«اختراع روسيا».. رحلة من حريّة غورباتشوف إلى حرب بوتين

نشر بتاريخ: 2016-12-17

فكر – المحرر الثقافي:

 

الكتاب: "اختراع روسيا.. رحلة من حريّة غورباتشوف إلى حرب بوتين"

تأليف: اركادي اوستروفسكي

الناشر: فايكنغ ــ نيويررك ــ 2016

الصفحات: 384 صفحة، القطع: المتوسط

 

روسيا هي بلاد ذات تاريخ عريق. وقد عرفت على مدى هذا التاريخ الكثير من التحوّل والمنعطفات. وهي بلاد ثورة أكتوبر عام 1917 التي أدّت إلى قيام الاتحاد السوفييتي السابق على أنقاض روسيا القيصرية وأمجادها. ثم كان انهيار برلين في خريف عام 1989 ليهتزّ الاتحاد السوفييتي قبل أن يتفكك عام 1991.

ودخلت روسيا ما بعد الشيوعية مرحلة جديدة من تاريخها افتتاحاً بعهد رئيسها الأول «بوريس يلتسين» قبل أن يصل إلى السلطة الرئيس الحالي فلاديمير بوتين.

كانت العقود الثلاثة الأخيرة منذ أواسط عقد الثمانينات الماضي ووصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة حتى اليوم أحد أكثر فترات التاريخ الروسي المعاصر اضطراباً.

وهذه العقود الثلاثة في روسيا وبروزها من جديد على المسرح الدولي هي بالتحديد التي تشّكل موضوع كتاب «اختراع روسيا» لمؤلفه «اركادي اوستوروف»، الصحفي ذي الأصل الروسي الذي عمل لسنوات طويلة مراسلاً للـ«فننشال تايمز» ثم الـ«ايكونوميست» في موسكو.

في هذا الكتاب يعود المؤلف لرسم معالم «الرحلة من حريّة غورباتشوف إلى حرب بوتين»، كما يدلّ عنوانه الفرعي. أي الفترة الواقعة بين السنوات الأخيرة من حياة الاتحاد السوفييتي السابق إلى الفترة الرئاسية لنظام فلاديمير بوتين. ويركّز المؤلف بشكل أساسي في تحليلاته على دراسة المواقف والدور الذي لعبته وسائل الإعلام في الصعود القوي للرئيس الروسي الحالي.

يبدأ المؤلف تحليلاته لدور وسائل الإعلام بتكريس عدد من الصفحات لـ«وسائل الإعلام السوفييتية». والإشارة إلى ما فعله الرئيس السوفييتي الأسبق «نيكيتا خروشوف» في التعرّض بالنقد للإرث الستاليني.

وشرح أن ذلك لم يكن بعيداً عن محاولة «الانعطاف» و«الانفتاح» التي قام بها ميخائيل غورباتشوف في أواسط عقد الثمانينات الماضي. ومما يتم تأكيده هو أن محاولة غورباتشوف إصلاح الاتحاد السوفييتي أدّت إلى انهياره.

والقسم الثالث من الكتاب مكرّس لدراسة روسيا من زاوية دور وسائل الإعلام في ظل رئاسة فلاديمير بوتين اعتباراً من وصوله إلى الرئاسة في عام 2000 وحتّى اليوم. لكن يبقى عقد التسعينيات، كما يشرح المؤلف، هو الفترة الأكثر تشوشا فيما بعد النظام الشيوعي الذي استمر قرابة سبعة عقود من الزمن.

ذلك أنها الفترة التي «أرادت فيها روسيا الانتقال من دولة اشتراكية ذات طبيعة تسلّطية إلى انتهاج سبيل الاقتصاد الحر». ذلك في سبيل الانخراط في «سوق عالمية حرّة» لم يكن الشعب الروسي مهيأ لها. وكان في رأس الشعارات التي رفعتها روسيا في تلك المرحلة «احترام حقوق الإنسان»، كإحدى أولوياتها.

ذلك بالتوازي مع التأكيد على ضرورة منح جميع الحريات للشعب الروسي. والإشارة بهذا الصدد أن مثل تلك الشعارات تباينت مع ما عرفه الواقع وتناقضت مع النهج السياسي الذي سلكه فلاديمير بوتين في أوكرانيا وجيورجيا وغيرهما. والتركيز على توصيف تلك الفترة أنها عرفت في الواقع «صعود الأثرياء الجدد المتسلّقين على السلطة ــ الأوليغارشية».

ويشرح المؤلف أنه تمّ مرّات عديدة استخدام وسائل الإعلام، منذ سنوات الثمانينات حتى اليوم، من أجل توجيه الأحداث من قبل أولئك الذين كانوا يسيطرون عليها. وهذا ما يحاول المؤلف تقديم البراهين عليه منذ «الانتحار المخطط له بدقّة» للاتحاد السوفييتي وانتخاب بوريس يلتسين كأوّل رئيس لروسيا بعد الشيوعية وحتى الحرب في جيورجيا واجتياح أوكرانيا.

بالمقابل يذهب «اركادي اوستروفسكي» إلى الذهاب أبعد من ذلك في حديثه عن «الفعل الكبير» الذي تمارسه وسائل الإعلام في الأحداث فيما يخص ما فعلته روسيا حيال أوكرانيا وشبه جزيرة القرم. نقرأ «إن الحرب لم تنشب أبداً إذ جرى بشكل رئيسي الاستيلاء على الأرض بواسطة التلفزيون والدعاية. أمّا دور الجيش فقد كان مساندة الصورة».

والتأكيد في نفس السياق أن وسائل الإعلام الروسية لم تكتف بالعمل على «تشويه الحقائق»، ولكنها «اخترعت» الكثير من الأحداث التي لم يكن لها أي وجود. مثل توصيف «فظاعات» خيالية وإشاعة «الكثير من الأخبار الكاذبة المثيرة أحياناً للضحك». ذلك كلّه بنوع من محاولة «ذرّ الرماد في العيون وإخفاء الحقائق».

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد أن «صانعي الدعاية الروسية» لا يبحثون في مرجعياتهم ولا يوجهون عملهم من أجل بناء «عالم روسي»، مثلما قد يتردد لدى الكثير من نظرائهم الأميركيين. ولا «يحلمون بإعادة بناء الإمبراطورية الغابرة». أنهم «لا يتصرفون تبعاً لما تمليه عليهم قناعاتهم أو على خلفية إحساسهم بحقيقة ما هو قائم، بل بالأحرى من موقع قلّة احترامهم لتلك الحقيقة»، كما نقرأ.

وما يؤكّده المؤلف بشكل خاص هو أن روسيا اليوم تقوم بنوع من «الحرب التخريبية» للمعلومات و«استغلال وسائل الإعلام» بهدف هز استقرار أعدائها. ويرى أن فلاديمير بوتين «أطلق نوعاً جديداً من النزعة الشعبوية ــ اللعب على المشاعر الشعبية ــ ذات النزعة القومية». والإشارة، عبوراً، أن مثل هذا السلوك وجد من اتبعوا نهجه من السياسيين على غرار «دونالد ترامب».

الكتاب يلقي الكثير من الأضواء على الطريقة التي تمّ فيها استغلال وسائل الإعلام في روسيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة بالتوازي مع قمع، وأحياناً اغتيال، جميع الأصوات التي لا ينضوي أصحابها في الجوقة السائدة. ولعلّ الميزة الكبرى لمؤلف هذا العمل هو أنه، عبر مكوثه لسنوات في موسكو ومعرفته لغالبية «اللاعبين الأساسيين»، يملك أدوات رسم ملامح «ظاهرة فلاديمير بوتين».

وصعوده وطول فترة وجوده على رأس السلطة واستخدامه لكل وسائل الإعلام من أجل تغطية تدخلاته العسكرية.

المؤلف في سطور

أركادي أوستروفسكي صحافي روسي الأصل. أمضى خمسة عشر عاماً من عمله الصحافي في روسيا كمراسل لـ«فننشال تايمز» ثم كرئيس لمكتب «الإيكونوميست» في موسكو. يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي. سبق له وقدّم كتاباً تحت عنوان «شاطئ اليوتوبيا»..


عدد القراء: 3501

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-