الرواية بين الأدب والسياسة


مجلة فكر الثقافية

 

الأدب هو انعكاس للمجتمع الذي يعبر عنه، وتتنوع أغراضه وأشكاله، إلا أنها تصب جميعها في تحقيق التعبير عن قضايا وهموم المجتمع ودفعه إلى التقدم نحو الأمام، في هذا الإطار يبرز الأدب السياسي، كشكل من أشكال الأدب يعبر عن قضايا المجتمع السياسية.

ويرى الكثير من النقاد أن الأدب والسياسة عالمان منفصلان لا علاقة بينهما، وهذا بالطبع يشمل الرواية، وهم يبنون رؤيتهم هذه على أساس أن الرواية هي عالم خيالي عاطفي يهتم بمشاعر الإنسان، في حين أن السياسة بالمواطن عالم جاف وقاسٍ أيضًا، وهي رؤية يرفضها أغلب المهتمين بالأدب بصورة عامة والأدب السياسي والمشتغلين به بصورة خاصة، بل وحتى كتّاب الأدب بأنواعه الأخرى، إذ لا تخلو أنواع الرواية الأخرى مثل الرواية الكوميدية، التاريخية، روايات الحروب، والروايات الاجتماعية وحتى الروايات العاطفية من تفاصيل سياسية بشكل مباشر أو غير مباشر. المفكر والناقد الإنجليزي تيري إيغلتون يرى أن هناك علاقة وثيقة بين الأدب والسياسة وقد يصل الأمر بمكان إلى صعوبة فك العلاقة بين الاثنين.

ظهرت بعد الستينيات حركتا أدب الحداثة وما بعد الحداثة، إلا أن كثيرًا من الأعمال الروائية كانت شبه حيادية، واعتمدت ظلال المعالجة فيها على النقد السياسي من خلال التلميح وليس التصريح، وهو ما استمر حتى ما بعد ثورة 25 يناير في مصر، وكتب علاء الأسواني في قصة منشورة له بعد ثورة 25 يناير في مصر بعنوان «ماذا قال النسناس في حضرة الأسد؟»، حيث أسقط الكاتب قصته على الأوضاع التي شهدتها مصر عقب الثورة، موضحة المعنى الواضــح في أن النسناس إشارة إلى الرئيس السابق حسني مبارك، والأسد إشارة إلى العسكرية المصرية، معتبرة أن استمرار موجة الأدب السياسي والأدب السياسي الساخر مرتبط بالرغبة في التنفيس عن مشاعر الغضب من الواقع ومحاولة التهوين على النفس ولو بالسخرية منه، أو حتى السخرية المريرة من كل شيء، إضافة إلى الرغبة في الهروب من الرقيب الحكومي أو حتى الرقيب الديني المتمثل في الأزهر.

ويعد فهم العلاقة بين الأدب والمجتمع قضية ملحة يحتاج الكتاب وخبراء الأدب إلى معالجتها والتوفيق بينها.

تثار عدة تساؤلات حول تعريف الرواية السياسية، فهل هي التي تطرح قضية سياسية صريحة، أم من الممكن أن تطرق باب السياسية عبر الرمز؟ وهل من الضروري أن يكون أبطالها منخرطين في عمل سياسي ما، سواء كان برلمانيًا أو حزبيًا أو نقابيًا أو حتى يكونوا مسؤولين رفيعي المستوى، أم من الممكن أن يكونوا مجرد أناس عاديين، يتأثرون بالقرارات والممارسات السياسية، بوصفهم شريحة اجتماعية تمسها السياسة بشكل مباشر أحيانًا، وغير مباشر أحيانًا؟ وهل من اللازم أن يكون هذا البطل إيجابيًا في تفاعله مع الواقع السياسي، أم لا؟ وهل يتعين على الرواية أن تتضمن موضوعات محددة، ترتبط بالشأن السياسي، حتى يمكن أن تحمل صفة "رواية سياسية"، أم أن هذا ليس ضروريًا؟

مجمل التعريفات التي قدمها نقاد الأدب للرواية السياسية تدور غالبًا حول الأسئلة المذكورة سلفًا، ومن بين هؤلاء جوزيف بلونتر، الذي رفض حصر الرواية السياسية في تناول حياة بعض الأشخاص الذين يتبوؤن مكانة سياسية عليا داخل النظام السياسي، وطالب بضرورة أن يمتد نطاقها ليطوق كافة طبقات وشرائح المجتمع، لكنه اشترط ضرورة أن تكون للأفراد العاديين، الذين يشكلون شخصيات وأبطال العمل الروائي، أدوار سياسية، حتى يمكن أن نطلق على هذا العمل "رواية سياسية"، واستثنى من ذلك الروايات التي تعالج القضايا السياسية بشكل مجازي أو رمزي.

أما إيرفنج هاو، فقد كان أكثر صراحة في التعامل مع مفهوم الرواية السياسية، حيث نظر إليها على أنها تلك الرواية التي تلعب فيها الأفكار السياسية الدور الغالب أو التحكمي، أي أنها تركز على قضايا سياسية بالدرجة الأولى. واعتبر هاو أن التحدي الأكبر أمام "الروائي السياسي" هو أن يجعل من الأفكار أو الأيديولوجيات مادة حية تتحرك داخل العمل الروائي من خلال الشخصيات على هيئة أفعال وتضحيات، وأن يظهر العلاقة بين النظرية والتجربة، أو بين الأيديولوجيا والعواطف التي يحاول أن يقدمها، دون أن يجعل الأفكار المجردة تفسد الناحية الفنية للرواية وتقضي على حيويتها.

الأدب السياسي الساخر

يذهب الكثير من النقاد من أهل الأدب، على أنَّ هذا النوع من الكتابة الساخرة قد عرفها الأدب العربي في ماضيه، وهم يرون بأن الجاحظ، كان في طليعة القوم في هذا الفن من الكتابة، في مسألة النقد السياسي والاجتماعي، ففي مصر عُرف (يعقوب صنوع)، صاحب جريدة «أبو نظارة»، ويتمتع هذا الكاتب بموهبة عالية، بحيث أنه كان يستطيع كتابة نصه بعشر لغات، كما شهدت الساحة التونسية نهضة كبيرة في هذا الفن والنوع من الكتابة، أما في الشام بوحدتها الجغرافية، فقد كانت صاحبة ريادة في هذا النوع من الكتابة، وذلك عندما شهدت ساحتها الإعلامية في العقود الثلاثة الأولى، من القرن العشرين للميلاد، إصدار أكثر من خمسين صحيفة هزلية، في مسماها وفي لغة الكتابة فيها، وكان آخرها صحيفة «المضحك المبكي» لصاحبها حبيب كحالة.

ولا يغيب عنا الدكتور غازي القصيبي رحمه الله، ومن كتبه في هذا الجانب، كتاب «أبو شلاخ البرمائي»، وهو من روائع مؤلفاته الموضوعية الهادفة في بعدها السياسي والاجتماعي والأخلاقي، والذي يعرف غازي القصيبي رحمه الله، يدرك مدى العلمية والأهلية لمن يريد الكتابة بهذا اللون من الكتابة. فليس من السهل الكتابة بهذا اللون من الكتابة الأدبية، إلا عند من امتلك الأهلية فيها.

الأدب من أدوات التغيير السياسي

ويعد الأدب أداة من أدوات التغيير السياسي والاجتماعي، ويعبِّر عن روح الأمّة وأزماتها وطموحاتها، من خلال تنوير الجماهير والقادة على حدّ السواء بحقيقة الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتجسيد أزماتها العامّة، وتصوير كيفيّة الخلاص، بحيث يتمّ ذلك في الرواية من خلال الشخصيّات.

لقد زخر تاريخ الأدب الروسي بالعديد من النماذج الدالّة على ذلك، وحقَّق هذا الأدب العالمية من خلال اهتمامه بالأوضاع السياسية والاجتماعية ونقدها، والتوجّه نحو تصوّر مستقبل أفضل. فكان الكُتّاب الروس مُعلّمي شعبهم وقادته. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأدب العربي، الذي لم يكُن بمعزل عن السياسة منذ نشأته، إذ اهتمّ بالأحوال السياسية والاجتماعية للشعوب والقادة العرب على السواء. فرواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم أثَّرت في تشكيل فكر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وفي تكوينه.

كما تناول الأدب العربيّ مختلف القضايا والأزمات التي تعرَّض لها العالَم العربي كمقاوَمة المحتلّ أو المُستعمِر القديم والجديد، ونقد القهر السياسيّ ونقضه، وطالَب بالحرية. وبالتالي كان الأدب بمنزلة أداة للوعي السياسي وللتغيير في الوقت ذاته.

منذ زمن بعيد، كان من الممكن أن يخدع الكاتب نفسه ويتبع الاعتقاد بأن الفن منفصل عن المجتمع. الآن أصبح كل شيء فريدًا لأننا في مواجهة واقع سريع الحركة. علاوة على ذلك، فإن العلاقة القوية بين الأدب والمجتمع لها علاقة بمفهوم الحرية. ولا يمكن أن تتحقق الحرية الكاملة خارج المجتمع. حرية الإنسان هي مسألة انتصار اجتماعي كجزء من المجتمع، فإن العمل الإبداعي للكاتب مرتبط بدوره أو دورها كشخص فاعل.

اقترح بعض خبراء الأدب ما يسمى بالرواية السياسية بهدف دعم علاقة لا تنفصم بين الرواية والمجتمع، وخاصة السياسة.

وعندما يطرح الروائي مبارك ربيع في روايته "الريح الشتويّة" (1977) معاناة الإنسان المغربي من جرّاء سيطرة الاستعمار الفرنسي على أرضه واقتصاده، ويُطلق على بطل الرواية اسم "العربي" إدراكًا منه للقضيّة الوطنية المتمثّلة في ضرورة تخلّص العالَم العربيّ من المحتلّ أيًّا كان. ويؤكّد على معنى "فشل العربي في استرداد أرضه عن طريق العدالة الفرنسية"، فيصوِّر تجمّع الفلّاحين المغاربة عند لجوئهم إلى ساحات المَحاكم وقُضاتها الفرنسيّين بحثًا عن العدل، بينما يعلو تمثال بطل فرنسيّ يجلس تحته الفلاحون بانكسار، فيتمّ التقابل بين عظمة التمثال، وضآلة المنتظرين لمصيرهم.

وفي رواية "شرق المتوسّط" لعبدالرّحمن منيف، ثمّة عبارة بكلمات قليلة ومعانٍ كبيرة: "هذا واحد من شعب سجين"؛ عبارة قالها الطبيب الفرنسي الذي سأل البطل عن أسباب أمراضه وتاريخها، فأرجعها الأخير إلى التعذيب الوحشي في السجن.

وتمثِّل رواية "بين القصرَين" للأديب المصري نجيب محفوظ، إدراكًا لحقيقة الواقع ومناداةً بضرورة تغييره لتحقيق الاستقلال. فيقول "الشيخ متولّي" إحدى شخصيّات الرواية إنّ "الإنجليز لن يخرجوا إلّا بالقتال وليس بالوفود المُسافِرة إلى الخارج".   

هكذا، مثَّل الأدب بحقّ أداة للوعي السياسي العربي سواء في تصوير سلوك المحتلّ البربري والعدواني والغشيم وتصرّفات، أم في تصوير مقاومته.

كان إيرفينغ هاو يرى أن الروائي السياسي يجب أن ينخرط في اضطراب سياسي أو أن تصبح أعماله خام وغير مكتملة، في حين سلط ماكس أديريث الضوء على الأدب المتداخل.

وأكد جورج أورويل، المعروف بأعماله 1984 ومزرعة الحيوانات، وآلان روب جريل، الروائي الفرنسي الذي قدم مفهوم الرواية الحديثة، أن المؤلف يجب أن يخدم القضايا السياسية. يجب على المؤلف أن ينخرط في شيء واحد فقط، وهو الأدب.

في إندونيسيا، تبقى الروايات السياسية قليلة على الرغم من أن الأعمال الأدبية المختلفة تتعامل بشكل كبير مع المجتمع بشكل عام والسياسة بشكل خاص. قد يتم الاستشهاد بروايات ويني أرثا لوجينا، The Blackside  and  Revival: Konspirasi Dua Sisi  من بين الروايات القليلة التي تمثل الروايات السياسية في البلاد.

في العقود القليلة الماضية، اشتهر الكاتب مختار لوبيس بكتابة الروايات السياسية الجميلة، الذي تلعب السياسة دورًا رئيسيًا في رواياته.

وقد أشار إيغلتون إلى أن الأدب أصبح المرشح المناسب من نواح عديدة للمشروع الآيديولوجي الجديد؛ فهو كمسعى ليبرالي وإنساني يمكنه أن يقدم ترياقًا فعالاً ضد التعصب السياسي والتطرف الآيديولوجي، فالأدب يمتلك القدرة على تشكيل فكر المتلقي برغبة وارادة كاملتين، في حين أن السياسة تفرض ما تريده قسرًا. ويرى إيغلتون أنه في حين يتحمل العلماء والفلاسفة والمنظرون السياسيون أعباء المساعي الخطابية الرتيبة الكئيبة، فإن الأدباء يحتلون مجال الشعور والتجربة الأعلى قيمةً وتقديرًا. ومع التهديد الذي واجهته الرأسمالية البريطانية من منافستيها الفتيتين الألمانية والأمريكية بتقدمهما عليها، برزت الحاجة الملحة إلى الإحساس بالهوية القومية، وهنا سطع نجم الأدب في السياسة. وقد انغمس الأدب بعد ذك في أدوار مستهجنة أشد خطورة سياسيًا واجتماعيًا كالدعاية الحربية. لذا، فإن الأدب السياسي في حاجة إلى قراء واعين. ولا يقل شأن القارئ لهذا النوع من الأدب عن شأن كاتبه.

مشكلة الروايات السياسية أنها تمزج المشاعر والسلوك مع الأيديولوجيات الحديثة، وينتشر الخوف من إدخال الأيديولوجيا في الرواية بين النقاد والمؤلفين الذين يعتقدون أن للسياسة تأثير ضار على العمل الأدبي.

سيجد مؤلف الروايات السياسية صعوبة لأنه لم يعد يستخدم المصادر "الأصلية"، وتخضع فكرة وضع محتوى سياسي ثقيل في قطع أدبية للجدل والمقاومة.

المعنى الضمني هو أن المؤلف المكرس للسياسة الذي وضع الأدب جانبًا ليس شخصًا أدبيًا ولن يكون قادرًا على إنتاج عمل أدبي قوي.

الصراع بين الأخلاق والأيديولوجيا له إلهام سياسي فكل جزء من حياتنا، فرديًا أو اجتماعيًا، تفوح منه رائحة السياسة. ومع ذلك، فإن محتوى الأدب الملتزم ليس دائمًا سياسيًا.

أعتقد أن محاولات إدخال المفاهيم الاجتماعية والسياسية في الرواية يمكن أن تتم بعدة طرق:

أولاً: يتم تقديم الأفكار الاجتماعية بطريقة مباشرة في الرواية؛ حيث يمكن للمؤلف استخدام تقنية الدعاية للوصول إلى القارئ بسهولة دون المطالبة بتفسير متطور.

وتعد الفكرة البسيطة هي الفكرة الصائبة، وتم العثور على هذا بشكل متكرر خلال زمن ديكنز في شكل مسلسلات في وسائل الإعلام المطبوعة. عادة، يأتي محتواها في شكل درس أخلاقي كبير: لا ينبغي للفقراء أن يسرقوا، بل يجب أن يتبعوا الطريق المستقيم.

ثانيًا: لا يتم التعبير عن فكرة معينة بطريقة مباشرة ولكن يجب أن تُظهر بوضوح النية في جذب الناس إليها كـ(الحرب والسلام) ليو تولستوي، وهي مثال جيد للدعاية للتاريخ، وإن لم يكن ذلك عبر التاريخ، إلا أن دي إتش لورانس حقق تأثيرًا مشابهًا في عمله (عشيقة الليدي تشاتيرلي).

ثالثًا: يتم تقديم فكرة معينة على أنها اتفاقية بين الكاتب والقارئ، يبدو هذا معقولاً ولا يُنظر إليها على أنه دعاية. لكن في النهاية سيحكم القراء على ذلك على أنه التجربة السليمة. لم يعد الشعور بالفكرة على أنها فكرة، لأنها ترتكز على تقييم الأفعال البشرية في الرواية.

تلخص أعمال جين أوستن الفكرة كمعاهدة بفضل الروايات السياسية، يمكن للمؤلف تعريف نفسه أو نفسها من خلال الانخراط بوعي في أعمال متعمدة. هذا الموقف هو رد فعل ضد عقيدة "الفن من أجل الفن" وضد الكاتب "البورجوازي"، واجبه تجاه مهنته وليس جمهوره. التناقض بين المثالي والواقع مهم ومتطرف. تنشأ الصعوبات بمجرد إجراء محاولات لتنفيذ النموذج المثالي، مع عواقب غير متوقعة.

يقول نجيب محفوظ في حديثه عن شخصيات روايته ميرامار: "لقد بدأت بنية كتابة حياة أشخاص فتحول كل شيء إلى المعنى السياسي" أي أنه أثناء كتابة محفوظ لروايته، تحول مسار الشخصيات العادية من مجرد شخصيات مستمدة من الواقع إلى رموز سياسية من دون قصد وعمدية منه.

مرتكزات الرواية السياسية

لقد أصبحت السياسة محورًا فكريًا في الرواية المعاصرة، مهما تنوعت مواضيعها، وتعددت أبعادها الاجتماعية والواقعية، وجنحت إلى الحداثة الشكلية والتنويع الفني. فإن الرواية تعبر عن الأطروحة السياسية إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة. لذلك نقول: إن السياسة حاضرة في كل الخطابات والفنون والأجناس الأدبية. وتتمظهر بجلاء ووضوح في فن الرواية التي تعكس نثرية الواقع وصراع الذات مع الموضوع والصراع الطبقي والسياسي والتفاوت الاجتماعي وتناحر العقائد والإيديولوجيات والتركيز على الرهان السياسي من خلال نقد الواقع السائد واستشراف الممكن السياسي.

وتستند الرواية السياسية أيضًا إلى بلاغة الإقناع والدعاية والتحريض والالتزام وتبليغ الأطروحة المقصودة بشتى الوسائل لأن الغاية تبررها وتعضدها. كما تنبني على بلاغة التكرار لتحريك الشعور السياسي والإيهام الثقافي. وتلتجئ هذه الرواية إلى السرد التفصيلي والحوار التسجيلي والمنحى الواقعي لتسجيل المعطى وتهويله وتصويره سلبًا أو إيجابًا. وتشحن الرواية ذات الأطروحة السياسية بتعاليم تنزع إلى توضيح حقيقة عقائدية وسياسية، وتصبح هذه التعاليم العقائدية السياسية بؤرة تعكس مفهوم الأطروحة في الرواية.

ويضطر الروائي في هذا النوع من الروايات إلى اختلاق شخصيات متصارعة وتهيئ برامج سردية ذات مواقف متطاحنة خدمة منه للأفكار والولاءات السياسية أو الإيديولوجية للقارئ. وتتأرجح الرواية السياسية بين الجانب الروائي والجانب الأطروحي. وتزدهر هذه الرواية "من خلال ارتباطها بسياق تاريخي وطني مليء بالصراعات الإيديولوجية التي تلزم كل روائي بالخوض فيها... ويظهر من خلال كل هذا ارتباط رواية الأطروحة السياسية بوظائف تلقينية وعقائدية ومنولوجية. وهي وظائف تمتلك سلطة إنتاج الأمر والتلقين والمعرفة نازعة باستمرار نحو أحادية المعنى في معاكسة لتفجر النص في الرواية المعاصرة".

الرواية السياسية في الغرب

ظهرت الرواية السياسية في الغرب نتيجة للصراعات الإيديولوجية والأهواء السياسية المتطاحنة. وكان الصراع السياسي حادًا بين الرأسمالية والواقعية الاشتراكية. كما تغنت هذه الرواية بموقع الإنسان الغربي ومصيره في ظل أنظمة الحكم الغربية المعاصرة حتى إن السوسيولوجي لوسيان كولدمان يعرف الرواية الغربية بأنها بحث البطل الإشكالي عن القيم الأصلية في مجتمع متدهور يتسم بالتشييء والاستلاب والاغتراب وضياع الإنسان وهيمنة القيم الكمية ومعايير السوق والتبادل السلعي والإنتاجي، بينما جورج لوكاش يرى أن الرواية لم تظهر في الغرب إلا لتفرز تناقضات المجتمع البورجوازي وتصوير صراعه ضد الطبقات الاجتماعية المعارضة الأخرى.

ومن أهم الروايات السياسية الغربية نجد (الأم) لمـكـسيــم جـوركي، و(الدون الهادئ) لشولوخوف التي تمجد صراع ونضال الطبقة العاملة والفلاحية لبناء الاشتراكية، و(الجريمة والعقاب) لدوستفسكـي التي تدين الواقع السائد الطافح بالتناقضات (الفقر – البؤس – الربا – الاستغلال...).

وعرفت فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين – بعد نجاح الاشتراكية والقضاء على النظام الإقطاعي- روايات تدافع عن النظام الجديد وتلتزم بتصوير إيجابياته على الرغم من وجود روايات معارضة لهذا النظام الذي استهدف اضطهاد المثقفين وقمعهم.

وسار على غرار شولوخوف ألكسي تولوستوي بروايته (دروب الآلام)، كتب الجزء الأول سنة 1921، بينما كتب الجزء الثاني في سنة 1941. ومن كتاب الرواية السياسية الآخرين نذكر: موپاســان وإرنست هيمنغـواي في روايته الرائعة (لمن تقرع الأجراس؟)، ومالرو، ورومان رولان، وجاك لندن.

وقد واكب الأدباء الغربيون كل الهزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة داخل النظام الرأسمالي، وهناك من الكتاب السياسيين من شارك في النضال المستميت جسديًا وسياسيًا مثل: مالرو وهيمنغـواي أملين في تغيير فردي وجماعي.

الرواية السياسية العربية

لم تظهر الرواية العربية السياسية حسب حسين مروة إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية "مع انطلاق حركة القرار الوطني وانحسار المد الاستعماري التدريجي".

وقد رصدت الرواية السياسية العربية عدة قضايا وظواهر مجتمعية وسياسية كواقع الاستعمار والاستقلال والفترة السياسية ما بعد الاستقلال والصراع الإيديولوجي والحزبي والحروب العسكرية والسياسية (حرب أكتوبر، والحرب اللبنانية...)، والنكبات والهزائم (نكبة 1948، والعدوان الثلاثي على مصر، وهزيمة 1967)، والصراعات القومية (الصراع العربي/ الإسرائيلي)، والثورات المناصرة والمضادة، ناهيك عن موضوعات أخرى كمصادرة حقوق الإنسان العربي ورصد ظاهرة السجن العربي أو المعتقل السياسي واستبداد السلطة وانعدام الديمقراطية وعدم مشروعية الانتخابات بسبب التزوير والتزييف وموالاة الأحزاب السياسية اليمينية للسلطة وموالاة الأحزاب اليسارية للمصادر الأجنبية.

ويمكن حصر الرواية السياسية العربية في ثلاث رؤى:

1 - الرؤية السياسية المحلية (ما يتعلق بإقليم محلي معين أو جهة أو جماعة).

2 - الرؤية السياسية الوطنية.

3 - الرؤية السياسية القومية.

وهذه الرؤى ما هي إلا توجهات نقدية لتعرية الفساد السياسي والفساد الاجتماعي، والفساد الاقتصادي، والاستلاب الثقافي، ومحاربة البيروقراطية والفساد الإداري والفساد الأخلاقي والتنديد بالتسلط والاستبداد والدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقد بلغت تجربة الرواية العربية السياسية "شأوًا عاليًا في مقاربة قضايا المجتمع العربي الحساسة والساخنة كقضية الحرية والسجن والسلطة والتحزب والمشاركة السياسية وسواها، بل إن تقصي معالجة الروائيين العرب للموضوعات السياسية تفضي إلى اليأس والخذلان".

وقد لاحظ سماح إدريس في دراسته المهمة "المثقف العربي والسلطة"، "أن استغراق الروائيين العرب في الموضوعات السياسية قد آل إلى إخفاق ذريع وأنه ليبدو لي أن ثمة وعيًا متزايدًا لدى المثقفين – كما تصورهم الرواية العربية – باستحالة تحقيق أي تغيير حقيقي في الوضع العربي الراكد باللجوء إلى سلاح الفكر وحده"

هذا، وقد اتخذت الرواية العربية السياسية مسارًا وطنيًا يتمثل في مجابهة الاستعمار الذي استهدف تغريب المجتمع العربي واستغلاله وتجهيله (عبدالكريم غلاب، مبارك ربيع، طاهر وطار..)، كما اتخذت مسارًا قوميًا للدفاع عن القضية الفلسطينية ومناصرة التجربة الناصرية والدعوة إلى الوحدة العربية الإسلامية. وقد أصبح الموضوع القومي هو مدار تجارب روائية برمتها لبعض أبرز الروائيين كنجيب محفوظ وفتحي غانم وعبدالرحمن الشرقاوي وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وصنع الله إبراهيم في مصر، وصدقي إسماعيل وأديب نحوي وهاني الراهب وحيدر حيدر ونبيل سليمان في سوريا، والطاهر وطار وواسيني الأعرج في الجزائر، وعبدالكريم غلاب ومبارك ربيع في المغرب، وإلياس خوري في لبنان، ومؤنس الرزاز في الأردن...الخ، واتخذت هذه الرواية السياسية كذلك مسارًا واقعيًا انتقاديًا وحقوقيًا وذلك بنقد الواقع والتاريخ والآخر.

وأهم موضوع انصبت عليه هذه الرواية بالمعالجة والدرس والتحليل هو موضوع السلطة والاستبداد ومصادرة حقوق الإنسان، وخير من عبر عن هذا الموضوع عبدالرحمن منيف وعبدالرحمن مجيد الربيعي في روايته (الوشم)، وصنع الله إبراهيم في (اللجنة)، وجمال الغيطاني في (الزيني بركات)، والطاهر وطار في (الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي)، وعمرو القاضي في (البرزخ)، وبنسالم حميش في جل رواياته وخاصة في (بروطابوراس يا ناس!)، و(محن الفتن زين شامة)، وحيدر حيدر، وهدى بركات في (حجر الضحك)،...الخ.

وقد كانت هزيمة العرب في 1967م وما بعد ذلك حتى نصر عام 1973م الذي آل إلى ما يشبه الهزيمة سببًا موضوعيًا لظهور الرواية السياسية الجديدة التي ركزت على تأمل الذات بقسوة وشرح الواقع السياسي المرير، والتعبير عن خيبة أمل الإنسان العربي بقراءتها للأخطار المحدقة به التي تتمثل في سلب الإنسان حريته وكرامته ومصادرة حقوقه الفطرية والمكتسبة، بل وحتى لقمة خبزه وحقه الطبيعي في الحياة، بعد أن كانت الرواية السياسية الكلاسيكية تجسد صراع الوطنيين ضد الاستعمار الغربي أو الصهيوني.

الفرق بين الرواية السياسية ورواية التخييل السياسي

ويمكن التمييز نقديًا بين الرواية السياسية والتخييل السياسي، فإذا كانت الرواية السياسية تقدم الأحداث كما هي في الواقع بطريقة مباشرة أو عبر المرآة الجدلية لتصوير فضاعة هذا الواقع وفضاضته المأساوية باستعمال أسلوب سردي تقريري يقترب من أسلوب الأطروحة الشعارية أو أسلوب الروايات الإيديولوجية الحرفية ذات البرامج السياسية لقراءة الواقع الراهن المتردي على جميع المستويات، فإن التخييل السياسي يتعامل مع المادة السياسية من خلال الأقنعة الرمزية والاستعارية، أي بطريقة غير مباشرة متكئًا في ذلك على التاريخ واستنطاق التراث والموروث الشعبي وصيغه اللغوية والأسلوبية، مستهدفًا بذلك الحوارية والإسقاط والتماثل بين الماضي والحاضر. ويعني هذا أن التخييل السياسي يتعامل مع الموروث الإنساني بصفة عامة، والعربي بصفة خاصة بطريقة سياسية مقنعة تارة، أو مباشرة تارة أخرى، يتجادل فيها الحاضر والماضي. ويكون إعمال التخييل السياسي في إطار المحتمل والممكن، وذلك لملء البياضات الكثيرة في النص السياسي الموروث. كما أن لوحات التخييل السياسي متداخلة وأوعية متواصلة توحي كلها بأزمنة متقاطعة وليس بزمن واحد محدد كما هو الشأن في الرواية السياسية التي تصور الظاهر والسطحي والمباشر. بينما التخييل السياسي يرصد الممكن والمحتمل والباطن واللاشعور السياسي وأمراضه وعقده السيكولوجية وانعكاسات كل ذلك على شخصيات الرواية من خلال صيغ أسلوبية كالمقارنة والمعارضة والسخرية والباروديا واللعبية والمحاكاة الساخرة. ويستند التخييل السياسي إلى التوهيم ومخادعة المتلقي وتخييب أفق انتظاره وتضليله بصدق المعطى وتشويق القارئ بحقيقته الواقعية لتدارك تعذر الخبر أو عجز الروائي عنه وتزيين الحكاية المروية.

ويروم المبدع من هذا التخييل تقريب الهوة بين الحدث والخيال وبين الواقع والممكن، وذلك عبر الافتراض القريب إلى الاحتمال والذوق السليم، أي إلى المعقول البعيد عن التخريف والتداعيات الاعتباطية.

فإذا أخذنا على سبيل المثال رواية بنسالم حميش (محن الفتن زين شامة أو الهجرة في معمور الموت)، سنجد ملامح التخييل السياسي حاضرة في هذه الرواية التراثية على الرغم من شطاريتها [البيكارسكية]؛ لأن الرواية عبارة عن حفريات في المجتمع العربي المعاصر وخاصة السياسي والمدني انطلاقًا من تصور سوسيولوجي. وتبعث الرواية من محيطنا العربي صورًا متقاطعة متكاملة حول الذهنية السياسية ومحن الحب وحقوق الإنسان والمواطن ومصادرة حرياته الخاصة والعامة. لكن هذا طبعًا يمر كله بعيدًا عن كل أطروحة شعارية إيديولوجية أو خطابية سجالية أو تقريرية سياسية على مستوى الحكي، أي يعتمد الكاتب على السرد الإيحائي والحكي المتواتر والتخييل القائم على المفترض والممكن وسبر اللاشعور السياسي والوجودي.

وإذا كانت روايات طاهر وطار سياسية محضة، فإن روايات جمال الغيطاني، وبنسالم حميش، ومبارك ربيع (بدر زمانه)، تشتغل على التخييل السياسي مستغلة في ذلك الموروث السردي الفلسفي والتاريخي والأسطوري والصوفي.

استنتاج تركيبي

إذا كانت الرواية السياسية سواء الكلاسيكية منها أم المعاصرة تنصب على الحاضر وتعالج الراهن بطريقة سياسية مباشرة أو رمزية لتصوير غياب الديمقراطية وانعدام حقوق الإنسان ونقل عذاب الإنسان في السجون والمعتقلات السياسية ومارستانات التعذيب و"التجنين" و"التحميق"، وما يتعرض له السجين من نفي وإقصاء وتصفية وتنكيل وقهر من قبل السلطات الحاكمة أو السلطات المستعمرة، فإن أغلب هذه الروايات سقطت في أدب الدعاية وأحادية الإيديولوجية ورفع شعارات التحريض والثورة ومحاكاة الواقع بطريق سطحية مما أوقعها في الابتذال والتجاوز الفني لها، ناهيك عن سقوطها في التقريرية وأدب الوثائق والبرامج السياسية مما جعلها بعيدة عن الخلود الفني والمتعة الجمالية وإثارة المتلقي إقناعًا وإمتاعًا وتأثيرًا.

أما رواية التخييل السياسي فقد حققت نجاحًا كبيرًا في التأثير على القراء وتمتيعهم، إذ اعتمد كتابها على استلهام التراث التاريخي والفلسفي والصوفي والسياسي للتعبير عن الحاضر بطريقة فنية جميلة قائمة على التهجين، والباروديا (المحاكاة الساخرة)، والأسلبة، والمفارقة، والتناص، والمعارضة، ومحاكاة المصادر واستعمال المستنسخات. فنقل أصحاب هذه الرواية القرار إلى استغوار اللاشعور السياسي واكتشاف مكبوتات التسييس وتجلياته في "الطابوات"، كما رحلوا به إلى أجواء التراث الوسيط بالخصوص والزمن الماضي لمعايشة الأجواء السياسية وتناقضات المجتمع وصراع الإنسان مع السلطة القاهرة ليقارنوا ذلك بعصرهم المكهرب الذي يعيشون فيه، كما تخيلوا حاضرهم سياسيًا وذلك من خلال الموروث الرسمي أو الشعبي.


عدد القراء: 848

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-