قراءة في فينومينولوجيا الجسد.. وحقيقة الأنا المتجسدالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-05-30 05:06:06

د. محمد خليل محمود

جمهورية مصر العربية-القاهرة

الكتاب: الأنا المتجسد.. دراسة في ينومينولوجيا الجسد

المؤلف: سارة عز الدين

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة

تاريخ النشر: 2018م-القاهرة 

اللغة: العربية

عدد الصفحات: 310 صفحة

الجسد هو بمثابة المرآة الكاشفة التي تعكس الوجود الإنساني في حقيقته في مواطن قوته وتميزه، وصور تناهيه، ونقصه. وهو أيضا بمثابة المرآة التي ينعكس عليها الآخر وينعكس عليها العالم. وهو بمثابة نقش ترتسم عليه ملامح التاريخ، فالجسد تعبر إيماءاته عن التاريخ وفى فك رموزه فهم للتاريخ. لأجل هذا، يعد مفهوم الجسد من المفاهيم الثرية بحق والذي يمكن تناوله من عدة زوايا، ومن منظورات مختلفة. ويحسب للاتجاه الفينومينولوجى السبق التأسيسي لمثل هذا المفهوم، إذ يمكن لهذا التأسيس الفلسفي الفينومينولوجى لمفهوم الجسد أن يمدنا أيضًا بإطار نظري يمكن تطبيقه في فهم الإبداع الفني في بعض صوره، وفى فهم النصوص الأدبية المعاصرة التي تعنى بمسألة الجسد. كما يعد مفهوم الجسد بمثابة الجسر الذي أعاد ربط الفلسفة مباشرة بالخبرة الإنسانية المعيشة، دون توسط النظريات والمقولات والتصورات.

وتطرح الكاتبة سارة عز الدين من خلال كتاب "الأنا المتجسد.. دراسة في فينومينولوجيا الجسد" سؤالاً عن مفهوم الجسد، وماهية الإنسان، والجواب عنه قد يقدم جوابًا شافيًا عن السؤال الأهم للفلسفة: ما الإنسان، والسؤال عن ماهية الإنسان هو سؤال عن تاريخه، أما الجسد فهو أكثر الكيانات تعبيرًا عن هذا التاريخ، وكل تاريخ للجسد هو تاريخ فهم الإنسان لذاته ولعالمه. وتبين الكاتبة سارة عز أن تاريخ الفكر قد تأرجح ما بين الاعتراف بالجسد تارة، ورفضه التام تارة أخرى، والسكوت عنه أحيانًا. ويتجلى ذلك في الدعوة إلى إماتته في الفكر الهندي، مرورًا بتقديسه في الفكر الشرقي القديم، إلى الرفض والتحقير الأفلاطوني له. كما يظهر أيضًا التصالح الجزئي معه داخل النسق الأرسطي، مرورًا بالدعوة الصريحة لقبوله في الأبيقورية، حتى التفريق الصارم بينه وبين العقل أو النفس على يد ديكارت، حيث أن هذا التعارض قد يصل إلى حد الانقسام والتعارض التام بين جوهرين متمايزين أنطولوجيًا. ومن ثم تنطوي الإشارات القليلة إلى الجسد في أغلبها على مضامين سلبية، فهو تابع تارة، وتارة أخرى مجرد أداة أو آلة، شيء عرضي يمكن الاعتراف به والاعتناء به لا في ذاته، وإنما بوصفه وسيلة أو وسيطًا بيننا وبين العالم. وتشير الكاتبة سارة عز الدين إلى أن تاريخ الفلسفة كاد مع تلك النظرة السلبية أن يكون تاريخاً للعقل بوصفه الكيان الوحيد الذي يمنح الإنسان هويته وتفرده، هو وحده القادر على التعبير عن الوجود الحقيقي، وهو وحده القادر على معرفة الحقيقة، وما عداه يمكنه أن يتدرج في السلم الوجودي من الأدنى إلى الأدنى.

وتسعى الكاتبة سارة عز الدين إلى محاولة تحديد مفهوم "الأنا المتجسد"، أو الوعي المتجسد، وكيفية تطوره في إطار الفلسفات الفينومينولوجية، وتحديد مدى إسهام كل منها في إضافة بعد أو آخر للمفهوم، وكيف تمكن كل فيلسوف من توظيفه داخل إطار فلسفته الخاصة، وداخل حدود الفينومينولوجيا بوجه عام، وكيف أدار أتباع الاتجاه الفينومينولوجى حوارًا مع المجالات المعرفية الأخرى، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما في بلورة مفهوم "التجسد" بحيث أفاد كل منهما الآخر. وتحاول الكاتبة سارة عز الدين توضيح كيف يمكن الاستعانة بمفهوم " الأنا المتجسد" في محاولة تعريف "الأنا بوصفه وجودًا"، وصياغة مفهوم متكامل عن الذات، وبيان الصورة التي يمكن من خلالها توظيف مفهوم"التجسد" وجوديًا، بحيث يمكن التعويل عليه في محاولة كشف الوجود الإنساني وعلاقته بالوجود بما هو كذلك، بالإضافة إلى تحديد إسهام فينومينولوجيا الجسد في بلورة نظرية للمعرفة، تتجاوز العقلانية والتجريبية على حد سواء، وذلك بتفسير العلاقة التفاعلية بين الوعي والجسم وبين الوعي والعالم من خلال التجسد، ومدى إسهام هذه العلاقة في تفسير الإدراك الحسي، ومن ثم تفسير إمكانية معرفتنا بالعالم.

تضمن الكتاب أربعة فصول، جاء الفصل الأول بعنوان" أنطولوجيا الجسد" ويسلط الضوء على أربع موضوعات رئيسية: وحدة النفس والجسد، والبنية الذاتية للجسد، والبنية الأنطولوجية، وتميز الجسد في المكان. وتبين الكاتبة أن الجسد الإنساني لا يمكن مساواته بالأشياء المادية من الناحية الأنطولوجية، لكنه، ومع ذلك يصطدم بتلك الأشياء، ويحيا بينها، وهو دائم التوجه نحوها. أما الفصل الثاني، حمل عنوان: "إبستمولوجيا الجسد"، وتناول علاقة الجسد بالوعي، وعلاقة الجسد بالإدراك الحسي. ويسلط هذا الفصل، الضوء على مفهوم التجسد على المستوى الفينومينولوجى الذي ينظر إليه بوصفه جسدًا واعيًا، باعتباره مدخلاً أو المدخل إلى الوعي نفسه. إذ يتضمن هذا المفهوم كل شيء يمكن أن نكون على علم به، خاصة الحالات العقلية، وأجسادنا وبيئتنا المحيطة، وتفاعلنا الاجتماعي والفيزيائي-مع الآخرين ومع العالم- ، ويشير أيضًا المستوى الفينومينولوجى إلى "الشعور" المميز بالخبرة، تذوق تفاحة أو حتى الاستماع إلى سيمفونية بيتهوفن، وإلى الانفعال والإرادة التي تجعلنا ننتبه لشيء دون غيره، تلك التي تحدد ما نريد أن نعرفه وما نريد أن نجعله في خلفية الوعي، فالعين لا ترى ما لا تريد أن تراه حتى لو كان رأى العين، فالوعي دائمًا ما يكون موجودًا تجاه الأشياء من خلال الجسد، والجسد يُعاش دائمًا على المستوى اللاتأملى عبر تجاوزه ذاته في العالم نحو العالم، أي يقصد الجسد عالمه وموضوعاته كما يقصدها الوعي، لكنه يقصدها عبر الجسد دون أن يلاحظ الوعي هذا الدور التأسيسي الذي يقوم به الجسد، فالجسد واع دائمًا وجزؤه الواعي متداخل مع جزئه اللاواعي. وجاء الفصل الثالث بعنوان "تعبيرية الجسد"، ويدور هذا الفصل حول ثلاث موضوعات رئيسية، هي: الجسد والتعبير اللغوي المنطوق (الكلام)، والجسد والتعبير اللغوي غير المنطوق (الإيماءة)، والجسد وسيلة للتواصل بين الأنا والآخر. وهذا الفصل يطرح إشكالية جديدة نابعة من علاقة فريدة يلخصها التساؤل: ما العلاقة بين الجسد واللغة؟ هذا التساؤل يتشعب عنه بالضرورة إشكاليات عدة من قبيل: كيف تسهم أطروحة الجسد واللغة في فهم إحدى الطرق التي تتشكل عبرها اللغة. وما تجليات الجسد اللغوية وما مستوياتها؟ وبأي معنى يكون للجسد دور تعبيري وتواصلي؟ ومن ثم كيف تسهم أطروحة الجسد واللغة في فهم العلاقة بين الأنا والآخر؟ تلك هي الإشكاليات المحورية التي يطرحها هذا الفصل في إطار تعبيرية الجسد. وفي هذا الصدد تشير الكاتبة سارة عز الدين إلى أن ثمة لغة منطوقة تتمثل في الألفاظ والكلام بوجه عام، وأخرى غير منطوقة تتجلى في الإيماءات بكل أنواعها. ويأتي الفصل الرابع بعنوان "الجسد المعيش"، وتحت هذا العنوان توضح الكاتبة سارة عز الدين أن الجسد (المعيش) ليس مجرد جسم يصل بين الجسد الخاص والجسد المادي، فالفكرة الجوهرية في مفهوم "التجسد" هي أنه ليس مجرد مفهوم "تجميعي"، إذ إن فهم "خبرة الجسد" الذاتية هو فهمها بوصفها وحدة جوهرية للأفعال المتجسدة، وهي وحدة لا يمكن تجازوها أو التغاضي عنها، وبالتالي يُفهم الجسد الظاهراتى على أنه "وحدة معبرة" أو "نظام متعاون" لا يمكن مقارنته بموضوع فيزيقي، وإنما يمكن فقط مقارنته بموضوع فني.


عدد القراء: 138

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-