أيْنَ سَلام؟ (قصة قصيرة)الباب: نصوص

نشر بتاريخ: 2023-06-01 08:16:21

رولا طه عامر

فلسطين - rulaamer680@gmail.com

المقدمة:

إلى ذاك الشيء الذي سرق منا عنوة بين ليلة وضحاها حاملاً معه مفاتيح أحلامنا تاركًا لنا بقايا الأمل وإلى الأيادي التي إلى الآن ما زالت تقتفي أثره في الوجوه والطرقات والوطن..

 

أسميتها سَلام لأقهر بها الحصار وصوت الرصاصات الطائشة ونسبة إلى بيت الشعر الذي يقول فيه محمود درويش: سلام لأرض خلقت للسلام وما رأت يومًا سلاما.

وجه ملائكي، وعينان صافيتان، ويد صغيرة تمسك بقلبي وأظن أنها أمسكت يدي.

قالت لي سَلام في إحدى الصباحات الغائمة أن الشتاء قد سرق منها الشمس التي تحررها من الجدران إلى أرض اللٰه الواسعة، وأمسكت في عينها دمعة ما لبثت أن سالت وعرفت طريقها إلى وجداني.

وفورًا احتضنها فؤادي الغض إلى زقاق البلدة القديمة، طفلة لم تبلغ بعد عامها السابع، تقفز فرحا بالحرية الصغيرة التي نالتها، ترتدي قبعة من الصوف ملونة حاكتها أمها لتحتضن رأسها الصغير وتقيها برد الشتاء، ومعطفًا أشرقت بألوانه الزاهية..

تمعن النظر وتبدي الدهشة الأولى لكل شيء بداية من وجوه تبادرها الابتسامة، إلى الجدران التي امتلأت بصور الراحلين وأسمائهم حتى عربات الحلوى لم تسلم من البهجة التي أصابتها.

لينتهي طوفان الفرح أمام عربة تبيع عنبر التفاح، اشتريت لها واحدة بدت أكبر من رأسها، تشبثت بها كما يتشبث المرء بقشة الأمل.

وفي دمشق الصغرى عبقت رائحة الياسمين والشهداء، تابعت المسير أنا وطفلتي، نحث الخطى، وأصوات الحرفيين وعامة الناس تصافح مسامعي وهم يتبادلون السلام فيما بينهم وبعض الكلمات الدارجة في نابلس، تلك التي تحتضن المقيمين والزائرين من جميع البلدان والقرى، لتشعرك بالطمأنينة التي قد تكون فقدتها أو سلبت منك في رحلتك الطويلة مع الحياة.

وبينما أنا منغمر في تلك المشاهد، أفتش فيها عن حنين الحاضر إلى الماضي، عبثت بي المخاوف، فنظرت إلى يدي ولم أجدها، تلك الكف التي تقبض على فؤادي، حينها أيقنت أني أضعت سَلامي..

تسارعت نبضات قلبي، واجتمعت علي الأوهام، أنادي سَلام بصوت مرتفع، لعلها تحدث نأمة بين الحشود، أو تظهر لي من بين تلك الأقدام مثل هرة خائفة، فألتقطها وأعود بها إلى المنزل، لا لن تخرجي أيتها الشقية معي مرة أخرى!

لكن حديث النفس لم يأت بها، ازدحمت الأفكار في رأسي، ماذا لو لم أكن أنا رفيقها في هذه البلدة الغامضة، ماذا لو كانت أمها هي من اصطحبتها، ثم فرت هاربة من سطوة الأمومة إلى دفء الوطن زوجتي وأعرفها، ستفتش بين نمل الأرض عنها، وصوت عويلها يشق عنان السماء.

غادرت مخيلتي أمام الجامع الصلاحي الكبير والمصلين يدخلون إليه حتى رأيت خيطًا من الأمل انطرح على الأرض، وكأن السماء ألقته إليّ، نعم تلك هي قبعة سَلام، عيناي لا تكذبان أبدًا، رفعتها عن الثرى واستوقفت بها أحد المصلين

وسألته: أين سَلام؟.

ليجيبٕني وكأنني أسأله عن شيء يعرفه حق المعرفة: أهلا بك يا أخي، سَلام يسكن هنا، في هذا الجامع الكبير، فإذا ما غادرناه غادرنا!

كان وجهه مطمئنًا، لكني ظننت أن به جنة، ابتعدت عنه لأصطدم بسؤال لاح في رأسي: كم مرة فاتتك صلاة العشاء أيها الرجل الحزين؟.

لا لن أفكر بغير فتاتي أيها العقل البغيض!.

تراءت إليّ أشباح التاريخ والحضارات القديمة في المعالم والمباني، تحلق عاليًا من فوق هامتي وتأخذني معها لأبحث عن طفلتي، وأمام دكاكين العطارة استوقفتني رائحة الأعشاب التي برزت من الأكياس تشير إلى صاحبها، شيخ قارب عمره السبعين عامًا.

يراقب المارة بصمت، لوحت له بالقبعة أقول: أين سَلام؟

لكن يبدو أن الزمن قد سرق منه السمع أيضًا!

اقتربت منه أكثر أكرر سؤالي عليه إلى أن قال لي:

لا يوجد لدينا نوع من الأعشاب بهذا الاسم وقد يصعب عليك أن تجد هذا الشيء في زجاجة.

أصابني الدوار وكأنني أنا الذي تهت عن نفسي وما عدت أعرفني..

بدأت أركض تلاحقني الوجوه والأسئلة واللافتات!

ألتقط الأسماء وأهذي بها

حارة الياسمينة، حارة القريون، حارة القيسارية،حارة الغرب،حارة الحبلة.

أهرول في تلك الأحياء مثل المجنون.

ظهر أمامي وجهان، أحدهما يحمل في يده بندقية والآخر يتبعه بالخفاء سألت الأول إذا ما رأى سلام، فرفع البندقية وتحدث بصوت مرتفع:

إن شئت جلبته لك بهذه، فالحق بي! ولم يمهلني الرد عليه حتى اختفى بين الزقاق، ثم سألت ذاك الوجه الدميم الذي يتبعه، فكشف لي عن أنيابه وقال: لقد عرض علي ثمن به منذ زمن قديم لم أعد أذكره، فرأيت أن هٰذا الثمن يستحق أن أخسر من أجله شرفي وجميع ما أملك من عروبة، فإذا شئت دللتك على المكان الذي تستطيع أن تبيع فيه سلامك!

فانطلقت أجري والدموع تنهمر من عيني، أصابني الفزع، ودعوت ربي أن لا يجد ذاك الرجل القبيح سلام!.

وبينما أنا أتخبط في البلدة القديمة، ناداني طفل صغير ليسألني عما أبحث، نظرت إلى عينيه، لعلي أجد فيهما بصيصا من الأمان:

أيها الطفل البهي، هل رأيت فتاة في مثل عمرك مرت من هنا عيناها سوداوان ووجهها كالثلج بل أنقى؟! لكنه أشار إلى بيته ودعاني لأدخله..

"هنا يا عم ستجد سلامك في المخبوزات التي تعدها أمي وكوب الشاي بالنعناع والأحاديث التي تجمعنا في المساء، أبي رجل بسيط تفرحه الثورة وتزعجه نشرة الأخبار، فإذا أردت تجنب فورة غضبه ذكره بالفجر الذي سيأتي، فقد تعب والدي لسنوات طويلة من الظلام، قبلت ذاك الطفل بعد أن أودعته للبيت الآمن وبراءة الأحلام والياسمين..

وعدت إلى ساحة النصر لا أدري لماذا هدأ جموحي في البحث عن سلام لعله أصابني بعض الذي يصيب الرجل من خيبة التوقعات أو الخوف من وقوع القدر، جلست على إحدى المقاعد الخشبية مثل محارب ألقى سيفه والحرب مشتعلة، أستريح من عناء البحث عن الإجابات، أقتنص النظر لجامع النصر والقبة الخضراء، ثم ألقي بنظري على برج الساعة والزوار الذين اجتمعوا حوله ليأخذ بعضهم الصور التذكارية، أو ليحدثهم أحد مرشدين السياحة عن عراقة هذا المكان.

وتحت شجر الزيزفون، عرضت بعض الكتب التي تجذب القراء، وأنا يا سلام أفتش عنك أبصرك في داخلي لكن عيني لا تراك، حتى حدثت تلك الجلبة التي أهاجت الناس!!

شققت طريقي من بين الحشود لأرى الرجل الذي كان يحمل في يده البندقية في زقاق البلدة القديمة، يرفعها الآن على ساعده، وفي اليد الأخرى يرفع سلامًا على رأسها إكليل من الورد، وفي راحتها ما زالت حلوى العنبر، تضحك وكأن شيئًا لم يكن، تتلقفها الأيادي الراقصة والأغنيات، ومن الوراء تقهقر الوجه الدميم، وغابت الشمس في نابلس خلف الأفق، ليأتي بعدها فجر جديد وحرية تشرق في النفوس.


عدد القراء: 1135

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-