العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

بين الأدب والسياسة: تمثلات الجزائر في كتابات الأديب السعودي عبد القدوس الأنصاري

يعتبر الأديب السعودي عبدالقدوس الأنصاري (1906– 1983م) واحدًا من أبرز رواد النهضة الأدبية والثقافية في المملكة العربية السعودية خلال القرن العشرين، فقد جمع بين الإبداع الأدبي، والبحث التاريخي، والعمل الصحفي، ليؤسس تجربة ثقافية تركت أثرًا عميقًا في مسيرة الأدب العربي الحديث. وُلد في المدينة المنورة، ونهل من بيئتها العلمية والتراثية، فانعكس ذلك في كتاباته التي اتسمت بعمق المعرفة ورصانة الأسلوب واتساع الأفق الفكري، ولم يقتصر عطاؤه على التأليف في الرواية والتاريخ والأدب، بل ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بتأسيس «مجلة المنهل» عام 1937م، التي تحولت إلى واحدة من أهم المنابر الثقافية العربية، واستقطبت نخبة من الأدباء والباحثين من مختلف أرجاء الوطن العربي، منهم أدباء جزائريين، وأسهمت في تعزيز الحوار الثقافي بين المشرق والمغرب. كما يُعد الأنصاري من أوائل الروائيين السعوديين، إذ شكلت روايته «التوأمان» محطة بارزة في تاريخ الرواية السعودية، إلى جانب مؤلفاته في تاريخ المدينة المنورة وآثارها وتراثها الحضاري، وقد آمن بأن الثقافة رسالة تتجاوز الحدود الجغرافية، وأن الأدب أداة لبناء الوعي وترسيخ الهوية العربية، فحرص على أن تكون كتاباته ومجلته فضاءً للتلاقي الفكري والتبادل المعرفي، الأمر الذي أكسبه مكانة مرموقة بين رواد الأدب والتاريخ والصحافة الثقافية في العالم العربي، وجعل من إرثه الفكري شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ النهضة الأدبية السعودية والعربية.

لم تكن الجزائر في كتابات الأديب السعودي عبدالقدوس الأنصاري مجرد فضاء جغرافي أو حدث سياسي عابر، بل حضرت بوصفها رمزًا للكرامة العربية، ومرآة تعكس صراع الإنسان من أجل الحرية والهوية، فقد استطاع الأنصاري، بما امتلكه من حِس قومي ووعي ثقافي، أن ينسج صورة للجزائر تجاوزت حدود التوثيق الإخباري إلى أفق الرؤية الأدبية، حيث التقت الكلمة بالموقف، وامتزج السرد بالتاريخ، وأصبح الأدب وسيلة للدفاع عن قضايا الأمة واستنهاض الوجدان العربي، وفي نصوصه، بدت الجزائر وطنًا للمقاومة، وذاكرة حيّة تحفظ تضحيات شعب رفض الاستسلام، فجاءت إشاراته إليها محمّلة بدلالات البطولة والصمود والإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ولم يكن اهتمام الأنصاري بالجزائر وليد التعاطف السياسي وحده، بل انطلق من إدراك عميق لوحدة المصير العربي، وإيمانه بأن الثقافة قادرة على بناء جسور تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، لذلك حرص على إبراز المكانة الحضارية للجزائر، مستحضرًا تاريخها العريق، وإرثها الفكري، وإسهام نخبتها في تشكيل الوعي العربي الحديث، كما أولى اهتمامًا بالحركة الأدبية الجزائرية، بوصفها امتدادا لتجربة ثقافية قاومت الاستعمار بالقلم كما قاومته بالبندقية، فكان يرى في الأدب الجزائري صوتًا للحرية، وسجلًا حيًا لذاكرة شعب لم يتخلَّ عن لغته وهويته رغم قسوة الاحتلال الفرنسي.

ومن هذا المنظور، تتجلى الجزائر في خطاب عبدالقدوس الأنصاري بوصفها فكرة أكثر منها مكانًا؛ فكرة الانتماء العربي، والنهضة الثقافية، والإنسان الذي يصنع تاريخه بالإرادة والإبداع، ولهذا اكتسبت كتاباته بُعدًا يتجاوز اللحظة السياسية إلى رؤية إنسانية أشمل، جعلت من الأدب فضاءً للحوار بين المشرق والمغرب العربيين، ومن الكلمة وسيلة لتأكيد وحدة الثقافة العربية في مواجهة عوامل التشتت والانقسام.

لقد أدرك عبدالقدوس الأنصاري، مؤسس ورئيس تحرير «مجلة المنهل»، أن الرسالة الثقافية لا تنفصل عن قضايا الأمة العربية، فحرص على أن تكون المجلة منبرًا  للحوار الفكري والأدبي، ومنصة للتعريف بالحركات الثقافية في مختلف الأقطار العربية، وفي هذا السياق حظيت الجزائر بحضور لافت في صفحات المجلة، سواء من خلال المقالات التي تناولت تاريخها وحضارتها، أو عبر الدراسات التي سلطت الضوء على نضال شعبها في مواجهة الاستعمار الفرنسي، بما أسهم في تعريف القارئ العربي بأبعاد القضية الجزائرية من منظور ثقافي وتاريخي، بعيدًا عن الاقتصار على التغطيات السياسية والإخبارية، ويتضح من خلال افتتاحيات مجلة المنهل أن عبد القدوس الأنصاري أولى القضايا العربية والإسلامية اهتمامًا كبيرا، وخصَّ الثورة الجزائرية بنصيب وافر من متابعته وتحليله، فقد كان يؤكد باستمرار أن قضية الجزائر ليست شأنًا محليًا يخص شعبها وحده، وإنما هي قضية عربية وإسلامية تستوجب التضامن والدعم من جميع الشعوب العربية والإسلامية.

ومن أبرز ما كتبه في هذا السياق افتتاحيته المنشورة في ديسمبر سنة 1956م بعنوان «العرب بعد كسر القيود والسدود»، حيث قال: «…فإنه لن يصفو الجو للعرب ذلك الصفاء المبين الذي يُمكّنهم من شموخ نهضتهم وإشعاع وثبتهم، وترسيخ أقدام عروبتهم، ما لم يكسروا القيود والسدود وأخطبوط الاستعمار بقوة وعزيمة صارمة لا تلين…»، ويعكس هذا النص إيمانه بأن تحرير الجزائر يمثل خطوة أساسية في مشروع التحرر العربي الشامل.

وفي السياق نفسه، عاد الأنصاري إلى الدعوة للوحدة العربية في افتتاحيته المنشورة في عدد شهر أغسطس سنة 1961م بعنوان «أيها العرب اتحدوا واستعدوا»، إذ خاطب العرب والمسلمين بقوله: «…فيا أيها العرب… ويا أيها المسلمون… اتحدوا واستعدوا بكل ما في هاتين الكلمتين العظيمتين من معانٍ خالدة وعظيمة… كونوا في الاتحاد كالبنيان المرصوص وكالجسد الواحد، إذا تألم منه عضو تداعى له الجسد بالعلاج والدفاع… اتحدوا واستعدوا في البر والبحر والجو…واستعدوا بإنشاء اقتصاد قوي متماسك ليكون درعًا واقية لأوطانكم، وليقابل على الأقل الأسلوب الاستعماري الاقتصادي الجديد الذي تفتق عنه ذهن المستعمرين…» ، وتعكس هذه الافتتاحية رؤية الأنصاري التي ربطت بين دعم الثورة الجزائرية وتحقيق الوحدة العربية وبناء مقومات القوة السياسية والاقتصادية في مواجهة الاستعمار.

أما فيما يتعلق بالجزائر وتطورات ثورتها التحريرية ضد الاحتلال الفرنسي، فقد تنوعت إسهامات عبدالقدوس الأنصاري وتعددت أشكال حضوره في صفحات مجلة المنهل، فقد حرص على متابعة أخبار زيارات الطلبة والعلماء الجزائريين إلى المملكة العربية السعودية، كما واكب الندوات الصحفية التي عقدها ممثلو جبهة التحرير الوطني، ونقل وقائعها ضمن ركن «شهرية الأخبار»، كذلك اهتم بتوثيق الكلمات الاحتفائية والقصائد الشعرية التي أُلقيت في المناسبات والاحتفالات التي احتضنتها المملكة العربية السعودية تأييدًا للثورة الجزائرية، إلى جانب نشر مقالات أدبية وفكرية تدعو إلى مساندة الشعب الجزائري وتعزيز التضامن العربي والإسلامي مع قضيته العادلة، ومن أبرز هذه المقالات افتتاحيته الموسومة «يوم الجزائر يوم العروبة والإسلام»، التي نشرتها «مجلة المنهل» في عدد شهر فبراير سنة 1958م، حيث عرض فيها تاريخ الاحتلال الفرنسي، ودافع عن حق الجزائريين في الاستقلال، ودعا إلى دعم الثورة ماديًا وسياسيًا، وأشاد بالموقف السعودي المؤيد للقضية الجزائرية، ومما قاله في ذلك: «تذكروا أن مساعدتكم للجزائر مساعدة لكم أنفسكم .. وأن استقلالهم ضمان لاستقلال بلاد العروبة والإسلام أجمع، فهي الثغر الأمامي المباشر أمام العدو الرابض المتسلط العارم.. وهي دار الرباط والجهاد الذي يقف بينكم وبين الغرب المستعمر كالصخرة الشامخة» ، كما كتب مقالاً آخر بعنوان «مثلت الآلام» في العدد الصادر خلال شهر ماي 1960م، صوّر فيه معاناة الجزائر بوصفها جُرحًا نازفًا في جسد الأمة العربية، ولم يكتف بسرد وقائع الاحتلال الفرنسي، بل صاغها بلغة مشحونة بالعاطفة والإحساس، تستنهض الضمير وتدعو إلى التضامن، بالإضافة إلى نشره مقال آخر في شهر ديسمبر من ذات السنة بعنوان «البدور الأولى لاستقلال الجزائر»، قدم من خلاله قراءة تاريخية وفكرية لجذور الحركة الوطنية الجزائرية، مستعرضًا بدايات الوعي الوطني منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ثم وقف عند شخصية الإمام عبدالحميد بن باديس بوصفه رائدًا للإصلاح وباعثًا للهوية العربية الإسلامية في الجزائر، وفي ذلك يقول: «.. وتمضي عشر سنوات على جهاد الزعيم العربي المسلم الجزائري، ورافع أول رايات الكفاح العلمي الأدبي والديني لمقاومة هذا النير الظالم الجاثم على صدور العباد والبلاد، وفي سنة 1936م بالذات عندما استفحل الكلام من السلطات الاستعمارية الفرنسية عن ادماج الجزائر في فرنسا ومنح حقوق المواطنين الفرنسين للمواطنين الجزائريين كثر يومذاك الأخذ والرد بين زعماء الأحزاب في الجزائر وفرنسا في هذا الشأن، وقد عقدت جميع الهيئات والمنظمات الجزائرية بريادة المكافح الأول عبدالحميد بن باديس … وفي ختام الخطاب صدع مرتجلاً بهذه القصيدة العصماء، فكانت أول بذور الحركة الاستقلالية الحديثة في الجزائر الأبية»، كما خصّ بالتحليل قصيدته الشهيرة التي مطلعها: «شعبُ الجزائرِ مسلمٌ، وإلى العروبةِ ينتسب»، ورأى فيها فعلاً البذور الأولى لاستقلال الجزائر، لأنها رسّخت الانتماء الوطني، وحفظت شخصية الشعب الجزائري في مواجهة سياسة الاحتلال الفرنسي الهادفة إلى طمس هويته.

وعشية الإعلان عن استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962م، أفرد عبدالقدوس الأنصاري لهذه المناسبة التاريخية مقالتين عبّر فيهما عن اعتزازه بانتصار الشعب الجزائري بعد سنوات طويلة من الكفاح، فجاءت المقالة الأولى في افتتاحية عدد «مجلة المنهل» الصادر في شهر يوليو 1962م تحت عنوان «استقلال الجزائر»، احتفى فيها بتحقق الاستقلال، كما نوّه بالدور الثقافي والإعلامي الذي اضطلعت به المجلة في مساندة القضية الجزائرية منذ تأسيسها، مؤكدًا أن صفحاتها ظلت منبرًا للتعريف بتاريخ نضال الجزائر ورموز نهضتها، إذ يقول: «… ويسر هذه المجلة بهذه المناسبة أيضًا أن تشير إلى أنها كانت منذ ثمانية وعشرين عامًا تسهم في نضال الجزائر بما لديها من إمكانيات، بما كانت وما لا تزال تنشره على صفحاتها من مقالات وكلمات عن تاريخ نضال الجزائر العربية المسلمة، تارة بأقلام بناة نهضتها الحديثة أمثال الإمام المرحوم عبدالحميد بن باديس، والشيخ مبارك الميلي، والشهيد أحمد رضا حوحو، رحمهم الله جميعًا…».

أما المقالة الثانية، فقد نُشرت في عدد أوغسطس من السنة نفسها تحت عنوان «أصداء مدوية لاستقلال الجزائر»، ورصد فيها مظاهر الاحتفاء الواسع التي عمّت مختلف مناطق المملكة العربية السعودية ابتهاجًا باستقلال الجزائر، مستعرضًا ما شهدته المدن والقرى من احتفالات ومهرجانات شعبية، حيث يقول: «حفلات شائعة ومهرجانات شعبية رائعة تقام في كل مدينة وقرية، في مكة المشرفة، في المدينة المنورة، في الرياض، في جدة، في عنيزة، في جازان، وفي غير هؤلاء من مدن المملكة وقراها، أعلام جزائرية وسعودية تتعانق في سماء المملكة مرفرفة عالية فوق دور الحكومة، ودور الأهالي، وعلى نواصي الشوارع العامة، وفوق المتاجر والمعارض، وفي الميادين العامة، في كل بلد سعودي…» ، وتعكس هذه الشهادة حجم التفاعل الشعبي والرسمي في المملكة مع استقلال الجزائر، وما حظيت به الثورة الجزائرية من مكانة وجدانية راسخة في الوعي السعودي.

وفي إطار الاحتفاء بالمناسبات الوطنية المرتبطة بالثورة الجزائرية، ألقى عبدالقدوس الأنصاري كلمة حماسية خلال الحفل الذي نظمته بعثة الجزائر في جدة بمناسبة الذكرى السابعة لاندلاع الثورة التحريرية، وقد حملت كلمته عنوان «يوم النصر»، وأكد فيها أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد كفاح مسلح، بل قامت على ثورتين متكاملتين؛ الأولى ثورة علمية وإصلاحية استهدفت القضاء على الجهل والخرافة، والثانية ثورة عملية تحريرية مسلحة واجهت الاستعمار الفرنسي، وأرجع الأنصاري الريادة في الثورتين إلى الإمام الشيخ عبدالحميد بن باديس ورفاقه من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين أسهموا في إحياء الوعي الوطني والديني، كما أشاد في كلمته بالموقف الداعم للمملكة العربية السعودية بقيادة الملك سعود، الذي تبنى القضية الجزائرية في المحافل الدولية، ولا سيما في هيئة الأمم المتحدة، حيث أعلن من على منبرها، عبر ممثل المملكة، أن الجزائر وطن عربي يتمتع بشخصيته التاريخية والدينية والحضارية المستقلة عن فرنسا، وأن من حق شعبها نيل استقلاله الكامل.

وانطلاقًا من إيمانه بوحدة الثقافة العربية، فتح الأنصاري صفحات «مجلة المنهل» للأدباء والعلماء والمواطنين الجزائريين، لإدراكه أن أبناء الجزائر هم الأقدر على تقديم صورة أصيلة عن أدبهم وتاريخهم الثقافي، وقد أتاح لهم ذلك التعريف بالحركة الأدبية الجزائرية، ورصد تطورها، وإبراز أعلامها، والكشف عن الدور الذي أداه الأدب الجزائري في الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة العربية في ظل سياسات الاحتلال الفرنسي الرامية إلى طمس الشخصية الجزائرية، بالإضافة إلى نقل معاناة الشعب الجزائري من جراء السياسية الاستعمارية، وفي هذا الصدد، نشر عبدالقدوس الأنصاري في «مجلة المنهل» في عدد شهر فبراير 1958م رسالة بعث بها أحد المواطنين الجزائريين تحت عنوان «إلى من يسمع ويعي من العرب والمسلمين»، سلّطت الضوء على جانب من المآسي التي كان يعيشها الشعب الجزائري تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، وقد تضمنت الرسالة وصفًا مؤثرًا لما تعرض له الجزائريون من قتل جماعي، وتعذيب، وتشريد، وتدمير، ومختلف أشكال الإرهاب الاستعماري التي استهدفت الإنسان والأرض على حد سواء، ومن خلال نشر هذه الرسالة، سعى الأنصاري إلى نقل حقيقة الأوضاع في الجزائر إلى الرأي العام العربي والإسلامي، واستنهاض مشاعر التضامن والتآزر مع الشعب الجزائري في كفاحه من أجل الحرية والاستقلال، وقد جاء في نص رسالة المواطن الجزائري ما يلي: «… نطلب منكم العفو والسماح من قلة المكاتبة، مع أننا نعتبرها واجبًا… ولكن لا يخفى عليكم حالنا اليوم في الوطن الجزائري…إن جسدي كله مطعون بخناجر الاستعمار الغاشم الفرنسي، ولم يسلم منه أحد من الأسرة… اللهم إلا كاتب هذا الجواب إليكم، فلقد نجوت من المنفى بأعجوبة… ونعرفكم باستشهاد الأخ الاستاذ أحمد رضا حوحو، وسبب إعدامه أنه وجهت إليه تهمة المستعمرين باغتيال مدير شرطة قسنطينة هو وثلاثة وخمسين شخصًا معه، كلهم أعدمهم الفرنسيون عن بكرة أبيهم، كما أعرفكم بابنه مصطفى، لقد جاءني خبر من أحد قواد جيش التحرير أنهم أعدموه أيضًا ومعه تسعة من الأسرة، وأما الأسرة فكل من يستطيع حمل السلاح صعد به إلى الجبل مع جيش التحرير، وبعضهم في السجون، وما بقى في البلد إلا السيِّدات وحدهن…».

وتجدر الإشارة إلى أنه جاء  في نص الرسالة ذكر  اسم الأديب الجزائري أحمد رضا حوحو، وهو صديق عبدالقدوس الأنصاري كان يكتب لديه في «مجلة المنهل» سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين، ولذلك حرص الأنصاري على نشر  هذه الرسالة  بهدف الكشف عن جانب من السياسة الاستعمارية الفرنسية في التعامل مع النخبة الفكرية الجزائرية، فمن خلال ما ذكرته الرسالة بأن حوحو أُعدم بعد أن وُجِّهت إليه تهمة اغتيال مدير شرطة قسنطينة، يلمّح إلى أن تلك التهمة لم تكن سوى ذريعة لتصفية أحد أبرز الأقلام الجزائرية، ويعكس هذا الطرح قناعة الأنصاري بأن الاستعمار لم يكن يخشى البندقية وحدها فقط، وإنما كان يخشى كذلك الكلمة الحرة والفكر الواعي، لما لهما من قدرة على تعبئة الجماهير وترسيخ الوعي الوطني، ومن ثم، فإن استهداف الأدباء والمثقفين، عبر تلفيق التهم وإضفاء غطاء قانوني على إعدامهم، يكشف أن المعركة التي خاضها الاحتلال الفرنسي ضد الجزائر لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا حربًا على الفكر والثقافة والهوية الجزائرية، في محاولة لإسكات الأصوات التي جعلت من الكلمة أداة للمقاومة، ومن القلم سلاحًا في مواجهة الاحتلال الفرنسي.

ومن جانب آخر، فقد نسج عبدالقدوس الأنصاري علاقات متينة مع نخبة من علماء الجزائر وأدبائها، وكان من أبرزهم الشيخ مبارك الميلي، رئيس تحرير جريدة «البصائر» في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد عكست «مجلة المنهل» جانبًا من هذه الصلة العلمية والثقافية، إذ نشرت له عددا من المقالات، وكان من بينها مقال «رسالة الجزائر» الذي أعيد نشره في عدد ديسمبر سنة 1977م. وقد تضمنت هذه الرسالة إشارات ذات دلالة تاريخية وفكرية، من أبرزها إهداء الشيخ الميلي كتابه «الشرك ومظاهره» إلى الملك عبدالعزيز آل سعود، وإلى نجليه الملكين سعود وفيصل، وإلى شيخ الإسلام في عهده الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ، في تعبير عن عمق الروابط العلمية والدينية التي جمعت علماء الجزائر بأعلام المملكة العربية السعودية، كما كشفت الرسالة عن رغبة الشيخ مبارك الميلي، بصفته رئيسًا لتحرير « جريدة البصائر»، في توثيق التعاون الإسلامي والعربي والأدبي مع رئيس تحرير «مجلة المنهل»، إيمانًا منهما بدور الكلمة في توحيد الصفوف، وتعزيز أواصر الأخوة، ومقاومة آثار الاحتلال الأوروبي الذي كان يجثم على عدد من الأقطار العربية والإسلامية، وأفادت الرسالة أيضًا أن الشيخ الميلي بعث إلى رئيس تحرير «مجلة المنهل» بمقال خصيصًا للنشر في المجلة، وقد استجابت هيئة التحرير لذلك ، فنشرته سنة 1939م في حلقات متتابعة تحت عنوان «حركة العلم والأدب بالجزائر»، ليغدو هذا العمل من أوائل النصوص التي عرّفت القارئ السعودي بالحياة العلمية والأدبية في الجزائر، وأسهمت في مدّ جسور التواصل الثقافي بين المغرب العربي وبلاد الحجاز.

ولم يقتصر اهتمام عبدالقدوس الأنصاري على نشر المقالات التي تناولت الجزائر وقضاياها، بل امتد إلى توثيق رحلات العلماء وطلبة العلم الوافدين إلى المملكة العربية السعودية من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ومن بينهم الجزائريون الذين قصدوا مكة المكرمة والمدينة المنورة لأداء فريضة الحج، أو لطلب العلم، أو للإقامة هربًا من بطش الاحتلال الفرنسي، ومن أبرز هذه الرحلات زيارة وفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى المملكة برئاسة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي حلّ ضيفًا على الشيخ محمد نصيف في جدة خلال شهر أكتوبر سنة 1952م، وقد أولى الأنصاري هذه الزيارة اهتمامًا خاصًا، فوثّق تفاصيلها في «مجلة المنهل»، في عددها الصادر خلال شهر نوفمبر من العام نفسه، ضمن مقال حمل عنوان «سماحة الشيخ البشير الإبراهيمي في ربوع المملكة العربية السعودية»، مسلطًا الضوء على أبعاد الزيارة العلمية والثقافية، وما جسّدته من عمق الروابط الفكرية والدينية بين علماء الجزائر ونظرائهم في المملكة، ومن تعزيز لأواصر التواصل بين بلاد الحجاز والمغرب العربي في مرحلة كانت تتعاظم فيها التحديات التي فرضها الاستعمار على العالم العربي والإسلامي، وقد أعادت جريدة البصائر الجزائرية نشر هذه الرحلة في مقالين صدرا خلال شهر ديسمبر 1952م.

ما يمكن قوله في الأخير هو أن الأديب السعودي عبدالقدوس الأنصاري قد نجح في تقديم صورة المثقف العربي الذي تجاوز حدود التخصص الضيق، فلم يرَ في الأدب مجرد تعبير جمالي، بل اعتبره رسالة تحمل قيمًا إنسانية وحضارية، وتتفاعل مع قضايا الأمة وآمالها، ومن هذا المنطلق جعل من الجزائر فضاءً حيًّا لهذه الرسالة، بما تختزنه من تاريخ حافل بالمقاومة والتضحية، وما تمثله من إشعاع ثقافي وفكري ظل حاضرًا في وجدان الأدباء والمفكرين العرب، ومصدرًا لإلهام كل من آمن بدور الكلمة في الدفاع عن الحرية والهوية والكرامة.

 

الهوامش:

1 – كاتب إعلامي، وأستاذ جامعي مهتم بتاريخ العلاقات بين الجزائر ودول الخليج العربي.

2 – السيرة الذاتية لعبد القدوس الانصاري:

 https://www.abdulquddusalansari.com/Home/CV

3 – عبدالقدوس الانصاري، «العرب بعد كسر القيود والسدود»، مجلة المنهل، ديسمبر 1956، ص255

4 – عبدالقدوس الانصاري، «أيها العرب اتحدوا واستعدوا»، مجلة المنهل، اوت 1961، ص137

5 – عبدالقدوس الانصاري، «يوم الجزائر يوم العروبة والإسلام»، مجلة المنهل، فبراير 1958، ص 501

6 – عبدالقدوس الانصاري، «البذور الاولى لاستقلال الجزائر»، مجلة المنهل، ديسمبر 1960 ص 362

7 – عبدالقدوس الانصاري، «استقلال الجزائر»، مجلة المنهل، يوليو 1962، ص 76

8 – عبد القدوس الانصاري،« أصداء مدوية لاستقلال الجزائر»، مجلة المنهل، أوغسطس 1962، ص 139

9 – عبد القدوس الانصاري، «يوم النصر»، مجلة المنهل، ديسمبر 1961، ص 453.

10 – عبد القدوس الانصاري، «إلى من يسمع ويعي من العرب والمسلمين»، مجلة المنهل، فبراير 1958، ص 504

11 – عبد القدوس الانصاري، «رسالة الجزائر»، المنهل، ديسمبر 1977.

12 – مبارك الميلي، «حركة العلم والأدب بالجزائر»، مجلة المنهل، الأعداد8، 9، 10، 1939.

13 – عبدالقدوس الانصاري، «سماحة الشيخ البشير الإبراهيمي في ربوع المملكة العربية السعودية»، نوفمبر 1952.

14 – جريدة البصائر، العدد 209، 15 ديسمبر 1952.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

أ.د. رضوان شافو

باحث وأكاديمي جزائري المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى