العدد الحاليالعدد رقم 47نصوص

تـاهــت…! (قصة قصيرة)

وحيدة… تقف تحت سماء مضرجة الوجنتين خزيًا.

تنزل رأسها المرفوع ناظرة إلى حضيض أرضي داكن، تسأل: لماذا وجدت نفسها في هذا المكان فجأة؟

يضن عليها الشفق الوردي بالإجابة.

تتحرك بخفة وتشعر بثقل غريب داخل قلبها، تضع يدها على صدرها الأيسر إلى حيث من المفترض أن تشعر بذلك النبض الطفولي الصغير، فلا تسمع سوى الخواء.

خائفة تتلفت حولها، علَّ الرمال الثابتة تعيد إليها الصوت المستلب… تتعثر في نفسها وتنقلب على وجهها، جسدها الساكن ينظر بثبات إلى حيث يظن أنه الأبدية، عيناها مفتوحتان ترقبان الفراغ الذي يحيط بها، أعضاؤها المتعبة تبكي بصمت جنائزي.

ترتعب من التعبير الغاضب الذي يغطي وجهها المليء بالخدوش الصغيرة وقد جفت دماؤها توترًا، تنتفض مبتعدة عن جسدها المتربص بالاستسلام.

تصرخ بصوت لا تسمعه السماء، تتناقش الحبات الرملية بشأن تلك الدماء الطازجة التي تتشربها على حين غفلة، وتقرر إقامة حفلة سُكر حكيمة.

تحاول أن تمنع دماءها من التسرب اللامبالي، لا تقدر… تستسلم. تجلس على صخرة صماء تغني بصوت ساحر إحدى أغنيات الجان التي اعتادت أن تطرب لها تلك الأذن الصغيرة المليئة بالحبات الرملية السكرى.

لثانية ظنت أنها نجحت، لكنها تتسرب من تلك الندبة الصغيرة على جبينها، عندما سقطت يومًا ما على وجهها.

دفعتها أمها بعنف… قالت لاحقًا إنها لم تكن تقصد، كانت تريد أن تنزع منها القلم الصغير الذي يزين يدها الملوثة بحبات عرق حبرية الزرقة.

تتنهد وتخرج من ذلك الثؤلول الصغير الذي يزين جبهتها، تفكر أن تسده بشيء ما، كما حاولت من قبل…

لكنها لا تستطيع! تنهض، تمشي مسافة، تعود، تلمس ندبة الجبين، تشعر برعشة خفيفة تجتاح جسدها، رعشة ألم الذكرى… كُسر إصبعها السادس تلك الليلة… لم تعد تستطيع الكتابة سوى عبر خيالها فقط، لم تقصد والدتها أن تمنع العالم سماع كلماتها المكبوتة بداخلها، وإنما قصدت فقط… أن تصيبها بندبة أبدية في الجبين.

هناك أضواء المدينة الصناعية على بعد ثلاثة أميال… هناك شجرة عجفاء على بعد ثلاثة أذرع… هناك تل رملي مكتنز على بعد ثلاث دقائق، وهنا… هي وحدها.

الليل يضحك… يستغل غياب القمر خلف سحاب متلألئ… تبادله الضحك بخفة، يصبحان صديقين…

لقد كانا صديقين دائمًا، لطالما اعتادا تبادل المزاح.

لكنه غضب منها عندما شاركت أحدهم إياه… شعر بالخيانة وهو يراقب ملامح وجهها تنفرج وهي تخاطب أحدهم عبر هاتفها، لم تعد تنظر سوى إلى الأسفل، نست التطلع إلى الأعلى، لذا الليل لا يبكي عليها، يضحك من أجلها فقط.

تنظر إلى نفسها… نبض متألم يجتاح كيان جرادة تائهة تبحث عن الشجرة… تقف إلى جوار الجسم… تهتف بألم بألا شيء يدوم سوى الأخضر، تسألها عن موضع للطعام، تشير إلى الشجرة التي على بعد ثلاثة أذرع. تنحني الجرادة الجائعة شكرًا… تطير باتجاه الطعام.

تراقبها عبر الأفق الداكن.. تفقد الجرادة طريقها مرتين… يخرج القمر من مخبئه عاريًا، يرشد الجرادة إلى موضعها… منهكة تسقط ميتة جوعًا على بعد خطوة من الشجرة العجفاء.

يزداد ضحك الليل صخبًا… تصرخ في وجهه أن يخرس احترامًا لموت الجرادة، يقول لا مباليًا: لقد استحقت الأسوأ… لقد بادلتني بمخلوق فانٍ.

تطلب إليه أن يحترم تضحيتها على الأقل، الريح تهتز بعبثية، تطير جثة الجرادة بعيدًا… بعيدًا… بعيدًا… إلى حيث يجلس أحدهم الذي منح جسدها نبضة معنوية أليمة.

يغطي السحاب عورة القمر العاري. إنها تغطي ذلك الجسد الذليل بطبقة رقيقة من الولاء… تقول بأن الأرض ليست للموت بل للحياة، تنوي أن تأخذ الجسد الثابت معها للأسفل…

تقاوم الخروج… لم يحن وقت خروجها بعد… هناك تلاعب وقتي لا شك فيه… هناك أحلام لم تتحقق بعد… يجب أن يعود الجسد المغتصب لتحقيقها، تهتز في الداخل، تحاول أن تولد شرارات حياتية داخل سكون الموت الإكلينيكي.

الجسد ساكن… الأبدية تناديه برقة. هناك أغنية تنساها. أغنية أخرى تحاول أن تنساها، لكنها تعلق بذهنها… اعتادا أن يغنيا معًا، في الليل… كم كان هذا واقعيًا جدًا.

كل شيء إلى جواره كان واقعيًا للغاية… الرومانسية كانت خيالاً، والواقعية الرومانسية كانت حقيقة… أحبت واقعيته، وأحب واقعها، فكان الموت الرومانسي عدوهما الأول.

إنها ليست نادمة. لكن قلبها يحترق ببطء… هناك رائحة لذيذة.

رائحة السحاب العطرية. الدماء تتحول إلى اللون الأسود… تتوقف الرمال عن امتصاصها، لم يبق سوى القليل… المطر ضيف غير متوقع، ينضم لحفلة السكر.

حبات قصيرة صغيرة… ثم… ثم قطرات كبيرة تتوالد من تلك الصغيرة. تنحني بصمت على نفسها، تتآكل الحرارة داخل ذرات الهواء… البرودة تتخلل الجسد المنهك، تزيده جاذبية.

تقفز بفزع. لا يمكن أن تترك الجسد هكذا… ستبتلعه الحياة حتمًا.

تدخل لبرهة، تحتمي من برودة لا تشعر بها. يبحث عنها المطر ولا يجدها، تضحك بصوت مكتوم، يخرج المطر من مكمنه ويصرخ: أمسكت بك.

تصرخ فزعة. تحاول أن تتذكر الذين قاموا بدفنها وحدها في الصحراء… وجوه مشوهة تنتاب ذاكرتها كصداع نصفي… لطالما كانت تعاني الصداع النصفي… لا ترغب في تذكره مجددًا.

تُمحى الوجوه بسرعة. الأرض هنا تترفع عن القمر.

السماء توقفت عن البكاء، وصمت المطر إلى الأبد… لا يوجد صمت… الحياة صاخبة جدًا.

تنظر إلى جسدها الذي تبتلعه الحياة بنهم.

عيناها تتابعانها وهي ترحل بعيدًا.

تعود مجددًا.

ترنو إلى جسدها… وتمارس التيه

*

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى