العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

«ترييست» الساحرة: «جيمس جويس» مرّ من هنا

إنها مدينة الأدب والأدباء، والشعر والشعراء، وتعدد الثقافات والأعراق. «ترييست»  TRIESTE الساحرة مدينة الجمال، «إحدى رائدات الثقافة المعاصرة». ولد بها، وأقام فيها، ومرّ بها الكثير من مشاهير الفكر والأدب والشعر، منهم: «سالاتابر»، و«ستوباريخ»، و«أمبرتو سابا»، و«إيطالو سفيفو»، و«جورجو فوجيرة»، و«كلوديو ماغريس» و«جيورجيو نيغرلي»، و«جيمس جويس» غيرهم.

تختلف المُدن البحرية عن غيرها من المدن. مُدن «متجددة، غير رتيبة»، تغير أحوالها مع كل قادم/ راحل جديد، وما أكثر القادمين/ الراحلين عبر البحر أو حتى النهر! الأفق البحري ممتد إلى هناك، حيث يوجد مرافيء أخري متنوعة، عامرة بكل مألوف، وغير مألوف من البشر، والثقافات، والأشياء. كل صباح جديد لسكان المدن البحرية/ النهرية.. آمال عريضة ممتدة، ووعود ـ جديدةـ لا تنضب. هم سعداء بالآخرين الوافدين، والراحلين، الذين قد لا يشبهونهم. ومع ذلك يتفهمون، يتثاقفون، يتسامحون، يتعايشون مع التنوع والإختلاف، يستثمرونه.. فكرًا وسلوكًا، وقانونًا لا تستقيم الحياة ـ خاصة حياتهم ـ بدونه. إنه الخروج من حدود الأمكنة «المرئية» إلى رحابة الثقافة والأزمنة «غير المرئية».

هذا هو شأن أدباء وشعراء ومفكري المدن البحرية. وإذا كان ذلك هو شهودها.. المكاني والزماني، فلها أيضًا، حضورها في كيان ووجدان من وُلد، أو أقام، أو مر بها. و«جيمس جويس»، الروائي/ العبقري الأيرلندي، مرّ بها. وكانت مؤسسة المكتبة الحديثة، وموقعها الأدبي قد أجرت استفتاء عن أفضل 100 رواية صدرت في القرن العشرين وشكلت منعطفًا في مسيرة الرواية الحديثة. منعطف أثر في وجدان الانسانية، وبقيت ـ مع الروايةـ في ذاكرة القراء زمنًا طويلاَ. تم اختيار رواية «عوليس/ يوليسيس» Ulysses لـ«جويس». «جويس» (1882ـ 1941م)، المولود في مدينة «دبلن»‏، الذي تعتبره المدرسة الفرنسية في النقد تعتبر «أبو الرواية الوثائقية» بينما يُطلق عليه «جاك دريدا»: «معجزة الرواية الحديثة في القرن العشرين».‏

وكان «جيمس جويس» قد تميز باستخدامه التجريبي للغة، يغزل الألفاظ، ويبحث في المناهج الأدبية الجديدة الممكنة، ويستخدام أسلوب (تيار الوعي) الذي يكشف عن مسار الانطباعات والهواجس، وأنصاف الأفكار، وتداعيات المعاني، والشكوك، والدوافع. فضلًا عن تداعي الأفكار العقلانية لدى شخصيات روايته والتي بدأ بكتابتها العام 1914.‏ ما جعل الرواية معجمًا في أساليب الكتابة لكثير من الكتاب ويمكن ملاحظة تأثيراتها في أعمال «وليم فوكنز» و«صاموئيل بيكت»، و«غابرييل غارسيا ماركيز».

لقد حاول فيها أن يوضح بشكل مستفيض ودقيق ومباشر: ماهية مشاركتنا في الحياة، من لحظة لأخرى. لذا تُعد الرواية «أوديسة» جديدة من وجهة نظر حداثية، وقراءة عشر صفحات يوميًا منها يُعتبر إنجازًا. لم تفارق المشاكل الصحية والمالية «جويس» وهو يكتب «عوليس». ويمثل «عوليس» بطلًا ميثولوجيًا يعاني عذابًا شديدًا ويجتاز المهالك، منذ مستهل رحلته حتى يحقق هدفه النهائي، ويؤوب منتصرًا إلى المكان الذي انطلق منه. على عوليس، البطل المستعدّ أبدًا، أن يكابد طوال رحلته قدرًا كبيرًا من المعاناة النفسانية والذهنية والجسمانية. لكنه يبلغ بنجاح هدفه النهائي: الخلود. «عوليس»، و«الأزمة».. مفردتان هامتان. غير أنَّ المفردة الثانية تحوّلت، في الاستخدام النقدي، إلى صورةٍ ضبابية مبهمة لنهاية العالم، والقيم، والأدب، بل ونهاية البرجوازية. ولأن «عوليس» قد خلبت ألباب قرّائها إلى حدِّ أنّها جعلتهم ينسون أنَّ أكثر من نصف قرن قد مضى على العام 1922 وأنَّ العالم، والقيم، والأدب، والبرجوازية بلا شكّ، قد واصلت نماءها في غضون ذلك. وهذا ما يجعل من الضروري رسم حدود ما بين «الأزمة»، و«عوليس». تعيّنهما بوصفهما حدثين تاريخيين، فريدين.

ففي صيف العام 1914، وقعت الواقعة. وهناك تكمن جذور الأزمة وجذور أدب الأزمة: جذور «عوليس» والمحاكمة والجبل السحري، والأرض اليباب، والرجل بلا صفات. غير أنَّ التأكيد على عكس ذلك هو من بين الأشياء القليلة التي تشترك بها هذه الأعمال: التأكيد على أنَّ الحرب ليست سبب الأزمة، بل تجلّيها العنيف البارز. وبذلك يتحول الاستقصاء إلى السنوات التي سبقت الحرب (عند توماس مان وموزيل، وعند جويس أيضًا، ولو بشكل غير مباشر). بل ويزيل هذه الحرب من الصورة (عند كافكا)، أو يتعامل معها كواحدٍ من منوّعات تاريخٍ متواصلٍ على نحوٍ أسطوري (عند إلىوت).

واستلهم «جويس» حياته لإغناء أدبه، وبشكل رئيس حياته الخاصة. كان «جيمس أوغسطين يولبوس» الابن الأكبر من بين عشرة أبناء «لجون وماري جين جويس.» الأب كان رجلًا سريع الغضب، بينما الأم سيدة ورعة. وكان للمكتبة التي يحتويها المنزل تأثيرًا كبيرًا في تثقيفه المبكر. يعد لقاؤه بنورا بارسنل نقطة تحول حقيقية في حياته الشخصية، ومعها غادر «جويس» دبلن مع كل ما ادخره وكتبه من قصص وروايات كان يخزنها في ذاكرته. وما كان عليه سوى تحويل هذه الذخيرة إلى فن يليق بآماله وتطلعاته.‏ كان «جويس» يشعر بـ«عداوة» تجاه الزمن وأحداثه، محاولًا تخطي الزمن والتخلص من عبء ساعات وأيامه.

وعندما كان «جويس» ينتقل مع «نورا» وطفليهما بين وحول المدن الأوروبية ومنها: تريست، وبولا، وزيورخ، وروما، وباريس استطاع ان يحصل على وظائف عدة بين التعليم والتوظيف الحكومي مكنته من توفير الدعم المادي لعائلته والكتابة. وجاء الإصدار الأول لكتابه الروائي «الدبلنيون مواطنو دبلن» – 1914 إذ تضمن خمس عشرة قصة قصيرة ذات حكايا وحبكات تلقليدية متماشية مع استحضار البيئة واللغة الدبلنية. بعدها «بورتريت لفنان شاب» – 1916 الرواية التي قدمت موضوعًا متميزًا ومقالًا معقدًا لغويًا عن «ستيفن ديدالواس»، وهي شبه سيرة ذاتية بينت بأن جويس منذ ولد وحتى قرر مغادرة دبلن كان منشغلًا في صناعة فنه.‏

وبدأ بكتابة «عوليس» 1914، وقد ظهرت أجزاؤه بالتتابع في مجلة «غويست» في انكلترا، ولتل ريفيو في الولايات المتحدة حتى صادرت دائرة البريد ثلاثة أعداد من هذه المجلات تضمنت مقتطفات من أعمال «جويس» على أساس أنها «إباحية» وغرمت المحررين 100 دولار. وعزز عمل رقابة المطبوعات هذا حب الاستطلاع لدى الناس لمعرفة العمل القادم لـ«جويس» حتى قبل أن يصدر رواية «عوليس» إذ كان النقاد يقارنون الأفكار المتطلعة لجويس بأفكار «اينشتين» و«فرويد».‏

وجمع «جويس» في «عوليس» عصارة مذكراته على مدى عشرات السنين، وما وعته ذاكرته منذ نعومة أظفاره، ومن تذاكر الترام والسينما وقصاصات من الجرائد العالمية، والمجلات النسائية وسجلات الأرصدة الجوية، وروائع الأوبرا العالمية، وخلاصة تعليمه الكاثوليكية، بل وحضارة إيرلندا وإنكلترا وأوروبا وأمريكا والشرق والغرب. وعوليس مساحة فكر روائي اتسعت لمدى الإنسان. وفيها يعتمد «جويس» البنية الهوميرية للأوذيسة ليبني ملحمة معاصرة.  تراه يتتبع تحركات البطل كذلك المئات من سكان دبلن، وهم يسيرون في الشوارع، يلتقون ببعضهم، يتعارفون، يتحدثون في المطاعم والحانات، تحركات ونشاطات تبدو عشوائية.. سجل يومي لأحداث المدينة. لكن في الواقع لا شيء عشوائي في أحداث الرواية فهي تكشف عن العمق المتخفي وراء تلك الأشياء التي تبدو عفوية غير مرتبة.‏

اكتشف المدينة: تمتع بها، وحاول نسيانها

«اصطاجانكو أو(اسطاجانكو) بالإيطالية  Trieste «ترييست» مدينة ومرفأ في شمال شرق إيطاليا قرب الحدود مع سلوفينيا وتقع على خليج ترييست على البحر الادرياتيكي. ازدهرت كجزء من الإمبراطورية النمساوية المجرية خلال الفترة ما بين 1867 – 1918 ولها جذور سلوفانية وكرواتية ونمساوية وأرمينية وإغريقية. لا تختلط، فيهاـ الحدود فحسب، لكن هذه اللغات/ الأسماء أيضًا. لهجة «تريست» المحلية اللهجة الفينيسية وتسمى Triestine وتحوي الكثير من الكلمات السلافية، والألمانية أو اليونانية. هذه اللهجة واللغة الإيطالية يتحدث بها في وسط المدينة بينما تتحدث السلوفينية في عدة ضواحي.

وكانت «تريست» ميناء وسط أوروبا المزدهر في البحر المتوسط وكعاصمة للأدب والموسيقى. وانضمت لإيطاليا بانهيار الامبراطورية النمساوية المجرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. يعتمد اقتصادها على الميناء والتجارة. الأماكن السياحية فيها عديدة منها: الأثار الفنية، العمارة النيوكلاسيكية من الماضي النمساوي، المركز الدولي للفيزياء النظرية، المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة، جامعة ترييستي الخ.

في الختام: مدينة ساحرة، وروائي رائد عصره. هزّ الدنيا كما هزّتها «نسبية» أينشتين، و«تفسير أحلام» فرويد، وكان له مع «يونج» صولات وجولات. شغل نفسه بما في بلده وما في الدنيا وشغل الناس معه، وكان في كل عمل يكتبه يتقنه. و«عوليس» ليست قصة أو رواية أو ملحمة أو مسرحية أو قصيدة، إنها عالم بأكمله، تراث أمّة، تاريخ شعب، مجموعة سير لرجال ونساء. ساحة تذخر بصراعات المدارس الأدبية، ومناورات السياسيين، ومحاورات رجال الدين، ومتاهات الفلاسفة. تبدأ من الأزمنة الساحقة ولا تنتهي إلى شيء، أو ربما تقود إلى القرن 21. تدور على مدى 18 ساعة وتتوه في دروبها أحيانًا.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى