الأم في شعر الصعاليكالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:55:43

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

احتلَّت الأم مكانة خاصة في الشعر العربي؛ فهي مصدرٌ للفخر، ورمزٌ للعطاء، وكان أبناء القبيلة الواحدة -بل والأسرة الواحدة- بعد أن تساووا في الأب الواحد؛ كان يفخر بعضهم على بعض بأمه ومحتدها وشرف نسبها؛ ومن ذلك قول ذي الأصبع العدواني [ت: 22ق.هـ] يفخر على ابن عمه، فيعتز بأن أمه ليست براعية(1):

عَنِّي  إِليكَ  فما  أُمِّي  براعيةٍ

                       تَرعى المَخاضَ وما رأيِي بمَغبونِ

و«إنما خصَّ رِعْيَة المخاض لأنها أشد من رِعْية غيرها، فلا يُمتهَن فيها إلا مَن حقر ولم يُبالَ به»(2).

وقال الشنفرى [70ق.هـ] مفتخرًا(3):

أليس أبي خيرَ الأواسِ وغيرِها

                       وأمِّي ابنةَ الخَيْرينِ لو تعلمينَها

فذكر أمه في فخره، ولم يكتفِ بذكر أبيه.

  وقال الشنفرى أيضًا في مطلع لاميَّته(4):

أقيموا بنِي أمِّي صدورَ مَطِيِّكم

                        فإنِّي  إِلَى  قومٍ  سواكم  لَأَمْيَلُ

«وأضاف الأبناء إلى الأم؛ لأنها أشد شفقة، كما قيل في قوله تعالى حكاية عن هارون: (يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي) [طه: 94]»(5).

وقال تأبَّط شرًّا [ت: 80ق.هـ] مفتخرًا بقوَّته(6):

ما ولدَتْ أمِّي مِن القوم عاجزًا

                       ولا كان ريشي مِن ذُنابَى ولا لَغْبِ

فهو يذكر أمه في فخره، نافيًا عنها أن تكون وَلَدت عاجزًا أو إمَّعةً أو أحمق، والبيت به خرم؛ وهو حذف أول الوتد المجموع في أول البيت.

وقد ظهرت الأم في شعر الصعاليك بصورة فريدة، وإن كانت في الأصل مستوحاة من ثقافة البيئة العربية بصفة عامة، إلا أنَّ لها في شعر الصعاليك أبعادًا أكثر عمقًا ودلالة وتنوُّعًا منها في شعر غيرهم، ويتضح ذلك من خلال عرض هذه الأبيات للشنفرى متحدثًا عن صديقه تأبَّط شرًّا(7):

وأُمُّ  عِيالٍ  قَــدْ  شَــهِدتُ  تَقُـوتُهُمْ

                       إِذا  أطعمَتْهم  أوتَحَـتْ  وأَقَــلَّتِ

تَخافُ علينا العَيْلَ إِنْ هي أكثرَتْ

                       ونحـــنُ   جِــيـــاعٌ  أيَّ  آلٍ تَــأَلَّــتِ

مُصَعلكةٍ  لا  يَقْصُرُ  السِّترِ دُونَها

                       ولاَ  تُرْتَجَى  للبَيتِ إِنْ  لم تُبَيِّتِ

لها  وَفْضةٌ  فيها  ثلاثونَ  سَيْحَـفًا

                       إِذا آنَسَتْ أُولَى العَدِيِّ اقْشَعَرَّتِ

وتأْتِي  العَدِيَّ  بارِزًا  نِصْفُ سـاقِها

                       تَجُــولُ  كَــعَيْرِ  العانَةِ  المُتَلَفِّتِ

إِذَا  فَزِعوا  طارَتْ  بأَبيضَ  صــــارِمٍ

                       ورامَتْ  بِما فِي جَفْرِها ثُمَّ سَلَّتِ

حُسامٍ كلَوْنِ المِلْح صافٍ حديدُه

                        جُرازٍ  كأَقطاعِ  الغَدِيرِ  المُنَعَّتِ

تَرَاها  كأذْنابِ  الحَسِيلِ  صَــــوادرًا

                       وقَدْ  نَهِلَتْ  مِنَ  الدِّماءِ  وعَلَّتِ

وقوله (أوتَحَتْ) أي: أقلَّتْ عطاءهم، وقوله (أيَّ آلٍ تألَّت) أي: أيَّ جَهدٍ جهدتْ؛ والوفضة هي الجعبة، والسيجف هو النَّصل العريض، وجفرها: جعبتها التي فيها سهامها، والجُراز هو القاطع الحادُّ؛ والحَسِيل: أولاد البقر.. كما في «لسان العرب».

قال في «شرح الحماسة»: «وقد سمَّى الشنفرى تأبَّط شرًّا بأمِّ عيالٍ؛ لِما كان يجمع من أمر أصحابه ويتكفَّل به لهم ويدبره»(8).

والأم هنا لها طبيعة خاصة؛ فهي تجمع بين حنان الأم ورغبتها في تلبية احتياجات أولادها، وبين حكمة الأب الذي يعطيهم بحسب ما يكفيهم مما هو متاح لديه بالفعل؛ خوفًا من دفعِه إليهم مرة واحدة مع قلَّته؛ حتى لا يحتاجوا فلا يجدوا بعد وقت قصير.. وفي خضمِّ ذلك لا تنسى هذه الأم واجباتها الأخرى في الدفاع عن أولادها ضد الأعداء، وخوض الحروب والمعارك من أجلهم، بسيفها الحادِّ الصارم، ورماحها العريضة القاتلة، فهي الأم والأب معًا في آنٍ واحد، ولا شك أن الأم تستطيع أحيانًا القيام بدور الأب، في حين ندرة وجود الأب الذي يستطيع القيام بدور الأم، ولذلك عبَّر الشنفرى في وصفه تأبَّط شرًّا بالصورة التي تناسب حال الصعاليك في تشرُّدِهم وحاجتهم إلى الأم التي تجمع شتاتهم وتؤويهم إليها.   

كما أن هذا الوصف من الشنفرى لرفيقه تأبط شرًّا، وتشبيهه إياه بأم العيال؛ يرسم صورة حقيقية لما كان يفعله الصعاليك فيما بينهم، ومن ذلك ما ذكره عروة بن الورد [ت: 30ق.هـ] عن نفسه مفتخرًا(9):

إنِّي  امرؤٌ  عافِي  إنائي  شِــرْكـــــةٌ

                        وأنتَ امرؤٌ عافِي  إنائكَ  واحدُ

أتَهزأُ  منِّي  أنْ سَمِنتَ وقَــدْ تَرَى

                  بجِسميَ مَسَّ الحقِّ، والحقُّ جاهدُ

أقسِّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ

                        وأحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ

قال ابن السِّكِّيت [ت: 244هـ]: «والحق الذي ذكره صلة الرحم وإعطاء السائل وذوي القربى، فمَن فعَل ذلك جهَده»(10)، والبيت الأول به خرم، وقد سبق توضيح معناه.

وأبيات عروة تذكِّرنا بحديث عائشة -رضي الله عنها- حيث «قالت: جاءتني مسكينةٌ تحمل ابنتينِ لها، فأطعمتُها ثلاثَ تمراتٍ، فأعطتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرة، ورفعتْ إلى فيها تمرةً لتأكلَها، فاستطعمتْها ابنتاها، فشقَّتِ التَّمرةَ التي كانت تريدُ أن تأكلَها بينهما، فأعجبني شأنُها، فذكرتُ الذي صنعتْ لرسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: إنَّ اللهَ قد أوجَبَ لها بها الجنَّةَ، أو أعتقَها بها مِنَ النَّارِ»(11).

فعروة مع صعاليكه كهذه الأم مع ابنتيها، فهو يقسِّم جسمه في جسومهم، ويحرم نفسه الطعام والشراب من أجلهم؛ ويؤكد معنى (الأمومة) في أبيات أخرى، يوضح فيها أنه لا يفعل ذلك من أجل مقابلٍ ينتظره منهم؛ وإنما هو الواجب؛ يقول مخاطبًا صعاليكه(12):

فإنِّي  وإيَّاكم كذِي الأمِّ أرهنَتْ

                        له مــاءَ عينَيْها تُفَدِّي وتَحــمِــلُ

فلمَّا  ترجَّتْ  نَفْــعَـه  وشــبابَه

                        أتَتْ دُونَها أخرى جديدٌ تَكَحَّلُ

فباتَتْ لِحَدِّ المِرْفَقَيْنِ كليهما   

                        تُوَحْـــوِحُ  مــمَّـا نابَــهــا وتُوَلْــــوِلُ

تَخَيَّرُ مِن أمرينِ ليسا بغِبْطةٍ

                        هو  الثُّكْلُ  إلا  أنها  قد تَجَمَّلُ

وفي هذه الأبيات يرسم عروة صورة صادقة لعطاء الأم التي لا تنتظر مقابلًا من أولادها؛ فهي تُفني عمرها في تربيتهم والقيام بأمورهم، وحين يكبرون ويصبحون قادرين على العطاء وعلى القيام بشؤون غيرهم؛ يذهب كلٌّ منهم إلى فتاة يتزوجها ويبني معها بيتًا جديدًا، تاركًا أمه التي هي صاحبة الفضل عليه، فتصبح حينئذ كأنها ثكلى غير أنَّ ولدها حيٌّ يُرزق. 

 

الهوامش:

(1) البيت من البسيط، من قصيدة له في «المفضليات» للمفضل الضبي (ص 160)، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر- عبد السلام محمد هارون، طبعة: دار المعارف- القاهرة، الطبعة السادسة.

(2) «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (1/ 571)، تحقيق: عبد العزيز الميمني، طبعة: دار الكتب العلمية- بيروت– لبنان.

(3) البيت من الطويل، في ديوانه (ص 78)، تحقيق: د. إميل بديع يعقوب، طبعة: دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة الثانية 1417هـ- 1996م.

(4) البيت من الطويل في المصدر السابق (ص 58).

(5) «خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب» للبغدادي (3/ 341)، تحقيق وشرح: عبدالسلام محمد هارون، طبعة: مكتبة الخانجي- القاهرة، الطبعة الرابعة 1418هـ- 1997م.

(6) البيت من الطويل، في «الجيم» لأبي عمرو الشيباني (3/ 211)، تحقيق: إبراهيم الأبياري، راجعه: محمد خلف أحمد، طبعة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية- القاهرة، 1394هـ- 1974م.

(7) الأبيات من الطويل، في ديوانه (ص 35- 36).

(8) «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص 537)، تحقيق: غريد الشيخ، وضع فهارسه العامة: إبراهيم شمس الدين، طبعة: دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1424هـ- 2003م.

(9) الأبيات من الطويل، في ديوانه (ص 138- 141)، شرح: يعقوب بن السِّكِّيت، عني بتصحيحه: الشيخ ابن أبي شنب، طبعة: جول كربونل- الجزائر.

(10) المصدر السابق (ص 140).

(11) خرجه مسلم في صحيحه (4/ 2027/ 2630)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة: دار إحياء التراث العربي- بيروت.

(12) الأبيات من الطويل، في ديوانه بشرح ابن السِّكِّيت (ص 117- 118).


عدد القراء: 370

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-