
المحاججة
كان مساء الخميس مساء مليئًا بالأحداث الغريبة العجيبة، وبداية لمرحلة جديدة من حياة الناس في قريتي الجبلية، فقد اعتمد المجلس القروي فيها مجموعة من القرارات والقواعد والقوانين منها: قاعدة المحاججة في الحياة، إذ نصت القاعدة الأولى التي أذيعت من مئذنة المسجد على «وجوب تقديم الرجل حجة لزوجته في كل عمل سيقوم به مهما كان صغيرًا»
فإن أراد الأكل قال: أريد الأكل لأنني جائع، وإن كان يريد الشرب قال أريد الشرب لأنني عطشان، وإن أراد النوم قال أريد النوم لأني نعسان…
ونص القانون الأول الصادر عن المجلس في ذلك اليوم على وجوب عدم سماع الزوجة لحجة زوجها، وعدم سؤاله عن السبب الذي يدفعه لعمل ما يريده.
ونصت القاعدة الثانية على أن الرجل ملزم بتمثيل عمله حركيًا بيديه وجسده وشفتيه مرتين: مرة قبل تأديته العمل، ومرة بعد تأديته العمل.
ونص القانون الثاني على أن الزوجة ملزمة بتغطية عينيها بكفيها حين يبدأ الرجل بتمثيل عمله حركيًا، وملزمة بأن تقول له دائمًا «تكرم ابن عمي»
ونص القرار الأول على أن الزوجة ملزمة بالجلوس على عتبة الدار ساعة يوميًا لانتظار زوجها أن يعود من الحقول.
ونص القرار الثاني على أن الرجل العائد من الحقول ملزم بدخول بيته وهو كاتم أنفاسه، ويداه على فمه، وبيده وردة برية.
ونص القانون الثالت على أن يعطى الفلاحون مدة أسبوع ليتدربوا على تنفيذ هذه القرارات والقوانين والقواعد، ثم تشكل لجان تقصٍ وتفتيش لمعاقبة كل من يخالف.
التف الفلاحون حول القطروز يطلبون منه أن يتوسط لدى المختار ليجعل فترة التدريب شهرًا.
المختار بحب: اشربوا قهوتكم، هذه وجوه لا يرد طلبها.
تمايل القطروز أمام زوجته التي غطت عينيها بكفيها، ثم رفع يديه، ثم رمى نفسه على الأرض، ضحك أطفاله كثيرًا، وارتفع صوت قهقهاتهم، فضحك الجيران، ثم ضحكت القرية كلها، وتردد صدى ضحكاتهم بين جبالها، فجن جنون المختار، فدعى لاجتماع عاجل، فتجمع رجال القرية في المضافة بسرعة.
المختار بضيق وبنبرة حزينة: اكتشفنا في قوانيننا وقراراتنا وقواعدنا خللًا، فقررنا تصحيحه وتعديله.
وانتشر صوت المؤذن في سهول القرية وجبالها ووديانها: يمنع الضحك بصوت عالٍ.
صوت رجل غاضب: أريد أن ألبس بنطالي لأني عار، يا بنت الحلال أريد أن … صوت تكسير وتحطيم وصياح وبكاء.
امرأة تهمس بأذن زوجها: اطلب بالإشارة والتلميح لا بالتصريح! فالقاعدة تقول «تقديم حجة لكل عمل سيقوم به» وهذا يعني أنه يكفي أن تذكر الحجة.
الرجل بحيرة: ولكن التمثيل هو المشكلة!
وسمع صوت في المسجد يقول: الصلاة تصريح وحجة وعمل حركي.
وقال فتى لأصحابه: حياتنا في البيت صارت كلها مشكلة مستمرة متتابعة كبيرة.
لف الصمت القرية ساعة، أو أقل، وعلت أصوات كثيرة متقطعة:
لأني… لأني… لأني …أح ب ك …أحبك…
ثم انفجرت القرية بضحكة طويلة لم يستطع القطروز ملاحقتها لإسكاتها…



