العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

في السؤال عن الموضوعيّة وجدل إحياء الزهد الموضوعي في فلسفة هوسرل

الملخّص:

على الرغم من تعدّد القراءات الهوسرليّة واختلاف مشاربها سواء من جهة السند أو الدلالة، فإنّ الخطّية المهيمنة على هذه القراءات كانت في مجملها هيدغاريّة، تستنبط منه تارة معارف مثاليّة وطورًا وضعيّة بدليل ميله للعلم الصارم، لتُخفي شوقه الدائم وتطلّعه المستمرّ للأصول الأولى وذلك لجهة مبدأ المبادئ أو العودة للأنانة الصرفة، لبيان كيفيّة تجلّي الحقّ والعلم الدقيق. من هذا المنطلق جاءت هذه المحاولة لتوضّح كيف يكون بإمكان الزهد أن ينال شرف الموضوعيّة.

مفردات مفتاحيّة: (الزهد، التمثّل المقولي، الحدس المقولي، المثال، الموضوعيّة.)

مقدّمة:

لا يعتبر تحوّل الصلابة والموضوعيّة من العقل الحاسب إلى الحدس الأصلي تحوّلًا تدميريًّا لماهية الصرامة أو زعزعة لها، ولأنّ الخروج الهوسرلي عن التجربة الحسّية كان اضطراريًّا بعد أن عرف العقل تأزّمًا – أزمة المفاهيم أساسًا – كاد أن يعصف بالإنسانية واستجابة أساسيّة لتخطيطة فلسفة الحساب والمباحث المنطقيّة توافقًا على إنهاء النفسانيّة والتجريبيّة على حدّ  السواء، فإنّ الأمر في تشوّقه لنقل موضع الحقيقة من العلم الطبيعي إلى علم الماهيات لا يحتاج إلى تكتّم، باعتبار أنّ  الأوّل يتّسم بالجزئيّة في حين أنّ الثاني يرتبط بالكلّية، وهو ارتباط يجد تباعده أساسًا في افتراق القواعد النظريّة عن المنهج. لفهم هذا الافتراق، يعود هوسرل لمثال القطعة الموسيقيّة، إذ لا يتأتّى تناغم الألحان فيها من التقطّع الحاصل بين مكوّناتها وإنّما من التناغم الحاصل في كلّيتها. من هنا نفهم سعي هوسّرل لتذويب المنهج في الفنومينولوجيا والفنومينولوجيا في المنهج، باعتبار أنّ الحقيقة الكلّية لا تظهر بالتعيّن وتحتاج لمن يُظهرها. ذاك ما يهبه المنهج للفنومينولوجيا ويُرْغمها على المُضيّ قُدما في ثنايا غير معهودة1.

ضمن هذا الاستحداث للموضوعيّة، يرفع هوسّرل الموضوعيّة سؤالًا مختلفًا عن السؤال الانطلوجي الذي جسّدته الميتافيزيقا والسؤال الابستمولوجي الذي جسّدته الوضعويّة ويتحوّل به إلى السؤال الفنومينولوجي، وهو تحوّل ينفي كلّ أساس عن الغموض الذي ظلّ يلفّ القصْد ويُخْفيه ضمورًا في معنى الطلب. يقع تهميد السبيل إلى إمكانيّات الذاتيّة وبتمييزه بين الموضوعيّة العلميّة والموضوعيّة الذاتيّة، يكون قد خصّ الذاتية أو الأنا بالصدق والموضوعيّة وتعدّى من الذات المفكّرة إلى الذات المتأمّلة، فلا عجب أن يدعونا أب الأوائل بارمينيدس منذ الأوّلين إلى ترك اللّاوجود والانفتاح عن الوجود كعين حقيقة وموطن يقين. لذلك، يكون القفز للوراء هو الضامن للموضوعيّة، وطالما لم نقفز فإنّ عبارة الذاتيّة لن تعني شيئا لأنّنا لم نعد نفكّر على نحو خاصّ، بما يستوجب التعجيل بنقل المشكل إلى محور اهتمام الفلسفة2 حتّى نُبقي الحقيقة الموضوعيّة سرًّا وحدثًا يُعْفي طالبها من كلّ مادّية أو وقائعيّة. يطرح مشكل الموضوعيّة هذا، السؤال ويرفعه نحو الإعضال: إذ كيف يُمكن لما هو ذاتي أن ينال شرف الموضوعيّة؟ وأيّ دلالة يُمكن أن توسم بها الموضوعيّة في هذا السياق؟

ليس في العودة إلى هذا التمييز بين الفنومينولوجيا والمعرفة ما يبطل الموضوعيّة أو يفسد الحقائق، وإنّما يظلّ يقوّيها باعتبار أنّ الحقيقة فيها هي ما تطلبه الفنومينولوجيا من الذاتيّة لما تحمله من عناصر حدسيّة لمّا تُريد لنفسها أن تنبع من الذاتيّة3، باعتبار أنّ ما ينْعطي قد تحوّل إلى صفته الكلّية، بما يستلزم الإحاطة بذاته والحلول فيها. يحوز هذا التحوّل تغيّرًا يطرأ على مفهوم الموضوعيّة ويتّجه إلى طلب التماثل والفناء في الذات الأولى، والتي يعتبرها مبدأ كلّ المبادئ حتّى تحتوي الأسس والمنطلقات الحقّة وتشملها بشوق عظيم. تفطّن هوسّرل لهذا التماثل ورفض مُتابعة المثال الفنومينولوجي للمثال الهندسي لاختلاف معياريّة النظر فيهما:

1 – المثال الهندسي والمثال الفنومينولوجي:

في كتاب له تحت عنوان البناء المنطقي للعالم4، يميّز كارناب بين المفهوم النقيّ والمفهوم الذي تسوده الشوائب. يخصّ الأوّل المفاهيم الأساسيّة التي يُحيل بعضها على شيء ويمكن التحقّق منه ويخصّ بعضه الأخر الوقائع كذكر السنة أو الشهر، أمّا النوع الثاني فهو يخصّ أساسًا المفاهيم المُفرغة من المعنى والدلالة والتي لا يمكنها أبدا أن تخضع للتجريب لاعتبار أنّ البداهة لا يمكن التحقّق منها إلاّ من خلال صيغ فرديّة، وتهجّم على الموقف الهوسّرلي الوارد بكتاب الأفكار ضمن الفقرة 75 والذي يتّجه فيها للبحث عمّا إذا كان مُمكنا إيجاد علم مواز للفنومينولوجيا ويتأسّس على مفاهيم غير تجريبيّة.

يلتفت هوسرل إلى فجوة هذه الاعترافات ويتنكّر لها، باعتبار أنّ إخضاع كلّ العلوم إلى نفس المناهج يظلّ يفسد الحقيقة ويُبطلها، فليس من المعقول أن نبقى وريثي الكوبرنيكيّة أو التجريبيّة وننشدّ للبداهات المنطقيّة أو الرياضيّة أو الفيزيائيّة، ذلك أنّ «أشدّ الرياضيّات والطبيعيّات صرامة، ليس لها هاهنا أيّ رتبة فوق المعرفة الفعليّة»5  ولا تمتلك موقعًا باعتبار أنّ الفكر الذي يعتني بالوقائع6 لا ينتج إلاّ وقائع جزئيّة. بذلك، يدعونا هوسّرل إلى مجاوزة هذه الثوابت والانفتاح عن المثال الهندسي كمثال يجب الانتباه إليه، فلئن استطاع الهندسي تجريد موضوعاته والارتقاء بها بعيدًا عن الوقائعيّة حين اعتمد الافتراض، فإنّ هذا لا يُخفي تعلّقها بالاستنتاج، وهو ما يضادّ الفنومينولوجيا الوصفيّة7 ويجعلها العلم الأسمى على الدوام باعتبار أنّه لا وصف دون تأمّل ولا تأمّل دون وصف. بذلك، ينفصل هوسّرل عن المثال الهندسي ويُثبت أنّ السعي لمطابقة هذا المثال، لن يفيد الفنومينولوجيا بشيء وأنّ الحلّ الأمثل يكمن في التوجّه للأشياء مباشرة.

2 – الحدس المقولي وبدْء الموضوعيّة:

أصرّ هوسرل منذ مباحثه المنطقيّة على معاودة البحث في أسس الوعي وعلاقته بالأشياء، فعالج المفهوم والعلامة والرمز والتجريد ووحدة الأنواع والأجناس ونقد الموقف السيكولوجي، وهو خيار يروم من خلاله مجاوزة الباراديغم النفساني كما يريد المرور بواسطته من العقل التقني إلى العقل التأمّلي من أجل إنجاز العودة إلى الأصول الأولى وهدم الاكتفاء بما يظهر. اتّجه في هذا السياق وضمن المبحث السادس من المباحث المنطقيّة، نحو خصّ الفنومينولوجيا بدرجة من الموضوعيّة بما يسمح بتأكيد فاعليّة الحدس وقدرته على تحصيل الصرامة. يستلزم هذا التوجّه استبعاد التضايف بين الذات والموضوع، الذي ركّزته الفنومينولوجيا الوصفيّة والارتداد إلى الذات الكلّية الخالصة، ليتجلّى الأنا الأوّل وهو الأساس المطلق والمؤسّس للموضوعيّة والعلم الموضوعي والذي يظهر فيها كقطبيّة بيّنيّة بين القُطب الايغولوجي والموضوع.

يحتاج تحصيل الحدس المقولي إلى الصرامة، لرفع الوعي الذاتي من جديد نحو الردّ الفنومينولوجي، ذلك أنّه بواسطة الحدس ينفتح ميدان لا حدّ له ويكتسب أدقّ المعارف وأكثرها حسمًا لكلّ فلسفة مقبلة. استلزم هذا البحث في مرحلة أساسيّة منح الحدس المقولي الفاعليّة القصوى التي تُشكّل بنية قانونيّة للفكر وميّز بين البعد البنائي الذي يكون بمثابة النحو بالنسبة للّغة والبعد الدلالي الذي تحمله القضايا ويطال المطابقة مع الواقع. يحفز هذا التمييز منذ البداية إلى رفع البُعْد البنائي عن البُعْد التداولي، لأنّه بالأساس لا يقيم أصلًا في الحكم بما يستوجب معنًى مغايرا للإحالة والمرجعيّة دون الاكتراث بمطابقته والواقع.  بهذا التوجّه، يفتقد الصوت دلالته وأبعاده على حدّ عبارة دريدا، وينتقل نحو تنمية المعاني فيه عن طريق الحدس المباشر، بما يحوّل العالم إلى صور موضوعيّة سابقة على وجوده، فقد تحيط بكلّ شيء.

بذلك، لا تنفصل المعرفة عن الحدس في المدوّنة الهوسّرليّة لأنّها تمنع الخطأ وتصبح المانح الأصلي لما ينعطي دون تحريفه أو تشويهه، الأمر الذي يقتضي رفعه لمرتبة مبدأ المبادئ ويمنحه الشرف8. يلزم هذا المقام الهوسرليّة بإقامة حوار مع كوبرنيك، بعد أن تبيّن له الخلط بين الأرض ككوكبة والأرض كأديم، إذ يمكنها دومًا أن تدور، بينما حين تكون كوكبة، فإنّها تظلّ ثابتة ولا يُمْكن أن نُماهي بينهما، باعتبار أنّ شرط التماهي يستوجب طبقا للفقرة 21 من المباحث المنطقيّة الثانية، تواجد الذاتين9  وارتباطهما ارتباطًا مباشرًا والحال أنّ كوبرنيك لم يقدّر في نظريّته هذه الجانب المعيشي، بعد أن أغْوَته الموضوعيّة العلميّة وانتهت به إلى أزمة. بهكذا المعنى، فإنّ الحدس المقولي هو وحده الأصل الذي ينفتح عن الصرامة، لكن كيف له أن يضمن الامتلاء؟ وهل بإمكان كلّ الحدوسات أن تتماهى؟

3 التمثّل المقولي وأُسس الموضوعيّة:

فكّر هوسرل من داخل مقامات مختلفة واتّجه لرسم مسارات الفكر الصحيحة، فوفّر شروط الانتقال لبدْء أخر يخوّل للإنسانية أن تفكّر من جديد من داخل فكر أصيل، حتّى يسوّغ للذات مقامًا خاصًّا يختلف عن كلّ المقامات السابقة ويُلْزمها على حمْل أمل انبعاث جديد يرفعها إلى رُتبة انعطائها الأوّلي لبلوغ اليقين، من حيث هي ذاتا أوّلية بيّنة بنحو مباشر ولا تحتاج شيئًا لإثبات بيانها.

مثّل هذا التحوّل عهْدًا يسير نحو تجديد الخطاب الفنومينولوجي، من أجل رفع ماهية الانعطاء والتقوّم بالنفس لتتبوّأ مرتبة الموضوعيّة بعد أن احتجزت العقلانيّة منّة التفكير في الأسس. نظر هوسّرل للحدس المقولي كإمكان حقيقي نحو الصرامة، ذلك أنّه في كلتا الحالتين يظلّ الموضوع نفسه، لكن يقع الافتراق على مستوى القصد. ففي حين يرتبط الحدس الحسّي بالشيء المدرك ويتطلّع لرسم الحقيقة طبقًا لمعاييره، فإنّه في الحدس المقولي يرتبط الوعي بموضوعه القصدي على نحو لم يعد الحدس منفردًا. بذلك، فإنّ التمييز بين الحدس الحسّي والحدْس المقولي لا يعدو أن يكون سوى تمييز يخصّ القول لا الأشياء، فكلّ جزء10 يظلّ على اتّصال بالكلّ وإن تفرّقا، فإنّه يعود إلى طبيعة قولنا للأشياء.

بِمثْـل هذه الحقيقة المدمّرة للإرث الميتافيزيقي والسيكولوجي على حدّ السواء، فإنّ هذا التمييز لا يطال الشيء وإنّما يطال نظرتنا له ويرتبط بتصوّرنا والذي يُسمّيه هوسرل بالمحتوى الحدسي. ليس في هذا الاعتراف ما يخلط ويمزج ضرورة بين الحدسين أو يُفسدهما باعتبار أنّه في الحدس المقولي، يبقى الموضوع المقصود نفسه ويتماهى مع القول فيه، ففي قولنا سقراط هو إنسان، فإنّ الرابطة” هو” داخل هذا القول، تظلّ تستحضر الحامل نفسه ولا تتعدّاه للإضافة أو تسمه بالتكثّر.

داخل هذه النظرة، يصبح القول قولًا للأصول كما هي، إلى درجة أنّه يضع الذات أمام الأصْل ويطلب الامتلاء لأنّ عدم طلبه يعني بكلّ بساطة البقاء في دائرة المعاودة والمحاكاة ويمنع إمكان معرفته. بمثل هذه العدّة والصياغة الملزمة لموضوعيّة الحدس، يشدّد هوسّرل على ضرورة الخروج عن المستوى الأوّل من الحدسيّة باعتبار أنّه يظلّ مستوى متدنّ ينشدّ لما هو حسّي، والابتعاد عن المستوى الثاني باعتبار أنّه لا يقلّ انحطاطًا عن الأوّل، إذ يظلّ يُلْحق القول بالأشياء كما تُلْحق الماهيات بالأعراض. إنّ هذين المستويين كانا قد جَعلا من الرؤية للأصل رؤية سطحيّة، يكون بمقتضاهما الحدْس المقولي حدسا بسيطا وساذجا ينضاف إلى الماهية دون أن تطلبه. بذلك يدعونا إلى ضرورة التوجّه نحو مستوى ثالث لأنّ مقامه وموقعه هو الأرفع، إذ يقوم على الجمع بين أفعال الفكر وأفعال الحدس وهو ما أشار إليه في القسم الثالث من كتاب المباحث المنطقيّة11.  تلك هي الوظيفة الأساسيّة للفنومينولوجيا عامّة وللمباحث المنطقيّة بالخصوص، لمّا اتّجهت في مبحثها السادس والأخير لتوضيح الملْء.

يرفع هوسّرل البحث في الحدس إلى مقام أسمى من مقام الأديان لعمق علاقته بالفكر ولقربه الحميمي من الأصول. يحتاج هذا المبحث إلى رفع الحدس اللغوي وتجاوز اليقين الدغمائي الحاصل في الصور البلاغيّة والصور الموضوعيّة المتأتّية من الحدس البسيط، نحو أفق فنومينولوجي قصدي تخيّلي يلغي ميتافيزيقا الحدسيّة ويُواري صرامتها الموضوعيّة. لا تتوقّف وظيفة الحدس عند وصف ما يظهر أو تسطير خرائطه، وإنّما تتّجه نحو وصف ما تتأمّله والاقتراب من ما لا يظهر إلاّ مرّة واحدة في فجْوة كانت مقامًا للإله12.

لن تأتي هذه الرؤية إلاّ في ظروف خاصّة، لذلك يهيّئ هوسّرل ممرّاتها من خلال الملء الحدسي الذي يظهر كحدّ آخر، كان قد مجّد مقامه في المباحث المنطقيّة لأنّه يمنح الحدس المقولي الأصيل حقيقة الجمع بين القصديّات والتي تُدرك في إدراك باطني، وحين تتعايش هذه الحدوسات في قصديّتها، فإنّه يصبح بالإمكان أن نُقيم في فكر يخصّ الذات دون السقوط في هاوية الذاتي أو عجرفة الموضوعي. لذلك، يستدرج هوسرل الموضوعيّة الذاتيّة رغم مشقّة المهنة وكيد المعارضين التي يستعيرونها من الهلوسات13، ويفتح الفكر الإنساني عن أفاق جديدة على إثرها لم يعد للفكر الموضوعي من مكانة.

يتحوّز الوعي بالذات في هذا الإطار موضوعيّة ذاتيّة، وهو ما يجعل منه صاحب فلسفة حدسيّة أكثر من أن تكون برهانيّة وتتّخذ شكلًا نظريًّا أكثر من أن يكون عقائديًّا، فتتموضع داخل الذات عينها، بما يسمح للوقائع بأن تتقوّم داخل المعيش أو القصد والذي يدرك بواسطة الوعي، باعتبار أنّ ما لا يُوجد في الوعي لا يمكن أن يكون موضوع إدراك14.

لم تعد الموضوعيّة تبعًا لهذا السياق، تدرج في انفصال الذات عن موضوعاتها كما توسّمتها العقلانيّة، وإنّما كانت عبارة عن لحظة تقوّم للبداهة في الوعي، حتّى يكتسب دلالاته الايديتقيّة في الفنومينولوجيا الترنسندنتاليّة. يلتفت هوسرل لهذا التبدّل الذي وسم الموضوعيّة، فيرتّب علاقة الذات بالأصل ويسعى لاستمالتها ضمن أفق الحميميّة باعتباره هبة ومعطى. ففي الفقرة الثانية والثلاثون من كتاب الانفعال السالب، يميّز بين الانفعال الفاعل والانفعال السالب ويسم كمون الذاتيّة بالكمون الفاعل لأنّها تظلّ مُنْغرسة في الماهية الأولى ومُتشوّقة للاتّصال بها15 إلى درجة يصعب انفكاكها، وهو ما يسمح بتشكّل الموضوعيّة التي لا يمكن التعبير عنها16، إمّا لأنّ الأنا كان يُنْتجها بصفة مُستقلّة في أفعال الأنا الموضوعي أو أنّ أفعاله تكون معطاة في الوعي بصفة قبليّة بشكل منفعل، ولا مهمّة للأنا سوى إعادة تحصيلها وإظهارها فيما بعد بطُرقه الخاصّ. بهكذا معنى، تكون تجربة الموضوعيّة تجربة وعي بالأساس وهذه التكوينات الماهويّة يمكن إدراكها بواسطة الوصف.

يَرفع هذا التمييز من درجة الموضوعيّة، فيُقوّي منطلقات الذاتيّة وينفصل عن السيكولوجيا والطبيعانيّة، وهو ما يسمح بتموضع الفنومينولوجيا الهوسرليّة بعد أن تقودها انهماماتها الغنوصيّة نحو توجيه المعرفة من الأفق الوصفي إلى الأفق التأمّلي. يعبّر هذا التحوّل بالفنومينولوجيا عن تبدّل انهمامات هذا العلم في ذهن هوسرل كما يفهم ذلك ريكور17، إذ تتّجه إلى ترسيخ الموضوعيّة في الذاتيّة، وهو عين المشكل الذي دار حوله كتاب الأفكار، أين تجد الذات أسسها في اكتشاف بنية القصديّة التي ظلّت تظهر كنواة أصليّة في المعيش وتسمح للعلاقة بين الذات والموضوع لأن تكون متقوّمة في الوصف المحض للمعيش، باعتبار أنّه في هذه اللحظة تتأكّد التفرقة بين المعيش الأصلي والمعيش الواقعي.

 خاتمة:

بهذا التوجّه الجديد، منح هوسرل الفنومينولوجيا إعجازًا سار بموجبه من البحث في معنى الفنومينولوجيا إلى تتبّع حقيقتها والبحث في كنهها ليدلّل عن ترابطها وتعالقها والزهد الغنوصي، إلى درجة أنّ كلّ كتاب من كتبه وكأنّه يُعيد ترتيب السير من جديد ويردّد طقوس المسير في خشوع مُستدام. هكذا، يُضْفي بهذه المقامات الفنومينولوجيّة الجديدة بُعْدا اتيقيّا يتوافق ومقتضيات الأخلاقيّة الانسانيّة ويُراهن على تحديدٍ يَرى في ما ينعطي خير أساس ومثال لتحديد المعنى، حتّى نسمع النداء الذي ينضوي تحته رغم النداءات إلى رفضها والدعوة إلى علاقة حرّة معها. يأخذ الحدس المقولي مقام المركز، وتتبلور مركزيّته في فنومينولوجيا راشحة في الزهد مُتجاوزة مُضاعفات العقل الذي لا يزال يبسط مُجمل نفوذه على الانسانيّة، من أجل السماح لاستحقاق ذاتي دون أن يعاضده اله في ذلك، حتّى يظلّ يُتابع الإنسان ويُوجّهه.

 

الهوامش:

 1- «Ce sont l’essence des objets et l’essence afférente à l’expérience possible des objets de la catégorie concernée (ceci est l’a priori de la constitution phénoménologique) qui prescrivent tous les principes de la méthode. »Edmund Husserl, Idées Idée de  la phénoménologie, trad. par Gérard Granel, PUF, 1997. p. 28.

2 – «Le problème du monde devenu problème conscient, celui de la plus profonde liaison essentielle de la raison et de l’étant en général, l’énigme de toute les énigmes devait devenir proprement le thème de la philosophie. » Edmund Husserl, La crise des sciences européennes et de la phénoménologie transcendantale européenne et de la phénoménologie transcendantale, traduit par Gérard Granel, Gallimard, paris, 1989, p 19.

3 – «L’objectivité par l’opération subjective », Edmund Husserl, Logique formelle et logique transcendantale, traduite de l’allemand par Hubert Elie, Arion L. Kelkel et René Schérer, PUF 2011, p 50.

 4 – R. Carnap, La construction logique du monde, traduit par Th. Rivain, Paris, Vrin 2002.

5 – هوسرل، فكرة الفنومينولوجيا، مصدر محدّد سابقًا، الدرس الأوّل، ص 56.

6- «Des faits ne peuvent résulter que des faits. » Husserl, Idéen, traduit par Ricœur, Gallimard, 1995.§ 8, p. 33.

7- «Si nous envisageons maintenant les sciences éidétiques connues, nous nous apercevons qu’elles ne procèdent pas de façon descriptive; par exemple, la géométrie ne saisit pas les différences eidétiques ultimes, ni donc les formes spatiales innombrables qu’on peut tracer dans l’espace en s’appuyant sur des intuitions singulières; elle ne les décrit pas, ne les ordonne pas en classes, comme le font les sciences empiriques de la nature à l’égard des configurations empiriques que la nature présente. » Husserl, Ibid., § 72, p. 231.

8 – «Avec le principe des principes nulle théorie imaginable ne peut nous induire en erreur : à savoir que toute intuition donatrice originaire est une source de droit pour la connaissance ; tout ce qui s’offre à nous dans “l’intuition” de façon originaire doit être simplement reçu pour ce qu’il se donne, mais sans non plus outrepasser les limites dans lesquelles il se donne alors ». E. Husserl,  Idées directrices, op.cit., p. 78.

9 – «Un contenu de l’espace A est fondu dans un contenu de l’espèce B quand A en A par essence ne peut exister sans que n’existe aussi un B», Edmund Husserl, Recherches logiques, tome 2, op.cit., p 61.

10 – «La partie se trouve dans le tout avant toute articulation, et elle y est appréhendé tous ensemble avec l’appréhension perceptive du tout ; mais le fait qu’elle y est impliquée n’est, tout d’abord, que la possibilité idéelle de l’amener, elle et son être-partie, dans des actes articulés et fondés, au niveau de la perception. », Edmund Husserl, VIe Recherches logiques, op.cit., p 188.

11 – «Le terme de connaissance se rapporte à une relation entre acte de pensée et intuition remplissante », Edmund Husserl, Recherches logiques, 3ème section, op.cit., p 248.

12 – «Il s’agit de créer une science transcendantale dirigées vers les profondeurs cachées de la vie gnostiques effectuante », Edmund Husserl, De la synthèse passive, traduit par Bruce Bégout, Jean Kessler, Gérôme Millon, 1985, p 27.

13 – «L’entendement humain naturel et l’objectivisme qu’il compte ressentiront toute philosophie transcendantale comme un délire de la prétention, ils ressortiront sa vérité comme une folie inutile ou encore ils l’interprétant comme un psychologue qui s’obstine à imaginer qu’elle n’est pas une psychologie.”, Ibid., p 227.

14 – «Certes il ne peut être question d’attention que si nous avons dans la conscience ce a quoi nous sommes attentifs, ce qui n’est pas contenu de conscience ne peut être remarqué, ne peut être objet d’attention, ni être thème de la conscience”, Husserl, Recherches logiques II, op.cit., p 216.

15 – «Cette dernière,  n’est pas une potentialité vide de l’affection, mais une potentialité concrètement enraciné dans des fondements d’essence. », Edmund Husserl, De la synthèse passive, op.cit., p 91.

16 – «Des objectivités qui ne peuvent être expérimentés que parce que le sujet expérimentale les a produit de façon autonome dans les actes du moi thématiques…un autre mode de donnés  ou les objets sont dans l’expérience  pré donnés passivement au sujet expérimentant et ne sont expérimentables que par la pré donné, de telle sorte que le sujet exerce simplement des actes de la saisie, puis de l’explication de ce qu’est déjà là, de ce qui apparait déjà. », Ibid., p 92.

17 – Paul Ricœur, A l’école de la phénoménologie, Appendice consacrée à Husserl, Vrin 2004, p 19- 20.

قائمة المصادر والمراجع

 

– Philosophie première II, traduit par Arion Kelkel, PUF 1972.

– Philosophie première, histoire critique des idées  (1923- 1924), traduit par Arion, L. Kelkel, Paris, puf 1970.

– Greisch J.,  -Le buissant ardent et les lumières de la raison, tome 1, Paris, Cerf 2000.

-Emmanuel Housset, – Personne et sujet selon Husserl, Paris, PUF, 1997.

-Husserl et l’idée de Dieu, Paris, les éditions du cerf   “collection philosophie et théologie”, 2010.

– Jean Luc. Marion,   – Etant donnée : essai d’une phénoménologie de la donation,

-De surcroit, études sur les phénomènes saturés,  Puf 2001.

-Edith Stein, Par une Moniale française, Paris, Seuil 1954.

-H. C. PUECH, En quête de la gnose, Paris, Gallimard 1978.

-Louis Pauwels et Jacques Bergier, L’homme éternel, Gallimard, 1970.

-Dépraz Natalie et Marquet Jean-François, la gnose une question phénoménologique, Pour une phénoménologie de l’invisible, éditions du cerf, Paris, 2000.

– Michel Bitbol, La conscience a-t-elle origine? Des neuroscience à la pleine conscience : une nouvelle approche de l’esprit, Paris, Flammarion, 2014

-Raymond Abellio,  Approche de la nouvelle gnose, Gallimard, 1981.

-Claudia Serban, «l’approche husserlienne de Dieu, entre métaphysique phénoménologique et phénoménologie de la religion »,  Alter N° 28, 2020,

-Dastur, « Une phénoménologie de l’événement: l’attente et la surprise », Etudes phénoménologiques (25), 1997.

-Eva grue, « Le Poutique, traité pratique ou le moine », traduit par CL. Guillaumat, Paris, Cerf, ” Sources Chrétiens”, n° 170, 1970.

– H. Charles Puech, « Enquête de la gnose XIV, XV », revue philosophique de Louvain, Tome 77, Février 1979.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. عزالدين جبالي

جامعة صفاقس - تونس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى