المعارك الأدبية في صفحات تاريخ الثقافة العربية


خاص – مجلة فكر الثقافية

كل الحروب سيئة ولا تجرّ على مُعْلِنيها أو المُعلَنة ضدهم سوى الخراب والكراهية والأحقاد، إلا الحروب الأدبية وحدها هي نعمة على الثقافة وسلّم صعود نحو الرقي الحضاري على مُشْعليها وعلى الحقل الذي فيه وله تشتعل.

الحروب الأدبية في كل تاريخ الثقافات الإنسانية كانت دائمًا تقفز قفزة نحو تجديد الوعي الجمالي والأدبي والتاريخي الفردي والجماعي.

الحروب الأدبية هي تجديد بارود الأسئلة الفلسفية والثقافية والسياسية في مرحلة تاريخية معينة. حرب الأدب فيها المنتصر وفيها المنهزم، فيها الجرحى والمعطوبون والموتى، ولكن المنتصر الأكبر هو الفكر والمجتمع.

ولعل أشهر معركة أدبية دونها التاريخ، هي معركة المتنبي مع أبو فراس الحمداني، والذي سطر فيها المتنبي أروع الأبيات بلاغة ونظمًا.

حينما كان أبو فراس يتهمه بالسرقة من شعراء آخرين. فعندما قال المتنبي في حضرة سيف الدولة:

أعيذوها نظرات منك صادقة

                   أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

ضج أبو فراس وقال له من أنت (يا دعي كنده) حتى تأخذ أعراض الأمير في مجلسه؟ فلم يرد المتنبي عليه إلا بمواصلة الأبيات قائلاً:

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

                           بأنني  خير من تسعى به قدم

أنا  الذي  نظر  الأعـمـى  إلى  أدبي

                          وأسمعت كلماتي من به صمم

فأزداد أبو فراس بتلك الأبيات غيظًا ورد عليه قائلاً: قد سرقت هذا من (عمرو بن عروة بن العبد) حيث يقول:

أوضحت من طرق الآداب ما اشتكت

                               دهرًا وأظهرت أغرابًا وإبداعًا

حتى  فتحت  بإعجاز  خصصت به

                              للعمي والصم إبصارًا وإسماعا

وعندما زاد الجدال وعلت الأصوات غضب سيف الدولة ورمى المتنبي بالدواة حتى أصابت جبهته وجرحتها، فرد بالبيت الذي أثر في سيف الدولة قائلاً:

إن كان سركم ما قال حاسدنا

                          فـمـا  لجـرح  إذا  أرضـاكـم  ألــم

حينها عاد أبو فراس يائسًا يتهمه بالسرقة من بشار بن برد في البيت الذي يقول فيه:

إذا رضيتم بأن نجفى وسركم

                       قـول الوشاة فـلا شـكوى ولا ضــرر

ولكن سيف الدولة قد عاد بعد بيت المتنبي الأخير وراح يقبل راسه في محل الجرح الذي أصابه فيه ليعلن بذلك انتصاره وإنهاء الجدال.

حين نتأمل اليوم حال الحقل الأدبي العربي نشعر بالركود الذي يشبه الموت غير المعلن، الأدباء يعيشون من دون خاصية تميزهم عن بقية مكونات المجتمع، يعيشون من دون أجراس تقرع ومن دون ضجيج قادر أن يوقظ العام والخاص. بارودهم مبللٌ وأسلحتهم صدئة وألسنتهم في جيوبهم.

عندما كانت أرض الثقافة الأدبية العربية تمتد من قرطبة إلى البصرة، كانت معارك الأدباء مشتعلة عن بعد وعن قرب أيضًا، ألم يخلّد النقد العربي العبارة التاريخية التالية «هذه بضاعتنا ردت إلينا» والتي تؤكد صلب النقاش في معنى المركز والهامش في الإبداع، والتابع والمتبوع في الأنتلجنسيا.

ألم تلعلع مدافع حرب اللغة بين نحويّي «مدرسة البصرة» و«مدرسة الكوفة» ودامت قرونًا ولا تزال نارها مشتعلة بين جحافل اللغويين التقليديين حتى اليوم.

ألم يسجل التاريخ الأدبي والثقافي المعركة الكبيرة التي أشعلت نيرانها جماعة الديوان التي كان يقودها العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري والتي التأمت في رؤية فلسفية حول كتاب «الديوان في الأدب والنقد» من تأليف العقاد والمازني، الذي صدر عام 1921، ضد جماعة الإحياء والتي مثلها شوقي وحافظ والرافعي.

قد يقول قائل إننا بعودتنا إلى ذلك الماضي القريب الذي كان حافلاً بمثل تلك المعارك بين أعلام الأدب والفكر، نجد أن بعضها كان يخرج عن أدبيات الحوار في أحيان، ولكنها كانت في ذات الوقت تضفي طابعًا من الحراك والحيوية على المشهد الثقافي العربي ويشعر معها القارئ العادي بمتعة عارمة شبيهة بمتعة أفلام الحروب والفروسية في القرون الوسطى. وإلى جانب ذلك الحراك الذي أحدث تفاعلاً شعبيًا مع الحياة الثقافية وجعلها تنزل من بروجها العاجية ونخبويتها المطاطية، كانت تلك المعارك تنشئ تفاعلاً في الآراء يزيل عنها طابع الجمود.

لقد علقت تلك المعارك في صفحات تاريخ الثقافة العربية مخلِّفة نظريات وكتبًا، فيما زال الطابع الشخصي الذي أسهم في إشعالها، وما زلنا نقرأ عن معارك خالدة في تاريخ الثقافة العربية لم نكن وقت وقوعها شاهدين عليها، كمعركة تلقيب أحمد شوقي أميراً للشعراء التي دارت رحاها بين طه حسين والعقاد. وما زلنا نقرأ كتاب (على السفود) للرافعي الذي فتح نيران قلمه على العقاد شخصًا وفكرًا. ما زلنا كذلك نتذكر معركة جيم جدة بين عبدالقدوس الأنصاري وحمد الجاسر، وما حصل بين أحمد بن محمد الشامي ومحمد بن علي الأكوع في كتاب جناية الأكوع على التراث اليمني، إلى غير ذلك من المعارك الأدبية المختلفة التي اندلعت نيرانها على الورق، ولكنها لم تلتهم شيئًا من الأخلاق ولم تنتقص سطرًا من الأفكار. بل أساهمت في الإجابة عن الكثير من الأسئلة ووضعت الكثير من النقاط على الحروف. كمعارك أنيس منصور في الخمسينيات دارت حول الفلسفة والوجودية ومعركة وجود حضارات أو كائنات عاقلة في أماكن أخرى من العالم، هل هي موجودة أم غير موجودة، وهي من أغرب المعارك على الإطلاق.

ولعل أبرز المعارك الأدبية في السعودية وقعت بين الشاعرين محمد حسن عواد وحمزة شحاته، وانتحل كل منهما اسم مستعارًا يتخفى خلفه إذ كتب حمزة شحاته باسم (هول الليل)، وكتب العواد باسم (أبو لون)، وشهدت صفحات صحيفة «صوت الحجاز» أصداء الصراع الشعري، وكان إضافة الأدب السعودي. إلا أن المعارك الأدبية اختفت منذ ثلاثة عقود تقريبًا لتعود مجددًا إثر تغريدة عبر منصة تويتر للناقد الدكتور عبدالله الغذامي في 3 ديسمبر 2018 وصف روايات الروائي عبده خال بـ«الثرثرة» حينما قال: «ملاحظة واقعية، كتاب القصة القصيرة يقعون في تشتت ذهني حين يقتحمون الرواية والسبب في تقديري أن طاقتهم السردية قصيرة (بمقدار قصة قصيرة) لذا يلهثون مع الرواية ويقعون في (الثرثرة) عبده خال نموذج واضح لهذه الربكة السردية» فيما فسر ذلك الروائي عبده خال بأنه جاء نتيجة موقف لدى الغذامي عن رأي كتبه خال قبل أيام (من هذه التغريدة) عن ريادة الغذامي المزعومة للحداثة، وأضاف خال أنك تستطيع إغضاب الغذامي بسهولة. فقبل أيام كتبت أنه لا يمثل عمود الخيمة للحداثة كما ادعى في كتابه ويبدو أنه ما زال متذكرًا قولي: بأن لديه نقصًا ولم يستكمل مشروعه الثقافي بعد. واتهم خال الغذامي بأنه لم يكن يقرأ الرواية أو القصة. وتساءل كيف ظهر منظرًا عن القصة والرواية الآن؟

في عام 1932، ظهرت مدرسة «أبولو» بقيادة زكي أبي شادي لتكون ثكنة الجمال لشعراء تحلّقوا حول مجلة «أبولو» ليقلقوا بنية الشعر العربي كأبي القاسم الشابي وإبراهيم ناجي وإيليا أبو ماضي، وكانوا في جبهتهم هذه ضد الصوت التقليدي في الخطاب الشعري.

وفي عام 1920، من أمريكا ظهرت الرابطة القلمية كصوت أدبي متميز لكتاب المهجر من السوريين واللبنانيين من أمثال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة وإيليا أبو ماضي وآخرين. فغيروا اللغة وضفاف الكتابة وروحها.

وعلى جبهة الشعر حدثت معارك مهمة حول الشعر الجديد منذ مدرسة الديوان في العشرينيات من القرن الماضي، واستهداف وحدة القصيدة لا وحدة البيت الشعري، كما ظهرت المدرسة الرومانتيكية في الثلاثينيات، وفي الأربعينيات بدأت معركة الشعر الحر مع الشعر التقليدي، والتخلص من القافية وما تفرضه من نهايات مفتعلة أحيانًا، وبدأ الشعر الحر، وأصاب أصحابه من السياسة أكثر من الشعر، فاعتبره الكلاسيكيون هجمة استعمارية على الشعر واللغة، لكن الشعر الحر انتصر. ظهر جيل السبعينيات في الشعر، وبشروا مع الشعر الحر والتخلص من الشفاهية المعتادة حتى في الشعر الحر، وكذلك بقصيدة النثر التي لم يعرفها الشعر العربي إلا نادرًا، في محاولات لم تنتشر، وأصابهم ما أصاب أصحاب الشعر الحر من حديث سياسي باتهامهم بأنهم أعداء القومية العربية.

وبين هذه المدارس كانت نيران المعارك مشتعلة وطلقات المدافع تطلق من كل الجهات والاتجاهات من التقليديين والمحافظين والليبراليين والمعاصرين والمجددين على الطريقة الغربية، وكل صوت كان يريد أن يحقق وجودًا لفلسفته ورؤيته للحياة والكتابة والجمال.

ويمكن القول إنه لا توجد قضية ذات بال مرّت في حياة الفكر العربي المعاصر إلا واحتوتها هذه المجموعة المتكاملة من المساجلات، لتشكل بذلك صورة حية للتحديات والأخطار التي مازال يمرّ بها الفكر العربي المعاصر، ومنها قضايا الأدب المهموس، وأدب المهجر، والأدب المكشوف وقضية المرأة والمجتمع.

وكان المستفيد من كل هذه الحروب الباردة تارة والساخنة طورًا آخر هو الأدب العربي ومن خلفه المجتمع برمته لأن ما كان يحدث من نقاشات ودفاعات ومرافعات كان غير منفصل عن بنية المجتمع السياسية والثقافية، خصوصًا أن المثقف في تلك المرحلة كان يحمل صورة «النبي» الذي لم يوحِ إليه، كما أن كل الذي يجري على أرض المعارك كان الإعلام ينقله بل ويساعد على تأجيجه وهو العامل الذي ساعد على تحريك الراكد في العقل وفي السلوك الجمالي والاجتماعي.

وكان في هذه المعارك فرسان من كل القوميات والعقائد التي تعايشت في المنطقة العربية، مسلمون بكل أطيافهم، مسيحيون، يهود، دروز وإيزيديون، عرب وبربر وأكراد وشركس وأرمن وآخرون. ولم تكن قضية العقيدة أو الانتماء القومي محط تبجيل أو إقصاء، بل كان الإبداع في بعده الإنساني والتجديدي هو الغاية من المعارك التي يشترك فيها الجميع على اختلاف انتماءاتهم ضد الجميع الآخر على اختلاف انتماءاتهم.

أسباب موت الحرب الجميلة

ربما كانت من أواخر الحروب الأدبية الكلاسيكية التي أثرت بشكل كبير في بنية العقل العربي فكريًا وجماليًا، ما جرى بين طه حسين ومناصريه من جهة وخصومه من جهة ثانية، أي بين دعاة العقل والتنوير والانفتاح من جهة وفلول المدرسة الإصلاحية المحافظة السلفية من جهة ثانية، كل هذه الحرب كانت تجري على أرض «الأدب والشعر»، وكيف يمكن قراءته والعيش فيه وله، وكل طرف كان يدافع عن موقع تاريخي واجتماعي وسياسي معين لكن باستعمال الخطاب الأدبي الذي يوصل إلى مواقع أخرى.

بعد مدة على هذه المعارك، ظهر كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» عام 1926. ويبدو أن المعركة بين الفلسفة التنويرية العقلانية التي تبناها ودافع عنها طه حسين وزمرته من جهة والتيار المحافظ من جهة أخرى الذي قاده الرافعي ومحمود شاكر ولطفي جمعة وغيرهم انتهت في آخر المطاف لمصلحة التيار الإصلاحي التقليدي.

يجب الاعتراف بأن الانتكاسة الثقافية والسياسية التي يعيشها العالم العربي بدأت بشكل واضح يوم انهزم طه حسين فكرًا تنويريًا ورؤية حداثية ومقاربة إنسانية، لقد خرج الفكر الأزهري التقليدي منتصرًا من واقعة «في الشعر الجاهلي». والدليل على ذلك الانحدار الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية والمغاربية في التعليم والمتميزة بغياب العقل من جهة واستعمال خطابات قروسطية لمخاطبة محيطنا المتوسطي والعالمي من جهة أخرى.

لقد انتصرت البلاغة الفقهية على العقل الفلسفي.

وبانتصار الفكر الأزهري التقليدي في الثقافة والأدب اختفى عامل مهم وإيجابي لطالما كان المحرّك المجدّد لبنية الثقافة والأدب واللغة ألا وهو التيار الثقافي الأدبي الذي قادته أنتلجنسيا العربية المسيحية (سوريا ولبنان وفلسطين) وهو الذي قاد عملية تحديث اللغة العربية وتثوير النص وقاد انقلابًا ضد البلاغة التقليدية والإنشاء الفقهي في الأدب.

ومن الأسباب التي أدت إلى صمت المعرك الأدبية يقدم الأديب العربي الكبير الراحل نجيب محفوظ تفسيرًا لذلك بالقول: أعتقد أن السبب الأول هو الفجوة الكبيرة بين الأدباء والمفكرين وبين القارئ لأنه قاعدة المثلث. وإذا اختفت القاعدة لم يكن هناك مثلت. والقارئ لم يعد يتفاعل مع ما يكتب، لذلك نجد الكثير من الكتَّاب يصابون بالإحباط لأنهم كانوا يتوقعون -مثلاً- لفكرة ما أو لكتاب أن يحدث صدى أكثر فلا يحدث.

الصحافة الخاسر الأكبر

المعارك الأدبية بشكلها التقليدي كانت تشكل ساحة خصبة لازدهار الصحافة الورقية، التي توفر صفحات «دسمة»، تقدم للحياة الثقافية متعًا استثنائية، وتنتقل بالمخيلة الإبداعية إلى آفاق أوسع، وتشكل حركة نقدية حقيقية.

كما كان لتلك المعارك جمهور متابع، يكتب ويهتم، وكان الصخب لا ينتهي، فخلفت كتبًا ودراسات توثق معارك خالدة، مثل معركة تلقيب الشاعر أحمد شوقي بـ"أمير للشعراء"، التي دارت رحاها بين طه حسين وعباس محمود العقاد،  ومعركة عبدالقدوس الأنصاري وحمد الجاسر، ومعارك أنيس منصور، ومعركة الشاعرين الرصافي والزهاوي على صفحات الصحف العراقية، ومعركة أحمد أمين التي بدأها بسلسلة مقالات «جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي» ليرد عليه الدكتور زكي مبارك بسلسلة مقالات تحت عنوان «جناية أحمد أمين على الأدب العربي»، ودارت رحى هذه المعركة بين مجلتي الرسالة والثقافة، كما تحمل الذاكرة معارك أخرى جميلة اندلعت على ورق الصحف، وكان القلم سلاحها الوحيد، والصحافة وسيلتها الاتصالية.

عندما تتحول الأيديولوجيا إلى طوق نجاة للثقافة والأدب

مع انتصار الفكر المحافظ الإصلاحي على الفكر التنويري العقلي دخل المجتمع في سبات خطير محفوف بيأس سياسي وثقافي، حتى دقت أجراس هزيمة 1967، لتتحرك الأنتلجنسيا ثانية، لكن هذه المرة سيكون خطابها من داخل السياسي والأيديولوجي المرتبط مباشرة بجرح "الهزيمة".

فمعركة طه حسين وعلي عبدالرازق والطاهر الحداد وقاسم أمين وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم وأبو القاسم الشابي وغيرهم كانت معركة أدبية قائمة على الفكر والأدب واللغة وحضارية في رسم معالم العلاقة مع الآخر كنموذج أو كمرآة. أما معركة الثقافة والمثقفين في مرحلة ما بعد 1967 فكانت سياسية وأيديولوجية حتى وإن اتخذت من الأدب ساحة حرب وأرض صراع.

يمكن اعتبار الكتاب المشترك «الأدب والأيديولوجيا» لنبيل سليمان وبوعلي ياسين الصوت الجديد الذي فتح الأدب والثقافة على معارك أدبية ساخنة (صدر الكتاب عام 1974)، ويمكننا اعتبار هذا الكتاب وما تركه من أثر في الحوارات الثقافية في العالم العربي شبيهًا إلى حد ما من حيث الأصداء وردود الفعل بكتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، ويمكننا تلمس حجم هذا الأثر الذي خلفه كتاب «الأدب والأيديولوجيا» في حجم المقالات والدراسات والمتابعات والحوارات التي تابعت الكتاب من معسكر النيران الصديقة أو العدوة وقد جمعت في كتاب بعنوان «المعارك الثقافية في سوريا» أشرف عليه نبيل سليمان وبوعلي ياسين ومحمد كامل الخطيب، وصدر عام 1979.

وبالعودة إلى هذا الكتاب كصورة نموذجية عن المعارك الثقافية والأدبية يمكننا القول بأنه جاء إلى حد ما للتعبير عن النكسة الثقافية التي عرفها التنوير منذ هزيمة طه حسين، وبالتالي البحث عن أسباب الانهيار الاجتماعي في النصوص الأدبية. وهو في الوقت نفسه مواصلة لمعركة العقل والتنوير من باب الاشتغال على السياسي وتغليبه على الحضاري، حتى وإن كان الأدب هو القاسم المشترك.

جبهات الحروب الخاسرة

ومرة أخرى كما انهزم فكر طه حسين أمام الفكر الإصلاحي الأزهري في معركة «في الشعر الجاهلي»، انهزم أيضًا فكر الثنائي نبيل سليمان وبوعلي ياسين في معركة «الأدب والأيديولوجيا» أمام صعود التيار الإخواني الذي أسس لما سمي «الأدب الإسلامي» بكتابه ومنظماته ومنصاته.

وانتشار ظاهرة «الأدب الإسلامي» الذي كان اللسان الأدبي لتنظيم الإخوان المسلمين بكل مشتقاتهم السياسية في البلدان العربية، انتقلت الحروب الثقافية والأدبية من حروب ومعارك جمالية وحضارية إلى أخرى «دعوية»، قادها بعضهم ممن بدأ أديبًا ثم تحول إلى «داعية» أو منظرٍ للعنف والتطرف.

واتخذت الحروب والمعارك الثقافية بمجرد «أخونتها» منصاتٍ جديدةً لها، وانسحب الصراع والنقاش من عالم الشعر والرواية وعاد مرة أخرى إلى التراث الديني، واشتعلت حروب بين الدعاة أنفسهم، كل يريد أن يكون له القطيع الأكبر من الرواد والزبائن والمعجبين والمعجبات، واشتعلت الحروب على منصات القنوات التليفزيونية أولاً ثم انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت ثكنات بجيش عرمرم ضد الثقافة والأدب والفكر التنويري.

لا توجد معارك أدبية اليوم، ولا قراء يتابعونها اللهم إلا في القليل النادر، سرعان ما تخبو نارها وينفرط عقد متابعيها وذلك لضحالة الإنتاج الفكري والأدبي اليوم قياسًا إلى زمن الرواد وشيوع النمط التجاري وانتشار الكتابة السهلة، والقارئ الناعم والعلاقات الأدبية القائمة على المجاملة والرياء والحرص على المكاسب والحفاظ على شبكة العلاقات الاجتماعية والمهنية ولبروز أقطاب جذب أخرى مثل وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الرياضية وقنوات اليوتوب بل إن الفكر ذاته في أزمة وفي مخاض عسير ونفق طويل.

في ظل هذه الحرب التي بدأت ثقافيًا وانتقلت إلى معسكر «التكفير» و«التخوين» عرف العالم العربي في الربع الأخير من القرن الماضي أولى ضحايا هذا التطرّف من أمثال فرج فودة وحسين مروة وصبحي الصالح ومهدي عامل ونجيب محفوظ وعبد القادر علولة والطاهر جاووت والجيلالي اليابس وبلخنشير وبوسبسي ومحمد البراهمي وشكري بلعيد وآخرين، الذين كانوا ضحايا حروب ثقافية انزلقت نحو التعصب وغذى نارها فكر الفتنة والتحجر ومعاداة الاختلاف وكراهية الآخر ورفض فلسفة العيش المشترك.

وسمحت وسائط التواصل الاجتماعي كمنصات «شعبوية» تكنولوجية بإشاعة الفوضى في القيم واختلط الحابل بالنابل. وكما دخل الخطاب المتطرف الديني والدروشة على خط الثقافة والأدب والفلسفة، دخل إلى النقاش أيضاً حمقى منصات التواصل الاجتماعي وأصبح لهم الحق في إبداء الرأي من دون تحفظ في ما يعلمونه وما لا يعلمونه قطعاً، شعرًا وروايةً وفقهًا.

 

المصادر:

- أمين الزاوي، المعارك الأدبية... من هزيمة العقل إلى حمقى شبكات التواصل الاجتماعي، اندبندنت عربية، 18 يوليو 2019.

https://n9.cl/q7ocf

- علي الرباعي، من خفافيش العقاد إلى (هول ليل حمزة شحاتة) عودة المعارك الأدبية، صحيفة عكاظ، 8 ديسمبر 2018.

https://www.okaz.com.sa/culture/na/1690971

- إبراهيم الصايغ، المعارك الأدبية بين الغيرة والتجديد، جريدة الأيام، العدد 10352 السبت 12 أغسطس 2017.

https://www.alayam.com/alayam/Variety/669703/News.html


عدد القراء: 440

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-
xxx2021 xxnx xxx videos porn videos hindi xxx videos xxx sexfilme new sex hd