العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

التثاقف الأناني: نافدة على عيوب المثاقفة

لردم هوة الاختلاف، لتقبل الآخر و لهدم حصون مانعة من التعارف و الاتصال مع العالم أضرمنا نيرانًا هائجة في سبيل تذويب جليد العزلة و الاغتراب ولأجل الثقافة انشدنا أبياتًا من فيدا الهندوس و حفظنا اسفارًا من توراة اليهود و أقسمنا على صحة أن من عَلِمَ لغة قوم أَمِن مكرهم و في المقابل نسينا أن التقوقع على الذات نجاة و غفلنا على أن هوية الإنسان كامنة في انتماءه لنفسه لا لغيره، كامنة في دينه في عقيدته وفي اختياراته وتوجهاته وغفلنا كذلك على أن الثقافة باتت وسيلة للإنكار والتهميش بدل التعريف وبذا بات التنوع سجنًا للتميز، للتفرد ووسيلة لنسف الذات و الانتماء.

في هذا المقال حاولت أن افتح نافدة أُطل بها واياكم على إشكالية مفادها: ما علاقة الثقافة بالهيمنة؟ كيف تُفكك ثقافة المستعمِر تاريخ المستعمرات؟ وهل فعل الاستعمار يتوقف على استيطان الأرض أم يتعداه إلى استلاب العقل والفكر؟

تُعد المثاقفة إحدى وسائل الاتصال بين الشعوب والأمم  ذلك أنها تحث على الانصهار الثقافي والتمازج الفكري بأن تتصل أمتين على أقل تقدير ببعضهما البعض فتتعرف الأولى على تاريخ الثانية وتحاول الثانية أن تتحاور مع معتقدات الأولى فتتقبل ديانتها وتطلع على توجهاتها بل وتلم بآدابها وتغرف من معين علومها، ولعل هذا دأب المتقدمين ممن سبقونا في بناء حضاراتهم وأرشفة تاريخهم، أو لم تقم الحضارة الرومانية على أنقاض الحضارة اليونانية بل إن المؤرخين والدارسين أكدوا على تطابق الثقافتين رغم اختلاف الأرض والمعتقد، وبالتالي القول بأن جسد الحضارة اليونانية اندثر في غياهب الزمن أما روحها فنُفخت في جسد الحضارة الرومانية واستمر تناسل الثقافة والحضارة رغم تمزق الهوية وتهجين الأصل والشعب.

ثم إن المثاقفة مسعى إنساني لا يتعلق بجنس بشري دون الآخر فنحن عرفنا انفتاحًا على الآخر كما عرف الآخر ثقافتنا وتعرّف على ديننا وعلى عاداتنا وتقاليدنا ولنا في ترجمة الكتب وفي فقه الفلسفات وشتى فصول المعارف والتخصصات ما يروي ضمأ التداخل والاتصال مع الآخر.

ولنا في موجتي «الاستشراق» و«الاستغراب» ما يغني العقل الإنساني بالأخذ والعطاء في آن معًا.

كما أمكننا ملاحظة الاتصال مع الآخر في فعل الاستعمار أيضًا، وإن كنا نختلف في تعريف الاستعمار فترانا نتقفى توجهين أولاهما يقول بأن الاستعمار ليس وجهًا من أوجه المثاقفة بقدر ما هو وجه من أوجه الهيمنة وحب التملك داعيًا في ذلك إلى ضرورة تجاوز بضاعته ومحاربتها لسيء ما فيها وثانيهما يذهب إلى القول بأن الاستعمار ضرب من ضروب المؤاخاة والتآزر وبالتالي تبرير مشاريعه وتبرئة غاياته إلا أننا نتفق على أن لا مزية للاستعمار علينا في بناء الحضارة وفي اعتناق المدنية فالشائع أن الحضارة بدأت مسيرتها من جنة أوروبا ثم انتشرت في بقاع العالم وكان الاستعمار وسيلة لنشر تلك الحضارة، وأنه في تبييض نواياه حاول اقناعنا بوهم «التنوع الثقافي» الذي يحتمل بناء دولة مثالية تزخر بتنوع ثقافاتها ولغاتها وحتى شعوبها.

لكننا لم نرث من هذا الوهم سوى العنصرية والبحث عن النقاء العرقي والألسني، فما ذنب من ولد ببشرة سوداء داخل مجتمع معظم سكانه ذوو بشرة بيضاء وما ذنب الأعجمي في بلاد اللسان العربي؟

إن الحديث عن التنوع الثقافي والتعايش مع الآخر طرح محفوف بالأخطاء والمغالطات فأن نعترف بهويتين لأمة واحدة هو ضرب من ضروب المستحيل ولعل هذا ما سعت إليه الحركات الاستعمارية التي كرست لمبدأ المثاقفة والانفتاح على الآخر لكن من باب الاستعلاء والهيمنة في محاولة لقيادة تلك المجتمعات وبسط الثقافة واللغة التابعة لها في مقابل القضاء على كل المقومات التي تتأسس عليها هوية تلك المستعمرات من لغة ودين وشعب.

وفي سياق حديثنا عن «التثاقف الأناني» الذي تبناه الاستعمار أمكننا استعارة تركيب مجازي مفاده «أنسنة الثقافة» هذا التركيب الذي جسدته الحركات الاستعمارية في اطار المد الاستيطاني والاستيلاب الفكري والثقافي وذلك بأن تتصف ثقافتها بصفات الإنسان الأنانية تلك التي تُوهمه بالأفضلية وبالسمو في مقابل تهميشه للآخر وإنكاره له والذي يغترب عن ذاته ويفقد هويته وانتماءه ليصبح في آخر المطاف غاية لتمرير تلك الثقافات بل ومستوطنة لبناء ثقافة الاستعمار، فالمثاقفة بهذا المعنى توحي كما أشار لذلك كليفورد غيرتز «بإنتاج آليات الهيمنة والإخضاع بإسقاط سماتنا الذاتية على الغرباء حتى يتحول الاخر إلى صورة مستنسخة من الأنا».

وقد عرّف حقل الدراسات السوسيوثقافية هذا النوع من الثقافات بـ« الثقافات السامية» تلك التي أكدت على حجية الثقافة المركزية التي آمن أصحابها بضرورة نمذجة العالم و قولبة العقل الإنساني، وتعديله لأن لا يتقبل ثقافة غير الثقافة السائدة أو الطاغية والتي غالبًا ما تتصل بمنظومة الدول الاستعمارية في مقابل ضد الثقافة المهمشة ما يبرر كساد ثقافاتها وتراجع مدها، ولنا في المادية الرأسمالية وفي الشيوعية الاشتراكية ما يؤكد هذا الزعم ويثبته ففعل الهيمنة الثقافية كما يقر انطونيو غرامشي «لا يتعلق بقوة المسيطر إنما بقدرته على جعلنا نقبل ونسلم بوجاهة هيمنته»، إنها تلك القدرة التي تختزلها نرجسيته وشعوره بالتفوق الِعرقي، الثقافي والحضاري والذي يبني في شخصه حس الهيمنة ومرض القيادة فيجعل من نفسه النموذج والمثال الذي وجب أن يُركب العالم على أساسه، يقول الداعية الفرنسي جول هارمان الذي أقر بمشروعية الاستعمار ولزوميته «ثمة تراتبية بين الأعراق والحضارات وإننا ننتمي إلى العِرق والحضارة المتفوقين … إن المشروعية الأساسية للفتح والغلبة على شعوب أصلانية تكمن في الإيمان بتفوقنا وإن كرامتنا وعزتنا لترتكزان إلى هذه الخصيصة، وما للقوة المادية سوى وسيلة إلى تلك الغاية «إنها الغاية التي تفرض طغيان الثقافات السامية والأعراق المتفوقة على حساب الشعوب الأصلانية ما يؤكد غلبة المركزيات الأوروبية دون الأقليات التي تتوزع في دول الشرق الأوسط والشمال الأفريقي وحتى في دول الجنوب فحجة الاستيطان ما هي إلا وسيلة في سبيل خدمة غايات أكبر تختزلها الهيمنة الثقافية.

وقد أورد الناقد الفلسطيني والأستاذ الأمريكي إدوارد سعيد في كتابه (الثقافة و الإمبريالية) حديثًا مسهبًا حول علاقة الاستعمار بالثقافة وكيف تتحول الثقافة إلى وسيلة هيمنة بعد استفحال الوجود القسري للآخر بفعل الاستيطان و بالتالي الاعتراف بالتعددية الثقافية والعِرقية في المجتمع الواحد والذي سرعان ما يمتثل ويخضع لسطلة الثقافة الغالبة، ثقافة الآخر المستعمِر، و على الرغم من أن شعوب المستعمرات قد تفطنت لخطط الاستعمار الأنانية ما جعلها تتبنى فعل المقاومة التقليدية، أي تحرير الأرض إلا أن الاستعمار في ذلك الوقت كان قد ضمن بقاءه رغم انصرافه ولعل هذا ما أشار إليه إدوارد سعيد بقوله «إن عصر الإمبراطورية انتهى رسميًا مع تفكيك البنيات الإمبريالية الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية لكنه لا زال يمارس تأثيرًا ثقافيًا بالغًا في الوقت الحاضر «لقد اعتنى إدوارد سعيد في هذا القول بضرورة التفريق بين الاستقلال الجغرافي وبين الاستقلال الثقافي ذلك أن هيمنة المستعمر لا تتعلق بوجوده داخل الأرض بقدر انحصاره داخل الذات القومية وتطفله على الثقافة والتاريخ والدين فالإمبريالية على حد تعبيره تستمر حيث كانت موجودة دائمًا، في مناخٍ ثقافي معين، وفي ممارسات سياسية وعقائدية واقتصادية معينة أيضًا.

ويذهب هومي بابا في كتابه (موقع الثقافة) إلى القول بأن «ثمة مؤامرة من الصمت تكتنف الحقيقة الكولونيالية، صمت أسطوري بارع يحول الانتصارية الإمبريالية إلى شهادةٍ عن الخلط والتشوش، الذي يُفقد الأفراد ذاكرتهم التاريخية، إنه صوت الأدب الكولونيالي الذي قامت ذاكرته الثقافية المعقدة على توتر دقيق بين التشرد السوداوي للروائي الحديث وحكمة الحكواتي الشبيه بالحكيم والذي لا تذهب به مهارته إلى أبعد من شعبه»، لقد سعى هومي بابا إلى الربط بين ثقافة الكتابة و بين فصاحة الاستعمار والتي دائمًا ما تحاول إدانة شعوب المستعمرات ووصفهم بالتخلف، الهمجية والدونية.

إن القلق الذي يخلقه التنوع الثقافي في نفسية المستعمرات يؤول بها إلى طرح سؤال «الخيار الثقافي» والذي تُجيب عنه بالخضوع والانقياد، وإن أردت أن أُورد تعريفًا للتنوع والاختلاف الثقافي فإنني حتمًا سأقتفي قول هومي بابا الذي عرفه قائلًا «هو ذلك الانطفاء الخطير الذي يعتري موضوع الثقافة القابل للإدراك والمعرفة في براعة تدليله المضطربة عند حد التجربة».

خِتامًا فإنني باعتباري كاتبة لهذا المقال لا أدعي تأريخًا للمد الاستعماري ولا أدعي النقد بل إنني لا أقف موقفًا يُخول لي مهاجمة المثاقفة ووضع حدِ للاحتكاك مع الآخر إنما أرى نفسي أضع شروطًا للمثاقفة النافعة تلك التي تحفظ فرادة الذات وتَمَيْز العِرق وأصالة الثقافة، إننا نعيش في عصرٍ تتلهف فيه السلطة الثقافية الغالبة على نسف الاختلاف واستنساخ أصنافٍ ثقافية تُكرس لمفهوم النموذج وتسعى جاهدة إلى قولبة العالم شعوبه، ثقافاته، دياناته وتوجهاته.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

ماجدة بوكلوة

باحثة في النقد والفلسفة الغربية – الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى