العدد الحاليالعدد رقم 48نصوص

فانوسُ الشتاء

في قريةٍ نُسيت على خارطةِ الشتاء، كان هناك بيتٌ من طينٍ يقف وحيدًا كحارسٍ طاعنٍ في السن. في زاويته المعتمة يرقد فانوسٌ زيتيٌّ عتيق، لا أحد يذكر متى أُشعل لأول مرة. كانت الجدةُ تقول إن الفانوس «يسمع أكثر مما يضيء»، وكان الأطفالُ يضحكون من هذا الكلام، إلى أن جاءت «نور».

نور طفلةٌ غريبةُ الإصغاء، تسمعُ ما لا يسمعُه أحد: خطى المطر قبل أن يصل، وأنينَ الخشبِ حين يشتاق للنار. في الليلةِ التي وصلت فيها إلى بيت جدتها هربًا من مدينةٍ صاخبة لا تُصغي لشيء، جلست قربَ الفانوس، وسمعت شيئًا لم يسمعه غيرها من قبل: الفانوس كان يئنّ.

سألت جدتها: «لماذا يئنّ الفانوس؟»

فأجابت الجدة، وصوتها خيطٌ من حنينٍ: «لأنه تعب من الإضاءة وحيدًا، يا صغيرتي. كل بيتٍ نسي كيف يستمع، والفانوس لا يشتعل بالزيت وحده، بل بمن يُصغي إليه».

في تلك الليلة، بدأت نور رحلةً غريبة: كل ليلةٍ تجلس قرب الفانوس وتستمع، فيحكي لها الضوءُ حكايات القرية القديمة – كيف كان الأطفالُ يلعبون بالكرةِ على الأرض الطينية والأرضُ تردّ نقراتهم كطبلٍ فرح، وكيف كانت الأشجارُ توزّع أوراقها كنوتاتٍ موسيقية على الريح، وكيف كان الأزرقُ في السماء صوتًا لا لونًا، قبل أن ينسى الكبار كيف يسمعون.

لكن مع كل ليلةٍ تُصغي فيها نور، كان ضوءُ الفانوس يزدادُ اتساعًا وحرارة، وكانت القريةُ تستيقظُ شيئًا فشيئًا: الجيرانُ الذين نسوا أصواتَ بعضهم بدأوا يتزاورون، والأطفالُ عادوا يلعبون في الطين بالرغم من البرد، وحتى صوتُ السياراتِ البعيد الآتي من الطريقِ الرئيس صار – في أذن نور – أشبه بحوتٍ يغني لا بضجيجٍ يُزعج.

لكن في ليلةٍ من ليالي كانون، هبّت عاصفةٌ لم يعرف أحدٌ مثلها من قبل. الريحُ عوت، والمطرُ ضرب السطح بغضب، وانطفأ الفانوسُ فجأة. أظلم البيت، وسكتت كل الأصواتِ التي تعلّمت نور أن تسمعها. بكت نور، وظنّت أن الفانوس مات، وأن كل الحكايا التي سمعتها كانت وهمًا صنعته وحدتها.

جلست في الظلام، وسألت جدتها بصوتٍ يرتجف: «هل انتهى كل شيء؟»

فأجابت الجدة، وهي تمسك يدها في العتمة: «الفانوس لم ينطفئ لأنه فرغ من الزيت يا صغيرتي، بل لأنك توقفتِ عن الإصغاء وأنتِ خائفة. الضوءُ الحقيقي لم يكن في الزيت قط، بل في أذنكِ».

في تلك اللحظة، وبدل أن تبكي، أغمضت نور عينيها وسط الظلام والعاصفة، وأصغت. لم تُصغِ للفانوس هذه المرة، بل لقلبها هي: سمعت نبضها يشبه نقراتِ الكرةِ على الأرض، وسمعت أنفاسها تشبه حفيفَ الأشجار، وسمعت في صدرها ذلك الأزرق البعيد الذي كانت تسمعه في السماء.

وحين أصغت لنفسها لا للضوء، اشتعل الفانوسُ من تلقاء ذاته، أقوى من ذي قبل، وكأنه كان ينتظر أن تكتشف نور أن الصوتَ الذي كانت تسمعه في كل شيء – الفصول، الأشجار، الفانوس – لم يكن يومًا خارجها، بل كان صدىً لشيءٍ بداخلها هي.

هدأت العاصفةُ عند الفجر، وأشرقت الشمسُ على قريةٍ تغيّرت. لم يعد الفانوس يُشعل بالزيت وحده، بل صار أهل القرية يتناوبون على الجلوس قربه كل ليلة، يُصغون كما علّمتهم نور، حتى صار البيتُ الطيني كله – لا الفانوس فقط – قنديلًا كبيرًا من الدفء والإصغاء وسط عتمة العالم الكبير.

وكبرت نور، لكنها ظلّت تحمل في صدرها ذلك السرّ: أن كل ما نسمعه من موسيقى في الأشياء ليس صفةً فيها، بل هبةً نمنحها نحن حين نُصغي إليها بقلوبٍ لم تنسَ بعد كيف تسمع.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

آمال بن الطاهر

شاعرة وناقدة وباحثة من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى