
انزيـاح العلـم ومهمة الفلسفة
يلتفت فلاسفة معاصرون إلى تنبيه العقول إلى الأفق الذي يقودنا إليه العلم، وإلى القدر الذي ترسمه لنا التقنية، بما أن هذه الأخيرة تمثل «قدر العصر» (Das Schicksal des Zeitalteres) الذي يستعصي الانفلات منه، لن يكون من قبيل الوصف المبالغ في أمره وفقط، بقدر ما هو عبارة عن ضرب من الاستشعار القبلي والحدس الفلسفي للمجرى الذي يمضي نحو العلم، ولطبيعة المستقبل الذي باتت ترتسمه التقنية لأفق البشرية في المستقبل. وأين للنظر الفلسفي أمام هذا الزخم الكبير من التحولات الضاربة التي تؤثث فضاء وجودنا، والتي كان ولا يزال للموجه العلمي والمكون التقني إسهام في ذلك، من أن تبقى على ضفاف الحياد؟ فكيف نتلمس وجاهة لراهن الفلسفة أو وجود حي لها، إذا لم تساكن عمق الراهن أو لم يساكنها هم العالم؟ فرب أصالة فلسفية تتجلى بفعل فرادة الصلة التي تسعى إلى تجسيد مفعولها قبالة أي وضع أو موضوع ينبثق في معطى وجودها، بما هو حال متحيز في اللحظة التي تكون شاهدة على هذا الحال.
ثمة دوما حوار عميق، كاشف وصامت، بين العقل والطبيعة. غير أنه سيطرأ نوع من التحول الرهيب في هذه الرابطة منذ العهود الحديثة، وبالتحديد لما بات العلم يستفرد بنفسه، وشرع يأخذ الطبيعة في مجرى تحويلي جذري، حتى قدّر على العالم أن يستوي وفق صورة تقنية مشطّة. فهل من سبيل أمام التفكير الفلسفي لكي يستعيد الطبيعة والوجود اللذين زجّا بهما في أتون التقنية وفي مجرى العلم؟ أم ليس له سوى التأمل على ضفاف هذا العلاقة اللامتكافئة التي تجري بين العلم والوجود؟ كان العلم ولا يزال لازمة بشرية، مارس توقيعه على الدوام، غير أنه سيشهد انزياحًا عميقًا في المنعطف التاريخي الحديث، وبالتحديد عندما سيمسي العلم في حد ذاته تقنية، لينكب على نحو حثيث في إدخال أفق الوجود والموجود، بما في ذلك الجنس البشري، ضمن منظوره التقني. إن استبصار الراهن الذي ينتدبه العلم لنفسه، وتعيين المهمة التي على مقبل التفكير أن ينشغل به، إنما تتطلبّ تعقّب المسار الدقيق الذي قدر على العلم أن ينتحي في مجراه ليتصيّر تقنية بحد ذاته؛ منتقلًا من الطور الفني الخالص ومن ضرب النظر التأملي الصرف، إلى طور صناعي غالب وإلى ضرب من النظر التقني المتسيّد
فبعد أن انشغل التصور الفلسفي اليوناني بترسيخ التعيّن الوجودي وتسديده وفق منهج تفكّري معقول، وذلك عبر تأهيل واجهة العلم العملي وبالأساس في شقه الأخلاقي، قاصدًا تأمين صلاح الفرد والجمع في إطار المدينة – الدولة، إلى جانب السعي إلى تعقيل علم النظر، وبالأخص في شقه الطبيعي، قصد استكناه روح الطبيعة، سينعطف العلم الحديث، بعد أن نظّم حقله وانتظم في منوال تخصّصات دقيق، نحو تشفير نظم الوجود والطبيعة، ولم تسلم في بعد حتى الذات الإنسانية من الانحناء لهذا التحويل، ضمن متوالية تقنية ودوال قانونية وعددية دقيقة، أمكن ضبطها والتحكم فيها وتسخيرها ضمن أفق مجهول النتائج والعواقب.
إن هذا القدر العميق الذي قدّرتها البشرية لنفسها، وهو وضع بات موضع اهتجاس المعاصرين، ليس سوى تحصيل هذا التحويل الماهوي في صلب الأفكار والأشياء منذ عهود طويلة. ولعل التحويل الذي وقّعته البشرية في الفترة الحديثة، كان له آثر حاسم في الصورة التي تصيّره العالم راهنا واحتكم الوجود والإنسان معاصرًا. بقدر ما كان قدوم الحداثة حدثًا طريفًا بحد ذاته، غير أن الأفق الذي نحته مجراها وفق الإحداثيات التي قدّرت من خلالها درب الموجودات في العالم، بات موضع ريبية حادة بشأن ما تأدّينا إليه وفيما نحن سنؤول إليه. لسنا على يقين تام إذا كنا على اقتدار ممكن لتأسيس راهن يخصنا؛ لسنا نعني الأفق الفلسفي الذي يخصنا، بل نعني إمكان إحداث انزياح واعد للحاضر الذي نتعيّن في مداره، وذلك في أفق رسم غد صحي يمكن أن يتسع للجميع. والقول بذلك، ليس مرده فتور في الإرادة أو وهن طال العزيمة، بل في السبيل الذي ينبغي أن ينهجه التفكير الفلسفي في أفق رفع القدر، وتحويله إلى ممكن قابل للتجاوز في أي لحظة؛ وبالخصوص إذا أخذنا بعين الاعتبار كون الميكانيزمات العميقة التي تتحكم في روح الوجود وظاهره في أفقنا تم إقامتها منذ العهد الحديث.
وحرّي هاهنا التذكير ببعض أمارات التحول التي أرّخت لها الفترة الحديثة؛ فإلى جانب السعي الحديث نحو إخضاع كل المكونات الوجودية للعقلنة، فإن عمق مشروع الحداثة رام كذلك تسيّد الواقع والتحكّم في دقائق الطبيعة، وجعل كل الموجودات والأشياء عهدة في المجرى العلمي الذي بات يوجه بوصلة العهد الحديث الذي كان مندرجًا فيما يمكن وسمه بضرب من «العقلنة العلمية للطبيعة»، وذلك في مسعى طموح يراهن على حيازة مفاتيح الغلق التي بمُكنتها فك شفرة الطبيعة وإدراك لغز الكوسموس. ولعل المشروع الذي اشغل به غاليليه، وأمثاله من العلماء، في سعي محموم نحو «ترييض الطبيعة»، أو المشروع الفكري الذي اندرج ضمن منواله ديكارت من خلال النظرية الميكانيكية والآلية، وأضرابه من الفلاسفة، لخير ترجمان لهذا القدر الذي قدّرته الإنسانية الحديثة لنفسها ولوجودها.
إذا كان وجودنا الذي نستشكله في هذا المقام، ونقدم على تشخيصه في هذا الوضع على نحو ما نعيشه، هو مجرد ترجمة لهذا القدر الذي قدّر لنا أن نحياه ونجبر عليه جبرًا من دون طاقة مادية تمكّن من إعادة النظر فيه نظرة جذرية، ما عدا القوة الفكرية التي تحاول استشكاله من زاوية شد الأذهان وتنبيه العقول الحية إلى هذا المصير الجذري الذي ارتسم لأفقنا. وليس هذا النذير الفكري الذي نبسطه في هذا المقام، إلا من باب استشكال طبيعة التسديد الذي طال ماهية العلم والتقنية حديثًا، إلى درجة صارت فيه انشطاراتها تؤثث فضاء الكون والعالم بشكل غير معهود، يستعصي عن كل ضبط أو حصر أو عد أو تكهّن. وبموجب الذي ارتسم عميقًا في الماهية التاريخية التي وقّعتها البشرية خلال المجرى الزمني الحديث، حكم على الوجود المعاصر أي يسبح في فلك من طوفان التقنية، وكتب على الإنسان في خضم هذا الزمان الرقمي في أن يعيش في دائرة من الحيرة المدوية، وهو تلاطمه أمواج المعلومة وتنهال عليه إفرازات الديجيتال من كل حدب وصوب، والأدهى من ذلك أن تُستدخل ماهية الإنسان نفسها في أوراش العلم والتقنية.
وليس على التفكير الفلسفي من مهمة تكتسي ضرورة قصوى، رغم ضراوتها وعسرها، من أن تولي وجهة تكفيرها صوب هذت المهمة الوجودية القصوى. والناظر في منجز الفلسفة المعاصرة، لا بد وأن يقرّ بالالتفات الفكري المشهود نحو استشكال هذا المنقلب العلمي والتقني الرهيب، ويثني على المناولات الفلسفية التي أفصحت عن تقويم جذري للجبرية التقنية التي جثمت على أفق وجودنا؛ فحق بذلك أن تكون «قدر العصر» الذي يوشح العنوان العريض لنمط وجودنا في العالم، ومعها يتعيّن قدر الفلسفة في تعيين السبيل الأمثل لرفع هذا القدر المسلّط على الموجود والوجود، حرصا على البقاء وتأمين استمرارها في المستقبل المنشود.
لا خلاف على أن حياة الفكر قمينة بتجذير فعل تفكيرها في صلب الحياة في شكل من الحضور الذي يسعى نحو التأسيس لنفسه في كل مرة، وليس روح العقل سوى هذا الانشغال الوطيد بالذي تعيّن في الحاضر بمقتضى هذه المعادية الفكرية. وبحكم النوابت التي تنبسط في مجرى الحياة، كل مرة توقع نفسها باسم جديد وتعيّن ماهيتها على نحو فريد أو تكيّف نفسها في ضوء المنعطف الجديد الذي تصيّرته، قُدّر على التفكير أن يشحذ همّته التفكيرية، ويُسدّد بوصلة تفكيره جهة هذا التّوقيعات المختلفة التي توشّح الواقع، وتتوطّن في الوجود بكيفيات مختلفة وأنماط متنوّعة، مع ما يثيره هذا التعيّن الكثيف من عسر على مستوى المعاينة والمتابعة والتشخيص. ومن الأمثلة التي تستوقفنا في هذا المقام، ونحن بصدد تشخيص ضرب الحضور الفلسفي في الحاضر ونمط المعايدة التي يصرّفها إزاء أحد المعضلات الكبرى التي تكلّل أشكال التواجد، نجد المجرى الذي تصيّرت إليه العقلانية لمّا استوت على شاكلة تقنية مسكونة بروح علمية صرفة. ولعمري إن هذا المنعطف الذي قدّرته البشرية لنفسها، يعدّ أحد المنعرجات الحساسّة الذي يلوح في أفق الإنسانية الراهنة والمستقبلة، لأنه يرتدّ على الذات نفسها في شكل من المحاولة الجذرية لتحوير ماهيتها؛ ولسنا نعني ذات الإنسان حصرًا، بقدر ما نعني بذلك كل أنماط الحياة التي تستوطن الوجود عامة.
وإزاء هذا التمظهر العلمي والتقني الكاسح الذي شرع يستشري في أرض العالم وسمائها، وباتت أوصاله تتغلغل في دبيب العالم المعيش، لزم على أفق التفكير أن يلتفت – على وجه الضرورة وليس الاختيار، وعلى وجه الاستعجال وليس التمهّل- جهة استشكال هذا التحوير العميق الذي ما فتئ يستحدثه التصور العلمي والتقني إزاء ماهية الحياة ومجرى الوجود بعامة. ولما تعيّن على كل تفكير فلسفي أصيل أن يواكب التحولات العميقة التي تلوح في مداره، ويحرص على رصد تشكلاتها الظاهرة وفحص عللها الباطنة والعميقة، وذلك كلّه من باب المواكبة الفكرية الحية لما يعتمل في صلب الحيز المكاني والزماني الذي ينحلّ فيه فعل التفكير ويقع تفاعله في مداره، تعيّن على التفكير الفلسفي أن يكشف عن مفعوله النقدي إزاء هذا التحول الجليل الذي بات يمس ماهية الحياة ومعها ماهية الوجود ومآلهما في المستقبل، وهو تحول كان فيه للتصور العلمي والتقني النصيب الأوفر لتعيين قدر عسير يخصّ طبيعة التواجد في العالم ومجراه.



