
يوديت هيرمان: سونيا
ترجمة: عبد الرحمن عفيف
يروي النص لقاء عابرًا بين راوٍ وفتاة غامضة تدعى سونيا، تتحول إلى مرآة لإسقاطاته ورغباته. تنشأ علاقة باردة، صامتة، بلا التزام، تنطفئ سريعًا، بينما يعود الراوي إلى حياته المستقرة مع فيرينا، كاشفًا هشاشة الرغبة، وعبث اللقاءات، ووهم المعنى العاطفي، في عالمٍ حضريٍّ باردٍ، حيث الصمت أهم من الكلام، والذاكرة خادعة.
كانت سونيا مرِنة، لا أعني تلك المرونةَ الجسدية المادية التي تشبه انثناء الغصن، بل كانت مرنة في عقلها. من الصعب شرح الأمر، ربما لأنها سمحت لي بكل أنواع الإسقاط الممكنة؛ سمحت لي بأن أُلقي عليها كل تصوّراتي عن الرغبة، وكل احتمالاتي تجاه شخصها. كان يمكنها أن تكون غريبة، أو «مُلهمة» صغيرة، أو تلك المرأة التي يلتقيها المرء مرة واحدة في الشارع ثم يتذكرها بعد سنوات بشعور طاغٍ بالخسارة. كان يمكنها أن تكون غبية وبسيطة، أو ساخرة وذكية. كان يمكنها أن تكون رائعة وجميلة، وكانت هناك لحظات لم تكن فيها سوى فتاةٍ عادية، شاحبة، ترتدي معطفًا بنيًا، وغير مهمّة على الإطلاق. أظنّ أنها كانت مرنة إلى هذا الحد لأنها، في الحقيقة، لم تكن شيئًا محددًا.
قابلتُ سونيا في رحلة قطار من هامبورغ إلى برلين. كنتُ قد زرتُ فيرينا، وكنتُ في طريقي أرجعُ إلى البيت. أمضيتُ مع فيرينا ثمانية أيام، وكنتُ واقعًا في حبّها بشدّة. كانت فيرينا تملك فمًا بلون الكرز، وشعرًا أسود كجناح الغراب. كنتُ أضفر شعرها كل صباح في ضفيرتين ثقيلتين. كنا نتمشّى عند الميناء؛ كنتُ أقفز حولها، أنادي اسمها، أطرد النوارس، وأراها رائعة. كانت تُصوّر الأحواض، وسفن الشحن، وأكشاك الطعام، تتحدث كثيرًا، وتضحك منّي باستمرار. وأنا أغنّي: «فيرينا، فيرينا»، أُقبّل فمها الكرزي، وأشعر برغبة عارمة في العودة إلى البيت والعمل، فيما تبقى رائحة شعرها عالقة في يديّ.
كان الوقتُ شهرَ مايو. كان القطار يقطع منطقة مارك براندنبورغ، والمروج خضراء على نحو فادح تحت ظلال المساء الطويلة المبكرة. غادرتُ المقصورة لأدخن سيجارة، وفي الممر كانت سونيا واقفة. كانت تدخن، وقد أسندت ساقها اليمنى إلى المنفضة. حين وقفتُ بجانبها، سحبتْ كتفيها إلى الأمام بحركة لا إرادية، وكان فيها شيء غير مضبوط، غير متناسق. كان الموقف عاديًا تمامًا: ممر ضيق في قطار (ICE) في مكان ما بين هامبورغ وبرلين، شخصان يقفان مصادفة لأنهما يريدان تدخين سيجارة. لكن سونيا كانت تحدّق من النافذة بعناد لا يُصدّق. كان جسدها في وضعية تشبه التأهّب لإنذارٍ بوجودِ قنبلة. لم تكن جميلة إطلاقًا. في تلك اللحظة الأولى تحديدًا، كانت أيّ شيء إلا أن تكونَ جميلة: سروال جينز، قميص أبيض قصير جدًا، شعر أشقر ناعم يصل إلى كتفيها، ووجه غير مألوف، قديم الطراز، يشبه وجوه مادونات القرن الخامس عشر، وجه ضيق، مدبّب تقريبًا.
نظرتُ إليها من الجانب. شعرتُ بعدم ارتياح، وبضيق لأن ذكرى أنوثة فيرينا الحسيّة كانت تتفلّت منّي. أشعلتُ سيجارة ومشيتُ في الممر، وكان لديّ دافع لأن أهمس في أذنها بكلمة بذيئة. حين استدرتُ عائدًا إلى مقصورتي، نظرتْ إليّ. خطر لي خاطر ساخر؛ شيء عن وقاحتها كونها تجرأت أخيرًا على النظر إليّ. كان القطار يُحدِث قعقعة، وفي إحدى المقصورات الخلفية صرخ طفل. لم تكن عيناها مميّزتين؛ ربما كانتا خضراوين، ليستا كبيرتين، ومتقاربتين قليلًا. توقّف تفكيري تمامًا. نظرتُ إليها، فنظرتْ إليّ. بلا إثارة، بلا مغازلة، بلا رقة، لكن بجدية مباشرة جعلتني أرغب في صفعها. خطوتُ خطوتين نحوها؛ فابتسمتْ نصف ابتسامة. ثم أتيتُ إلى مقصورتي، أغلقتُ الباب خلفي، وقد انقطع نفسي تقريبًا.
ثمّ توقف القطارُ في محطة حديقة الحيوان مع حلول الظلام. نزلتُ، وشعرتُ براحة غريبة، وكأنني أستطيع أن أشمّ رائحة المدينة. كان الجو دافئًا، ورصيف المحطة مكتظًا بالناس. نزلتُ بالسلم المتحرّك إلى المترو، وعلى الرغم من أنني لم أكن أبحث عنها، فقد رأيتها فورًا. كانت على بُعد ثلاثة أو أربعة أمتار أمامي، تحمل في يدها اليمنى صندوق قبعاتٍ صغيرًا أحمر. كان ظهرها وحده بمثابة دعوة. تجاهلتها بأسنان مشدودة. توقفتُ عند «بريس كافيه» لأشتري تبغًا وجريدة المساء. ثم فجأة وجدتها بجانبي وقالت: «هل أنتظرُك؟».
لم يكن سؤالًا، قالت جملتها هذه ببساطة وهي تنظر إلى الأرض. لم يكن صوتها مرتبكًا، بل ثابتًا، مبحوحًا قليلًا. كانت صغيرة جدًا، ربما في التاسعة عشرة أو العشرين، فتلاشى شعوري بعدم الارتياح، وحلّ محله إحساس بالتفوّق. قلتُ: «نعم»، دون أن أعرف لماذا. دفعتُ ثمن التبغ والجريدة، ثم مشينا جنبًا إلى جنب نحو المترو. حين جاء القطار، ركبنا. صمتتْ، ووضعت صندوق قبعاتها السخيف على الأرضِ، وقبل أن يصبح الصمت محرجًا سألتْ: «من أين أنت قادم؟».
هذه المرة كان سؤالًا حقيقيًا. كان بإمكاني أن أقول إنني زرتُ صديقتي في هامبورغ، لكنني قلتُ لسبب لا أعرفه: «كنتُ أصطاد السمك مع والدي». حدّقتْ في فمي. لم أكن متأكدًا إن كانت قد استمعت أصلًا، لكنني عرفت فجأة أنها قرّرت أنها تُريدني. لا بدّ أنها رأتني من قبل، ربما في هامبورغ، ربما في برلين. وعرفَتني قبل أن ألاحظها أنا. حين وقفتُ بجانبها في الممر، سحبت كتفيها للأمام لأنها كانت قد بدأت بالفعل في «التنفيذ». كانت قد خططت لكل شيء، وكانت تعرف أن الأمر سيؤول إلى هذا. بدأتُ أشعر تجاهها برهبة غامضة، بشيء مريب. سحبتُ حقيبة ظهري على كتفي وقلتُ: «يجب أن أنزل». فأخرجتْ بسرعة مذهلة قلمًا من صندوق قبعاتها، كتبت شيئًا على ورقة، وضغطت بها في يدي: «يمكنك الاتصال بي». لم أجب، نزلتُ دون وداع، ووضعتُ الورقة في جيب سترتي بدل أن أرميها.
(…)
بعد أسبوعين، وجدتُ ورقة سونيا في سترتي مرة أخرى. كانت قد كتبت رقم هاتفها بأرقام كبيرة مستديرة، وتحته اسمها الأول فقط: «سونيا». نطقتُ الاسم بصوت منخفض، ثم اتصلت بها. رفعت السماعةَ كما لو أنها كانت جالسة بجانب الهاتف منذ أسبوعين، لا تفعل شيئًا سوى انتظاري. لم أحتج إلى شرح؛ عرفتْ فورًا من أكون. اتفقنا على اللقاء مساءً في مقهى على الضفة. أغلقتُ الخط، لم أندم على شيء. ثمّ اتصلتُ بفيرينا، وصرختُ في الهاتف بمزاج جيّد أنني سأظل أحبّها حتى الجنون. ضحكتْ وقالت إنها ستأتي إلى برلين بعد ثلاثة أسابيع. بدأتُ العمل، أُصفّر لحن “Wild Thing”، وخرجتُ قبيل المساء، يداي في جيبي، دون أي توتر.
تأخرتْ سونيا نصف ساعة. كنتُ جالسًا عند البار، وطلبتُ كأس النبيذ الثاني حين دخلت المقهى. كانتْ ترتدي فستانًا مخمليًا أحمرَ، قديم الطراز على نحو فادح، ولاحظتُ بانزعاج أنها تجذب الانتباه. تقدّمت نحوي بحذاء عالٍ جدًا، قالت «هالو» و«آسفة». كنتُ على وشك أن أقول لها إن مظهرها، وهندامها، وعدم انضباطها، وشخصيتها بأكملها، أمور لا تُطاق. لكنها ابتسمت، تسلّقت كرسي البار، وأخرجت سجائرها من حقيبة ظهرٍ صغيرة جدًا. تلاشى غضبي، وتحول إلى تسلية. شربتُ نبيذي، لففتُ سيجارة، ابتسمتُ لها وبدأتُ أتحدث.
(…)
وهي استمعتْ إليّ أربع ساعات كاملة. أظنّ حقًا أنها لم تنطق بكلمة واحدة. حين انتهيتُ، دفعتُ الحساب، تمنّيتُ لها ليلة سعيدة، ركبتُ تاكسيًا إلى البيت، ونمتُ ثماني ساعات نومًا عميقًا بلا أحلام. نسيتُ سونيا فورًا. وبدأتُ التحضير لمعرضي. جاء يونيو، وجاءت فيرينا إلى برلين. أعادت الزجاجات الفارغة، اشترت كميات هائلة من الطعام، ملأت المطبخ بباقات الليلك، وكانت مستعدة دائمًا لمشاركتي الفراش. كانت تغنّي في الشقة وأنا أعمل، تنظف النوافذ، تُجري مكالمات طويلة مع أصدقائها في هامبورغ، وتأتي راكضة إلى المرسم لتحكي لي أي شيء يخطرُ في بالها. كنتُ أمشّط شعرها، أُصوّرها من كل الزوايا، وبدأتُ أتحدث عن الأطفال والزواج. كانت طويلة القامة، يلتفت الرجال خلفها في الشارع، كانت رائحتها رائعة، وكنتُ أعني ما أقول تمامًا.
التعريف بالكاتبة: يوديت هيرمان (Judith Hermann)
تُعد جوديث هيرمان واحدة من أهم الأصوات في الأدب الألماني المعاصر، وهي من مواليد برلين عام 1970. أحدثت هيرمان
صدمة إيجابية واسعة في الأوساط الأدبية عند صدور مجموعتها القصصية الأولى «بيت الصيف، لاحقًا» عام 1998، إذ اعتُبرت مجموعتها تلك بمثابة البيان الأدبي لجيل ألماني جديد ينشد البحث عن الهوية في تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات العابرة.
وتُعرف هيرمان بأسلوب «السهل الممتنع» في الكتابة؛ فهي تميل إلى استخدام الجمل القصيرة والمكثفة، وتبرع في التركيز على ما لا يُقال أو ما يُعرف بالمسكوت عنه في شبكة العلاقات الإنسانية. وتدور معظم أعمالها حول ثيمات الوحدة، والاغتراب، والحنين، وتلك اللحظات العابرة والمفصلية التي تغير مجرى حياة الأفراد داخل المدن الكبرى.
وبفضل هذا التميز الإبداعي، حصلت هيرمان على جوائز أدبية رفيعة، منها جائزة «كلايست» وجائزة «فريدريش هولدرلين»، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من عشرين لغة عالمية. وتُصنف اليوم كأستاذة للقصة القصيرة الحديثة، لاسيما وأنها تخلت في نصوصها عن الحبكات التقليدية المعقدة لصالح الغوص في سيكولوجية الشخصيات، ورصد إيقاع الحياة الهادئ والمضطرب في آن واحد.
المصدر:
المجموعة القصصية (بيت صيفي، فيما بعد – Sommerhaus, später).



