كوخ ريفيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 14:02:37

نزار سرطاوي

أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

كان شابان لم يمضِ على زواجهما زمنٌ طويل يسيران جيئةً وذهابًا على منصّة محطة ريفية صغيرة. ذراعُه تلتفُّ حول خصرِها، ورأسُها يكاد يستلقي على كتفه، وكانا كلاهما في أوج السعادة.

أطلّ القمر متلصّصًا من بين السحب الجارية وتجهّم، إذ كان على ما يبدو يحسدُهما على سعادتهما ويتحسّرُ على عذريته المُمِلّة وغير الضرورية على الإطلاق. الهواء الساكن لا يزال مُثقلًا برائحة البنفسج والكرز البري. وفي مكانٍ بعيدٍ وراءَ سكةِ الحديد، راح طائرُ صُفردٍ ينادي.

"يا للجمال يا ساشا، يا للجمال!" تمتمت الزوجة الشابة. "كل شيءٍ يبدو وكأنه حلم. انظر، كم تبدو تلك الخميلةُ الضئيلة حلوةً وجذابة! وكم هي جميلةٌ أعمدةُ التلغراف المتينة الصامتة تلك! إنها تضفي مسحةً خاصةً من الجمال على المناظرِ الطبيعية، ما يوحي بوجود الإنسانية والحضارة على مقربة من هنا... ألا ترى مقدار المتعة حين تحمل الريحُ صوتَ القطار وهو يندفع مسرعًا؟"

"نعم... لكن كم يداك الصغيرتان ساخنتان... هذا لأنكِ تشعرين بالحماس، يا فاريا.... ماذا لديكِ للعشاء الليلة؟"

"دجاجٌ وسلطة.... دجاجةٌ تكفي لشخصين.. ثم هناك السلمون والسردين اللّذان أرسلوهما إلينا من المدينة."

خبّأ القمر وجهه خلفَ سحابةٍ كما لو كان قد استنشق قليلًا من السعوط. فالسعادة البشرية ذكّرَته بوحدته، بأريكته المنعزلةِ وراء التلالِ والوديان.

قالت فاريا: "ها قد جاء القطار. يا للروعة!"

أطلّت عيونٌ ناريةٌ ثلاثُة من بعيد. خرج مديرُ المحطة إلى المِنصّة. راحت أضواءُ الإشارةِ تومضُ هنا وهناك على خط السِكّة.

قال ساشا متثائبًا: "لِنستقبلِ القطار ثم نعود إلى البيت. كم هو رائعٌ هذا الوقتُ الذي نمضيه معًا يا فاريا! لا يكاد المرءُ يصدّق أنه حقيقي!"

تسللّ الوحشُ الداكن بلا ضجيج إلى جانب المنصة وتوقف تمامًا. لمحا الوجوهَ النائمةَ والقبعاتِ والأكتافَ عند النوافذ بأضوائها الخافتة.

سمعا من إحدى العربات صوتًا: "انظروا انظروا! ها قد جاء فاريا وساشا لاستقبالنا! ها هما!... فاريا!... فاريا..... انظري!"

وثبتْ فتاتان صغيرتان من القطار وتعلقتا بعنقِ فاريا، وتبعتهما سيدةٌ قوية في منتصف العمر، ورجلٌ طويلٌ هزيلٌ ذو شاربٍ رمادي؛ وجاء خلفهم تلميذان محمّلان بالحقائب وبعد التلميذين المربية وبعد المربية الجدّة.

شدّ الرجل ذو الشارب على يد ساشا قائلًا: "ها نحن، ها نحن، يا ولدي العزيز! أتوقع أن تكونا قد سئمتما من انتظارنا! لعلك عاتبٌ على عمك العجوز لعدم الزيارة طوال هذا الوقت! كوليا، كوستيا، نينا، فيفا... يا أطفال! قَبِّلوا ابن عمِّكم ساشا! نحن جميعًا هنا، قبيلتنا بقضّها وقضيضها، لثلاثة أو أربعة أيام لا أكثر... أتمنى ألا يكون عددنا كبيرًا بالنسبة لكم؟ أرجو ألا نسبِّبَ لكم أي ضيق!"

أصيب الزوجان الشّابان بالهلعِ لرؤيةِ عمهما وعائلته. وبينما كان عمّه يتحدث ويقبّلُهما، تخيّل ساشا منظرَ كوخهم الصغير: هو وفاريا يتخلّيان عن غرفهم الثلاثة الصغيرةِ والوسائدِ والفراش كلّه لضيوفهما، وهم يلتهمون السَلمون والسردين والدجاج كله في لحظةٍ واحدة، وأبناء العمومة يقطفون الأزهار في حديقتهم الصغيرة، ويسكبون الحبر، ويملأون الكوخ بالضوضاء والفوضى، وعمتهُ تتحدث بلا توقف عن أمراضها وعن أنّ أباها كان البارون فون فينتش...

نظر ساشا إلى زوجته الشابّة نظرةً فيها شيءٌ من الحقد هامسًا: "لقد جاءوا لرؤيتكِ أنتِ!... عليهم اللعنة!"

أجابت فاريا، وقد شحب وجهها من الغضب: "لا، بل لرؤيتكَ أنت، إنهم أقرباؤكَ لا أقربائي!"

ثم التفتت إلى زوّارها وقالت بابتسامة ترحيب: "أهلًا بكم في الكوخ!"

أطلّ القمر مرة أخرى. بدا كأنه يبتسم، كما لو كان سعيدًا لأنه بلا أقارب. أشاح ساشا برأسه ليخفي وجهَه الغاضب اليائس، وجَهَد في إضفاءِ مسحة ترحيب وديّة على صوته وهو يقول:

"هذا لطفٌ منكم! مرحبًا بكم في الكوخ!"

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. ولد في تاغانروغ في جنوب روسيا على بحر آزوف في 17 يناير 1860، لأسرة فقيرة، وكان ترتيبه الثالث بين ستة أطفال. كان والده صاحب محل بقالة، أما جده فكان من الأقنان. لكنه اشترى حريته في عام 1841.

التحق تشيخوف بالمدرسة الثانوية في تاغانروغ وفي عام 1879 التحق بكلية الطب في جامعة موسكو. وكان عليه أن يكسب المال ليتابع دراسته ويعيل أسرته. وقد استطاع أن يحقق دخلًا متواضعًا بكتابة القصص والطرائف في المجلات والصحف. وفيما بعدُ التقى بالكاتب ديمتري جريجوتوفيتش، الذي تنبّه إلى موهبته في الكتابة، فوقف إلى جانبه وساعده على تحسين جودة قصصه. ومن هنا بدأ نجم تشيخوف يسطع.

بعد تخرجه في عام 1984، وممارسته لمهنة الطب، بدأت أولى أعراض الإصابة بمرض السل تظهر عليه. لكنه تابع الكتابة، وفي عام 1886 تولت إحدى دور النشر طباعةَ كتابٍ له بعنوان قصص موتلي. وقد حقق الكتاب شهرة واسعة، ومنذ ذلك الحين ازداد تركيزه على الكتابة على حساب ممارسته مهنةَ الطب.

في عام 1988 ذهب تشيخوف إلى أوكرانيا، حيث مات شقيقه نيكولاي، وقد استوحى من تلك الزيارة روايته القصيرة "قصة كئيبة" (1989)، التي يتحدث فيها رجل عجوز عن حياته وهو في سكرات الموت، حيث يعتبرها عديمة القيمة. ثم سافر تشيخوف إلى يالطا في جزيرة القرم. وهناك التقى الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي.

في عام 1890 قام تشيخوف برحلة إلى سجن جزيرة سخالين الواقعة في الشرق الأقصى إلى الشمال من اليابان. وبعد عودته إلى روسيا، كرّس نفسَه لأعمال الإغاثة خلال مجاعة عام 1892. ولم يلبث أن اشترى عقارًا في ميليخوفو وانتقل إليه ليعيش هناك مع أسرته، حيث استقرت أوضاعه الماليه.

كوّن تشيخوف صداقاتٍ مع الكثير من النساء الجميلات والموهوبات، لكنه لم يتقدم لخطبةِ أيٍّ منهن، إلى أن التقى الممثلةَ أولغا كنيبر، ووقع كلاهما في حب الآخر، واقترن بها في أيار/ مايو، 1901. لكنها بقيت في موسكو تعمل في التمثيل، بينما أقام هو في يالطا للنقاهة. وفي عام 1904 ساءت صحته كثيرًا وسافر إلى مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. وفي 2 تموز/يوليو 1904 توفي في أحد فنادق بادِنْ وايلر. وتمّ نقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

كتب تشيخوف أكثر من 500 قصة قصيرة ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة و17 عملًا مسرحيًا، حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: نورس البحر (1895)، العم فانيا (1899)، الشقيقات الثلاث (1900)، بستان الكرز (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدب الرحلات، والثاني كتاب مذكرات.

 

المصدر:

http://www.online-literature.com/anton_chekhov/1127/


عدد القراء: 1471

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-