة، ولكنه غادرها عندما كثرت الاضطرابات والفتن فيها، فهاجر إلى مدينة دانية الأندلسية الواقعة على بعد نحو 500 كلم من قرطبة، وأقام فيها حتى وافته المنيّة. كان ابن الصفّار رياضيًا وفلكيًا، وتتلمذ على يدي العلاّمة مسلمة المجريطي (338/950م-398هـ/1007م). وبعد أن ألمّ بالعلوم الأساسية السائدة آنذاك انشغل بدراسة الرياضيات. وفي هذا السياق، يذكر المؤرخ المغربي إدريس لمرابط في كتابه "مدخل إلى تاريخ الرياضيات المغاربية" أن ابن الصفار درَس الرياضيات في طليطلة قبل أن يتتلمذ على يدي المجريطي.

والمجريطي رياضي وكيميائي وفلكي ومن علماء الطبيعة، ولد في مجريط (مدريد، حاليًا)، وكان يُعدّ كبير علماء الرياضيات الأندلسيين في زمانه حتى لُقّب بـ"أقليدس الأندلس". ومن مؤلفاته كتاب "ثمار العدد في الحساب" وكتاب "تمام العدد والمعاملات" و"اختصار تعديل الكواكب" وكتاب" رتبة الحكيم وغاية الحكيم" (كيمياء) .

درس ابن الصفار كتاب "الأصول" لأقليدس دراسة مفصلة حتى نبغ في الهندسة فصار يُلقّب بالمهندس. وهو يعتبر الهندسة من أهم فروع العلوم الرياضية. ومن المعلوم أن ابن الصفّار اشتغل مدرسًا لعلم الحساب والهندسة والفلك فذاع صيته بين الناس، وأقبل عليه عدد كبير من طلاب العلم للتتلمذ على يديه، ذلك لما كان يتميّز به من تواضع ومثالية، شأنه شأن العالم الذي يجمع بين العلم والأخلاق.

ويعرفنا ابن أبي أصيبعة بـابن الصفّار ومكانته العلمية وبيئته في هذه السطور من كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء": "ابن الصفّار، هو أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عمر، كان أيضًا متحققًا بعلم العدد والهندسة والنجوم، وقعد في قرطبة لتعليم ذلك. وله زيـج مختصر على مذهب "السند هند". وكتاب في "العمل بالإسطرلاب" موجز، حسن العبارة قريب المأخذ. وكان من جملة تلامذة أبي القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي. وخرج ابن الصفّار عن قرطبة بعد أن مضى صدر من الفتنة واستقر بمدينة دانية ... وتوفي بها رحمه الله. وقد أنجب من أهل قرطبة جماعة.

نشير إلى أن كتاب "السند هند" مؤلَّف هندي يضمّ معلومات ثمينة في علم الفلك ترجمه عبدالله محمد بن إبراهيم الفزاري (المتوفى عام 180هـ/796م) إلى العربية ثم اختصره - في القرن الثالث الهجري- محمد بن موسى الخوارزمي (164هـ/781م-232هـ/847م) في مؤلف عرف بزيج الخوارزمي.

كما ورد ذكر ابن الصفار أيضًا في كتاب "طبقات الأمم" لـصاعد الأندلسي (419هـ/1029م-462هـ/1070م)، وفي كتاب "الصلة لتاريخ علماء الأندلس" لابن بشكوال (494هـ/1101م-578هـ/1183م). وقدم عمر رضا كحالة (1905م-1987م) في "معجم المؤلفين" ترجمة له. وهناك ترجمات لابن الصفّار في مؤلفات المؤرخين المعاصرين الذين اهتموا بإسهامات الحضارة العربية الإسلامية، أمثال هنريش سوتر Suter Heinrich  (1848م-1922م)، وكارل بروكلمان Brocklmann Carl (1868م-1956م)، وخوسي سنشيث بيريث Sanchez-Pérez José (1882م-1958م)، وفؤاد سزكين (1924م-2018م) وغيرهم.

ابن الصفّار الفلكي

اهتم ابن الصفّار بعلم الفلك اهتمامًا بالغًا، واعتنى عناية خاصة برصد حركة النجوم والكواكب والأجرام السماوية. وأدى به ذلك إلى وضع زيْج (أي جدول فلكي) على طريقة "السند هند" اُعتبر لدى الباحثين فيما بعد من أهم مصادر المعلومات في علم الفلك. وبهذا الشأن، أشار المؤرخان الإسبانيان خوان فيرني  Juan Vernet وخوليو سامسو  Julio Samsó إلى مدرسة مسلمة المجريطي مؤكدين على أن رفعة مكانته العلمية تعود، بشكل خاص، إلى تعديله لجداول الخوارزمي وتكييفها بحيث أصبحت تسمى في أغلب الأحيان بـ"زيج الخوارزمي- مسلمة". ثم ذكر الباحثان أن "السند هند" دخل الأندلس "في صيغته المنقّحة الأولى الخالية من البراهين فقام بتعديله وتكييفه مسلمة وابن الصفّار ... وإننا نعرف هذا التكييف بفضل الترجمة اللاتينية التي قام بها أدلار الباثي Adelard of Bath." (انظر خوان فيرني وخوليو سامسو: تطورات العلم العربي في الأندلس، ضمن الجزء الأول من موسوعة تاريخ العلوم العربية، إشراف راشد رشدي، مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسة عبدالحميد شومان، بيروت، 1997). نشير إلى أن أدلار الباثي (1080م-1152م) فيلسوف إنكليزي، كتب باللاتينية وكان من رواد النهضة الأوروبية، ومن أوائل مترجمي التراث العـلمي العـربي الإسلامي فأسهم في نشره داخل أوروبا.

ومن المعروف أن علماء الفلك العرب والمسلمين اهتموا بصناعة الإسطرلاب الذي ورثوه من الحضارة اليونانية فطوّروه ووضعوا فيه مؤلفات عديدة. ويُذكر أن أول هؤلاء المؤلفين كان عبدالله محمد بن إبراهيم الفزاري (توفي عام 180 هـ/796م) حيث قام بوصف وصناعة هذه الآلة. غير أنها كانت في البداية آلة بسيطة. وترجع، أساسًا، عناية المسلمين بآلة الإسطرلاب إلى دورها في تحديد أوقات العبادة واتجاه القبلة وتعيين الكسوف والخسوف ووضع الأزياج الفلكية وتحديد المسافات والقياسات العلمية.

وقد اشتهر ابن الصفّار بكتابه الذي سجل فيه أفكارا ومعلومات تُعنى بطريقة استخدام الأسطرلاب، وسماه كتاب" العمل بالإسطرلاب". نشير إلى أن هناك من نسب كتاب ابن الصفّار حول استعمال الإسطرلاب –خطأً- إلى مسلمة المجريطي، وأحيانًا إلى ما شاء الله ابن أثرى اليهودي (توفي عام 199هـ/815م). وكان هذا الأخير منجّمًا وفلكيًا يهوديًا في البصرة، ثم أسلم. ومن المعلوم أن أعماله ترجمت إلى اللاتينية، وكانت مرجعًا للمدرسين ابتداءً من القرن الثاني عشر، وتقديرًا لجهوده في علم الفلك، أُطلق اسمه على إحدى مناطق القمر.

والواقع أن ما سمي "رسالة ما شاء الله" حول صناعة واستخدام الإسطرلاب هو تجميع جرى في القرن 7هـ/13م لمواد غير متجانسة توجد من بينها أعمال قد تكون من إنجاز مدرسة مسلمة المجريطي، مثل شروحات المجريطي ذاته ورسالة ابن الصفار حول الإسطرلاب. ويذكر المؤرخون أن ابن الصفّار كان شديد الاهتمام بصناعة الإسطرلاب، فعلّم أخاه الأصغر محمدًا صناعة هذه الآلة وآلات رصد أخرى. وقد ذاع صيت محمد بن الصفّار بالأندلس في صنع هذه الآلات.

ويشير مؤرخ علم الفلك، المستشرق البريطاني ديفد كينغ David King عند تناوله موضوع المزاول (أي الساعات الشمسية) في بلاد الإسلام، إلى أنه "لم يبق من القرون الوسطى سوى بضع مزاول، ولا بد أن المئات، بل الآلاف قد صُنعت ابتداءً من القرن التاسع الميلادي. إلاّ أن الأغلبية اختفت دون أن تترك أثرًا". (انظر كينغ ديفيد: علم الفلك والمجتمع الإسلامي، موسوعة تاريخ العلوم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسة عبدالحميد شومان، بيروت، 1997م).

وتُعنَى المزاول الإسلامية بتحديد مواقيت الصلاة اليومية. ولذا نجد أغلبها قد جُهزت بخطوط تساعد على تعيين موعدي صلاتي الظهر والعصر، بل تتيح هذه المزاول معرفة مواعيد الصلوات الأخرى أيضًا. وأغلب المزاول الباقية والتي تمت صناعتها قبل القرن 8هـ/14م معروفة. ويضيف ديفد كينغ في هذا السياق: "إن أقدم مزولة إسلامية حفظتها الأيام هي من صنع ابن الصفّار الفلكي الشهير". أما خوان فيرني وخوليو سامسو فيشيران إلى أننا لا ندري ما إذا كانت هذه المزولة -التي لا زالت محفوظة في متحف الآثار لمنطقة قرطبة- من صنع ابن الصفار أو من صنع أخيه محمد.

مآثر ابن الصفّار

تذكر المصادر التاريخية أن ابن الصفّار قد خلّف عددًا من التلاميذ كانوا قد اشتهروا بعده مثل محمد بن خيرة العطار الذي انشغل بالهندسة والحساب والفرائض والفلك. وقد قام العطار بتدريس تلك العلوم بـقرطبة حتى منتصف القرن 5هـ/11م. ومن هؤلاء التلاميذ نجد أيضًا أبا الأصبغ عيسى بن أحمد الواسطي الذي يصفه صاعد الأندلسي في طبقات الأمم بأنه "... أحد المحنّكين بعلم العدد والهندسة والفرائض".

كان لكتاب ابن الصفّار حول الإسطرلاب أثر بالغ بعد رحيله، إذ نجد مثلاً أن ابن البـنّا المراكشي (654هـ/1256م-721هـ/1321م) قد اختصره في مؤلفه "مختصر رسالة ابن الصفّار" (انظر أحمد جبار ومحمد أبلاغ: حياة ومؤلفات ابن البنا المراكشي، مع نصوص غير منشورة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة بحوث ودراسات، الرباط، 2001). كما ظهرت ترجمة له أنجزها الإيطالي أفلاطون التيفولي Platone da Tivoli (نحو 528هـ/1134م- 539هـ/1145م).

ومن أبواب هذا الكتاب الأربعين نذكر العشرة التالية:

- باب في ذكر الإسطرلاب والأسماء الواقعة عليها.

- باب تعديل الشمس، وهو موضعها من فلك البروج.

- باب في معرفة وضع درجة الشمس في فلك البروج الموضوعة في الشبكة ومعرفة النظير.

- باب في أخذ ارتفاع الشمس والكوكب.

- باب في معرفة أوقات النهار وما يمرّ من ساعة زمانية ومعرفة الطالع.

- باب معرفة ما تطلع به البروج من درجات دايرة معدل النهار.

- باب معرفة موضع القمر من البروج ومواضع الكوكب السيارة فيها على المقارنة.

- باب تسوية البيوت الأثني عشر.

- باب في تحويل سنا العالم وسنا الموالد وطوالعها.

- باب دخول السنين الأعجمية وشهورها.

وفضلاً عن هذه الأبواب نجد في الكتاب الجداول الفلكية للكواكب الثابتة.

تجدر الإشارة إلى أنه في يونيو 1997م اكتشف الفلكيان الأمريكيان جيفري مارسي Geoffrey William Marcy  وبول بتلر Paul Butler كوكبًا خارج منظومتنا الشمسية يبعد بمسافة 44 سنة ضوئية عن الشمس. وفي يوليو 2014م، أطلق الاتحاد الدولي للفلك استشارة لاختيار اسم لهذا الكوكب ولكواكب أخرى تم اكتشافها قبل 31 ديسمبر 2008م. وقد أُعلنت نتائج الاستشارة في أغسطس 2015م خلال حفل عام في هونولولو (هاواي)، وتم آنذاك اختيار اسم "كوكب الصفّار" لهذا الكوكب عرفانًا بدور ابن الصفّار في تقدم علم الفلك.


عدد القراء: 517

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-