القَصيدةُ بالشِّعرِالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-02-01 08:09:46

د. محمّد حِلمي الرِّيشة

- شاعر ومترجم - فلسطين

"يَبدأُ الشِّعرُ حيثُ تَنتهِي الكلماتُ قاطبةً."      (بيزن جلالي)

 

"لم يقع في غوايتها وخرابها، على الرغم من أنه عرفها كثيرا؛ تلك المسرفة في العري.. الراقصة من دون موسيقى.. الزائرة خلف جدار منطفئ!

صوت: ... ... ...؟

صدى: ليست أول العبارة، هي الكلمة الثانية؛ كيف يمكن أن تكتب على سطح رطب، وكيف يمكن أن تدع جسدا يقف من دون عظامه؟"

هذه كانت نظرتي إلى قصيدة النثر في أولى شهاداتي الشعرية!

نعم.. أطلقت هذا الرأي/ هذه الرؤية آنذاك، بسبب مسألتين؛ الأولى: إن الوزن الشعري يمنح للقصيدة قوامها الانسيابي (قل الغنائي)، الذي يُسلِسُ الكتابة (والقراءة أيضًا) حيث الموسيقى تشد الشاعر من الوعورة اللغوية إلى العاطفة اللغوية، والتي يجب على الشاعر أن يحرص على الكتابة بها، فهي ميـزة جمالية للقصيدة، أيضًا. الثانية: أننا نرى، بشكل وقح، انتشار الكثير من مدعي الشعر (لمراهقة/ لمديح/ لمكانة...) باستسهال كتابته الذي بلغ ما بعد درجة الخراب الكبير. لا يعني هذا أنني كنت ضدها بإنكار نهائي، أو بتعام تام عن رؤيتها فقراءتها؛ لقد كنت قرأت منها الكثير، عربيًا وعالميًا (وإن مترجمًا)، ثم كنت عملت على أن أقرأ عنها، إلى أن توصلت، بعد دراستها مما مكنني الاطلاع عليه، إلى هذه النتيجة الشخصية: إن الوزن العروضي/ الشعري الأهم يكمن في الإيقاع الخفي للغة؛ إيقاع الحرف/ الحروف معًا، الكلمة/ الكلمات معًا، كما "القرآن" حين يقرأ تجويدًا، والذي هو (التجويد- إيقاع لغته) معجزة أخرى له، ستظل غير مكتشفة، مثلما اكتشف الفراهيدي أبحر الشعر بعد سنوات طويلة مرت على الكتابة بها قبل اكتشافها.

إذا؛ الإيقاع الظاهر في أبحر الشعر يكون لنظم الكلام على هيأة شعر، إلا أنه لا يأتي بشعر (انظر كثيرًا من القصائد العربية، قديمها وحديثها، تجد أنها كلام منظوم وليست كلامًا شعرًا)، بينما الإيقاع اللغوي، مضافًا إليه العاطفة اللغوية، في القصيدة، هو من يمنحها الدرجة الشعرية التي تحدد مدى شعريتها.

من هذا؛ فإن القصيدة بالنثر (صوب المصطلح بترجمته عن الفرنسية بشكل صحيح، صديقي الشاعر والناقد شربل داغر: القصيدة بالنثر، وليس قصيدة النثر)، وأية قصيدة، يجب أن تنبني من إيقاع اللغة، لهذا نجد أن هذا الإيقاع ينتهي حين يترجم الشعر من لغته الأصلية التي كتب بها إلى لغة أخرى، لأن لكل لغة إيقاعها الخاص بها، فتجد أنك تقرأ كلامًا أشبه كثيرًا بالكلام العادي، لا الشعري.

ثم مقولة، كأنها فاصلة القول بين ما هو شعري وما هو نثري، للشاعر الناثر (خورخي لويس بورخيس): "إذا قرئ النص كأنه يخاطب العقل فهو نثر، وقد يكون شعرًا كأنه يخاطب الخيال" (...) "أؤمن بأن الشعر ليس هو القصيدة، فالقصيدة قد تكون مجرد سلسلة من الرموز. الشعر في اعتقادي هو ذلك الفعل الشعري الذي يتحقق حين يكتبه الشاعر، حين يقرؤه القارئ؛ وهو يتحقق دائمًا في كل مرة بشكل مختلف".

أعرج على تراثنا النقدي إذ لا بأس من ذكر مقولة/ إجابة الشاعر أبي العتاهية بعد أن سئل: "هل تعرف العروض؟" وكان أجاب: "أنا أكبر من العروض"؛ إذ كان يأتي بإبداعات شعرية لم تكن لتوضع قوارب في أبحر الفراهيدي. أكانت/ أصارت هذه الإجابة/ المقولة كما لو أنها أيقونة فوضى الشعر وتخريبه وتعبيثه؟

أيضًا؛ خالف قدامى النقاد العرب تعريف قدامة بن جعفر، الذي حدد الوزن والقافية كإطارين مميزين للشعر، منهم الناقد عبدالقاهر الجرجاني، الذي أورد في كتابه: "دلائل الإعجاز"، حوار حسان بن ثابت مع ابنه، حين سأله: ما الذي يبكيك؟ فرد ابنه: لسعني طائر ملتف في بردى حبرةٍ. فقال حسان: لقد قلت الشعر ورب الكعبة.

ولعل الأجمل، في هذا السياق، ما أورده الجرجاني، أيضًا، عن الأعرابي الذي سئل: لم تحب حبيبتك؟ (وأسأل: هل الحب يجب أن يعلل؟) فأجاب الأعرابي: لأنني أرى القمر على جدار بيتها أحلى منه على جدار الناس.

إن الجرجاني يستخلص، مما أورده؛ أن الشعر يمكن أن يكون شعرًا بلا أوزان ولا قوافي، وأن الشعرية الحقيقية (على اختلاف درجاتها من شاعر لآخر) هي في التخييل أولا (المخيلة المنتبهة).

أشير، في هذا السياق إلى أنني سئلت غير مرة عن تحولي إلى كتابة القصيدة بالنثر؛ حوارا مكتوبًا وشفاهة.

هنا أود أن أروي/ أدون حكايتها معي ثانية، بعد أن كان سألني محاوري: لكن كيف تحولت إلى كتابة القصيدة بالنثر كلية، على الرغم من رأيك الصارم سابقًا؟

: فجأة، وأنا كنت أقف على حافة شاطئ البحر يومًا، وقد كنت منذ زمن بعيد لم أر البحر، أراقب هدوء موجاته التي تبرز لي كألسنة كلام غامض، أخذت أخاطبه بكلام تكون مقطعًا في داخلي، ثم آخر فآخر، من دون أن أدرك حينها أنني أقول، بصمت، شعرًا بالنثر. أخرجت دفتري الصغير وكتبتها، كي لا تفقدها الذاكرة، لعلها تكون مشروع قصيدة قادمة.

أذكر أنني تخيلت "عروس البحر"، التي نعرفها منذ الطفولة، تظهر وتختفي من بين الموجات. هل ظهرت حقيقة، أم تخيلت ظهورها بلا سبب؟ ربما السبب هو الحنين إلى طفولة على الرغم من جبليتها (أنا من جبل لا بحر له إلا الأبيض المتوسط في الجزء الفلسطيني المغتصب في العام 1948م)، وربما من شدة لهفتي إلى رؤية بحرنا المحروم منها/ منه. "قد يحب طائر سمكة، لكن أين يعيشان؟!" (على لسان أحد الممثلين في فيلم: "سندريلا").

حين عدت إلى دفتري الصغير، اكتشفت أنها مقاطع شعرية بالنثر، فحاولت إعادة كتابتها "متفعلة"، ولكن من دون جدوى، فاستمريت في كتابة مقاطع أخرى بالأسلوب ذاته، حتى شعرت أنني بلغت نهايتها؛ "القصيدة تنتهي ولا تكتمل" (لا أذكر صاحب/ شاعر هذه المقولة)، فكانت قصيدة: "نتوءات مائية"، أول قصيدة بالنثر، ومقاطعها جاءت بعدد حروف اللغة العربية.

هكذا ولدت أول قصيدة بالنثر. ثم أكملت الجزء الخامس من مجموعتي: "خلف قميص نافر" بقصائد بالنثر، وبها كتبت مجموعاتي الشعرية التاليات كلها، وإلى مجموعتي: "قمر أم حبة أسبيرين".

أعترف بأن رأيي تغير في القصيدة بالنثر. صرت أقرؤها، على الرغم من تحفظي على كثير مما يكتب باسمها، كذلك ما يدور من سجالات بشأنها، ولا أريد أن أفسر هذه الحالة المتواصلة إلى الآن، وربما إلى ما بعده، فأنا لا أهتم بتفسير ظواهر معينة جميلة قد يفسدها التفسير؛ تماما مثل تشريح وردة، أو امرأة جميلة!

وكان أن سألتني محاورتي، ذات حوار مع آخرين، عن رأيي فيمن لا يزال يهاجم القصيدة بالنثر وهل هذا يحمل مؤشرًا ما؟

: أعتقد أن هناك نوعين ما زالا يهاجمان القصيدة بالنثر، على الرغم من شرعيتها المكتسبة قديمًا/ حديثًا: النوع الأول يهاجم القصيدة بالنثر بوصفها اختلالاً تراثيًا في شعرنا العربي، أي إن لنا، منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة، قصيدة تمتلك أطرًا محكمة، وسياقات خاصة، وعاشت بها طوال تلك الفترة، ولم تزل، فلماذا يتم تحطيمها الآن؟! إذ لا يزال بالإمكان كتابة قصيدة عربية من دون تهشيم أسسها وقواعدها وشروطها، والانفلات من مركزية القصيدة العربية إلى القصيدة الغربية، باعتبار أن القصيدة بالنثر غربية المنشأ.

إن هذا النوع الأول يريد أن تظل القصيدة تحمل طابعها، وخصائصها، ودمها العربي، ولكن من دون أن يدرك أن النص الشعري، ومنذ ما قبل الآن، ليس بالضرورة أن يحمل جينات الأصول، بل إنه، وكافة أشكال التفنن الإبداعي، بات يتلاقح خارج وأبعد من بيته الشعري، في أكثر من فضاء، وبيئة، ومناخ، وحديقة، ومكتبة، و... الخ. إن النص الشعري بات مفتوحًا على كل شيء، لأنه نص إنساني حر، ولا يضيره هذا، أو يشكل عيبًا، أو خيانة، أو إنكارًا للتـراث، بل العكس، لأن في التلاقح، شكلاً، ومضمونًا، وانفتاحًا على تجارب الآخرين، ما يثري الشعر، ويفتح له الآفاق والفضاءات الأخرى.

النوع الثاني: يرى أن القصيدة بالنثر باتت منتهكة جدًا من قبل من لا يدركون حرفة الشعر، ولا أبسط مقومات اللغة، ولا يحملون الصفات الوراثية الشعرية، وأن النشر اللامسؤول (نشر الفوضى باعتبارها شعرًا) أخذ يشجع الجبناء/ الفقراء شعرًا على دخول مضمار الشعر نثرًا، من دون اعتبار لقيمة الشعر وقامته، تماما كالمغنين في هذه الأيام!

وأسأل، من دون خوفي على/ عن مستقبل الشعر: من سوف تحتفظ به ذاكرة الحياة من كل هذا التكاثر/ الكم الأرنبي؟ طبعًا، أنا لست ضد أحد يحاول الخوض في محيط الشعر، لأن الكل سيدرك بعد حين قصير جدًا من العوم أو افتعاله، أن السباحة في ماء الشعر ليست كالسباحة في أي ماء، وبذا فإن ماءه سوف تمكن من يستطيع الغوص والعوم من اعتلاء صهوة أمواجه، ويلفظ إلى الشاطئ من لا يستطيع حتى احتمال البلل، ومثله كمثل الذي يدعي السباحة ونحن نراه جافًا في بحيرة جافة.

أخلص من هذا وذاك إلى:

ليس المهم أن تكتب القصيدة عمودية، أو تفعيلة، أو بالنثر، إنما المهم أن تكتب القصيدة بالشعر.      


عدد القراء: 449

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-